(عنترة) في الأسر

الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: الرمل

«(عنترة) في الأسر» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 95 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

القصيدة الفائزة بجائزة البابطين الشعرية عن أفضل قصيدة في دورتها السادسة (دورة الأخطل الصغير) التي انعقدت في بيروت وقد أُلقيت في حفل الافتتاح بتاريخ 14/10/1998م. (القصيدة مثبتة في ديوان رقصةٌ عرفانيَّة). — سيفٌ طريحٌ..

شاحبُ اللمعانِ.. منكسرُ الصليلْ — ومُطَهَّمٌ..

ذَبُلَتْ على شدقيهِ رائحةُ الصهيلْ — وقصيدةٌ مطعونةٌ..

بَقِيَتْ على الرمضاءِ — ينزفُ من جراحتِها العويلْ

والفارسُ (العبسيُّ) — مغلول الملامحِ في انـهيار المستحيلْ

وأنا هنا — أتوجَّسُ التاريخَ وَهْوَ مفخَّخُ الأحداثِ

بالزيفِ الدخيلْ — يتمرَّدُ العربـيُّ فِـيَّ

وتصرخُ البيداءُ غاضبةً وتنتفضُ النخيلْ : — فليسقطِ التاريخُ..

تسقط كلُّ أقلامِ الرُّواةْ — ولتسقط الكلماتُ

حين تلوكُها بالزيفِ ألسنةُ الحياةْ — واضيعةَ العظماءِ في قلم المؤرِّخِ

حينما الأقلامُ تصبحُ بعضَ ألعابِ الـحُواةْ !! — *******************

أ(أبا الفوارسِ).. — من صميم الوهمِ جئتُكَ

حاملاً مجدَ البداوةِ والمضاربِ والقفارْ — مُتَأَبِّطاً أسطورتينِ

رضعتُ من ثدييهما — زهوي وعادةَ أُمَّتي في الانتصارْ

فكفرتُ بـ(ـالراوي) — إذِ اختتمَ (الروايةَ) بانكساركَ يا عدوَّ الانكسارْ

أ(أبا الفوارسِ).. — دَعْ جناحَ الوهمِ يكبرُ.. دَعْهُ يأخذُني وراء النورِ..

إنَّ الليلَ أرحمُ بالجريحِ من النهارْ — دعْني أكابرُ بالخيالِ

فما تبقَّى من حقيقتي القديمةِ — غير ثورةِ (شهريارْ)

سأتيهُ في قصص الأوائلِ — أربطُ الأولى وإخوتـَها بخيطٍ من دمي

حتى أصوغَ بـها شعارْ — وأروحُ أغرقُ فيهِ..

محفوفاً بسربِ مواجدي — متغلغلاً في (الحالةِ) النوراءِ

تكنسُني بوَهْجِ صبابتي حتى يشفَّ بـيَ الستارْ — من ذروةِ الأشواقِ في جنبيَّ

ينطلقُ اخضرارُ الوجدِ — في سَفَرٍ سماويٍّ إلى أقصى اليقينِ

وينتهي في مقلتيَّ الاخضرارْ — لم يبقَ لي غير التصوُّفِ

يُجْهِضُ الصلصالَ من رغباتـيَ الـحُبلَى — ويطلقُني مع الألغازِ في بستانِ حيرتِها هزارْ

سأطيرُ أبعدَ من حدودِ مشيئتي — في عمقِ داليةٍ

تُحَرِّرُ دُرَّةَ الأرواحِ من سجنِ المحارْ — تَعِبَتْ بـحَمْلِ الصحوِ أجفاني

تُطِلُّ متى تُطِلُّ على مصائرَ — قد (أضرَّ بـها الـجُمامُ) فلا تحنُّ إلى مغارْ

أ(أبا الفوارسِ) — لم تعدْ خيلُ المقاديرِ العريقةُ في دمائيَ

لم تعدْ تشقَى بمربطها — وترتجلُ التمرُّدَ والنفارْ

فالمورياتُ الـحُلْمَ — قَدْحاً في جلاميدِ الخرافةِ بات يطفئُها الغبارْ

************************* — أ(أبا الفوارسِ)..

من أقاصي البيدِ جئتُكَ — حاملاً من نَبْتِها العربيِّ ما سَحَقَتْهُ أقدامُ الرياحْ

في أيِّ جرحٍ ألتقيكَ — ونحن منذ النبضة الأولى جراحٌ في جراحْ ؟!

أنا أنت.. أنت أنا.. — وندخل ساحة الجدل العقيمِ

ونحن لم نبرحْ يمثِّلنا ضميرُ الغائب المجهولِ — في جُمَلِ الكراماتِ الفصاحْ

وطنٌ بأكملِهِ — يُمَثِّلُهُ ضميرُ الغائب المجهولِ

في جُمَلِ الكراماتِ الفصاحْ — ما زلتَ تُولَدُ كلَّ يومٍ

نبضةً منذورةً للرقِّ — تدخل عالمَ الآلامِ من ثقبٍ بجدرانِ النواحُ

ما زلتَ تصرخ في قماط الأسرِ — موشوماً بنيران العبوديَّاتِ

في كتفيكَ.. في الصمصام.. — في الأحلامِ حتَّى.. والصبابة والطماحْ

ما زلت تكبرُ في مراعي القهرِ — تحلمُ حين تحلمُ

بالقطيع يظلُّ في مرأى عصاكَ — وبالخيام تظلّ ترتع في حماكَ

وبالحبيبة تشعل البيداءَ أغنيةً على شفتيْ هواكَ.. — وما تزال تُنَقِّبُ الصحراءَ عن شِيَمٍ

تُحَرِّرُ من هوان اللونِ جوهرَكَ العزيزَ المستباحْ — عبثاً تحاولُ إذْ تحاولُ

ناحتاً من منجم الصحراءِ إعصاراً — لتكنس هامةَ الأسيادِ من زَهْوِ النطاحْ

هُمْ فرَّطوا في الشمسِ — إذْ بخلوا عليك بومضةٍ منها

وشدُّوا الأُفْقَ بالأقواسِ — خشيةَ أن تطير بلا جناحْ

هُمْ مشَّطوا حتى دماءَكَ — يبحثون هناك

عن جذر الفحولةِ.. عن فتيل الوجد.. — عن قيثارةِ الإيمانِ.. عن نبع التمرّد والجماحْ

وسيتعبونَ — فهذهِ الأسرارُ أوّلُ ما تَسَلَّحَتِ الدماءُ بهِ

وآخرُ ما تبقَّى من سلاحْ — ************************

وتُطِلُّ أنتَ — من الهضابِ المشرفاتِ على هزيمتهِمْ

تحاولُ أن تكرَّ — فيعثرُ الإقدامُ في إحساسِ روحكَ بالكساحْ

حتَّى إذا انْدَلَقَتْ على خجلٍ من الأفواهِ: — (كُرَّ وأنتَ حرٌّ)

مثلما انْدَلَقَتْ بأرحام الخنا نُطَفُ السفاحْ — روَّيتَ صدرَ الحلمِ من مُهَجِ العدوِّ

وعدتَ أكبرَ — في حسامِكَ.. في كلامكَ.. في غرامكَ.. في الكفاحْ

أسفي عليكَ — فلم تعدْ إلا إلى القَدَرِ القديمِ

تحرِّر الأغنام من سأم المراحْ — ما زلتَ يا (ابنَ زبيبةٍ) ما زلتَ

نادلَ هذه الحاناتِ في سِلْمِ القبيلةِ — كلّما غُلَّتْ رؤوسُ القومِ كنتَ لها السراحْ

ما زلتَ في قَفَصِ اتِّهامِكَ — ثورةً تستنفر العبدانَ..

تُنبئُهُمْ بأنَّ نصيبَهُمْ في الشمسِ — أبعدُ من حدود العين شاخصةً

وأنَّ الشعرَ أكبرُ من معانـي البوحِ — إنَّ الشعرَ يبرأُ في حقيقتِهِ من الشعرِ المُباحْ !!!

ما زلتَ كلبَ (الحيِّ) — لكنْ لم تعدْ تفتضُّ

صمتَ الليلِ في وجهِ الضيافةِ بالنُّباحْ — خمسون عاماً..

تائهٌ في زحمة الألقابِ — تشتبكُ الهمومُ على فؤادكَ والمطامحُ والرماحْ

وتـهرولُ الغاراتُ — من كفَّيكَ.. من شدقيكَ.. من عينيكَ

أحصنةً.. قصائدَ.. أنجماً.. أودعتَهُنَّ أمانةً عند الصباحْ — لكنْ إلى أين انتهيتَ

وأنت تجترحُ النضالَ ليملكَ الإنسانُ جِيدَهْ ؟! — خمسون عاماً..

والصهيلُ يمورُ في وهج الصليلِ — فترتوي بـهما القصيدَهْ

وتروح تعزفها بسيفِكَ — غضبةً ملءَ الفيافي تنفثُ الحُرَقَ الوقيدَهْ

كنتَ الصبابةَ في بني (عبسٍ) — ليالـيَ أدمنوا السلوانَ..

كنتَ المجدَ — لو عرفوا طريق المجدِ في إيمانكَ العربيِّ..

كنت الصوتَ — لكنْ صادَرَتْكَ الريحُ من أفق الإذاعة والجريدَهْ

ووراء وجهكَ — ألفُ خيطٍ من مكائدهِمْ يُحاكُ

مكيدةً تتلو مكيدَهْ — حتَّى إذا ا كتمل الكمينُ

وضاجع (الغبراءَ) (داحسُ) فوق أشلاءِ العقيدَهْ — طعنوكَ بالبوح الصفيقِ

فغاصَ رمحُ الغدرِ فيكَ إلـى أنِ اخترقَ القصيدَهْ — ************************

يا من وهبتَ الحرفَ نبضَكَ — إنَّهُمْ قطعوا وريدَهْ

يا من وهبتَ السيفَ بأسَكَ — إنَّهُمْ خانوا حديدَهْ

خانوكَ — خانوا آخرَ الشُّرُفاَتِ

في آفاقِ ذاكرة الفداءْ — ولواؤكَ انتهكوهُ

مصبوغاً بألف شهيِّةٍ سوداءَ — تحسنُ كيف تنتهك اللواءْ

واستأصلوا من ذكرياتكَ — كلَّ خاطرةٍ تحاول أن تشقَّ لها فضاءْ

والآنَ تمَّ المشهدُ (الصوفِيُّ) — وانسدَلَتْ بوحدتِهِمْ ستارتُهُ

فيا (حلاَّجُ) حان الكشفُ — إنَّ العشقَ قد بلغ (الفناءْ) !!!

وتَجَلَّتِ (الغاياتُ) يا (أهلَ الطريقِ) — فلم يعدْ للُّغْزِ ذوقٌ بعدما انكشفَ الغطاءْ

أ(أبا الفوارسِ) — هذهِ (ذبيانُ) مِمَّا تَيَّمَتْ (عبساً)

تَوَحَّدَتِ الدماءُ مع الدماءْ — أمَّا (عُبَيْلَةُ)

آهِ من تلك (العُبَيْلَةِ) — لم تزلْ في سَبْيِهاَ الأزلـيِّ

يصهرُها عذابُ البُعْدِ في لهب الحنينِ إلى (الجلاءْ) — وخباؤها نارُ (الكليمِ)

هناكَ آنَسَها الذين استلهَموا منك الإباءْ — شَقُّوا إليها عتمةَ الوادي

فنُودوا من أقاصي النارِ في ذاك الخباءْ : — يا (سالكونَ)..

تَوَغَّلوا في الوجدِ أعمقَ تجتلُوا المحبوبَ — إنَّ العُمْقَ أرفعُ قِمَّةٍ للاجتلاءْ !!

*** — 1417هـــــــــ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الافتتاح: [ف ت ح]. (مصدر اِفْتَتَحَ). 1. "اِقْتَرَبَ يَوْمُ افْتِتَاحِ الْمَدَارِسِ" : يَوْمُ الدُّخُولِ الْمَدْرَسِيِّ. 2. "اِفْتِتَاحُ مَعْرِضٍ الرَّسَّامِ" : يَوْمُ بَدْءِ زِيَارَةِ الْمَعْرِضِ. 3. "أُعْلِنُ عِنِ افْتِتَاحِ الج …
  • الدخيل: الدَّخِيلُ : من دَخَل في قومٍ وانتسب إليهم وليس منهم؟ مَنْ عاش في مجتمع غير مجتمعه كان دخيلاً.-: كلُّ كلمة أجنبيّة دخلت في كلام العرب؛ لا تسلم لغة حيّةُ من مفردات دخيلة.-: الذي يُداخل الإنسان ويُسارّه في أمورهِ ؛ كلِّها؛ …
  • الرمضاء: الرَّمْضَاءُ : شدَّة الحرّ. ـ: الأرضُ أو الحجارَةُ التي حَمِيَت من حرارة الشَّمس؛ (كالمستجير من الرَّمضاءِ بالنّار) مثل يضرب لمن يهرب من شيْءٍ فيقع فيما هو شرٌّ منه. رَمَضَانُ: الشَّهر التاسع من السَّنةِ القمرَّية بين شع …
  • الصليل: الصَّلِيلُ : مصـ. -: الصوتُ الذي له رنين؛ صليلُ السيوف في المعركة/ صليل الحصى في قاع النهر الجاري.
  • الصهيل: الصَّهِيلُ : مصـ. -: صوتُ الخيل؛ حطُّوا رِحالهم فارتفعَ صهيلُ خيولهم.
  • العبسي: عبس: عَبَسَ يَعْبِسُ عَبْساً وعَبَّس: قَطَّبَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَرَجُلٌ عابِسٌ مِنْ قَوْمٍ عُبُوسٍ. وَيَوْمٌ عابِسٌ وعَبُوسٌ: شديدٌ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ قُس: يَبْتَغِي دَفْعَ باسِ يَومٍ عَبُوسٍ؛ هُوَ صِفَةٌ لأَصحاب ال …
  • العويل: العَوِيلُ : رفع الصوت بالبكاء؛ اشتد عويلُهم على فقيدهم.

قصائد ذات صلة

  • أميل نحوك أغدو قاب أنفاس
  • في كل عضو منك روح تقى
  • الخلاص
  • رائق مثل أرجيلة في المساء
  • صيّاد صوفّة السرب
  • لجوء جمالي
  • حملت جنازة عقلي معي
  • المتنبي .. كون في ملامح كائن