زمن الجنائز الجميلة
الشاعر: ممدوح عدوان · البحر: المقتضب
«زمن الجنائز الجميلة» من شعر ممدوح عدوان، من العصر الحديث، وتقع في 76 بيتًا. نُظمت على بحر المقتضب، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إلى أين يا صاحبي؟ — قل إلى أين؟
لم أشرب اليوم — لكنّ عيني تغيم
وهذي الدروب تزوغ — دروب تدور
دروب مقطعة لا تؤدي — دروب التردي
دروب الحشود التي تتهادى على يأسها — تتنامى على بؤسها
كل درب يضيق سراطاً — يسيح صحارى
ولك صباح توشح بالدمع أو بالسواد — وكل أغاريدنا للحداد
كأنا نسير ولا نتحرك — أو أننا سائرون ارتداد
كأن المجازر أعراسنا — وكأن الجنائز أفراحنا
ها هو الأفق وهج حرائق — قل لي: إلى أين نمضي؟
إلى أين تأخذني؟ — والبلايا تزيد
وأنت توسع بسمتك اللغز — ترفع هذي العقيرة بالكلمات العظيمة
والنغم المتساوق — حتى كأنا نسينا فجائعنا
وكأنك جئت تهدهدني للرقاد — توقف
فوهج الحرائق يلفح حلمي — وألسنة اللهب المتستر باللافتات
تفحّم آفاقنا — وأنا لا أحب الرماد
سيول الدماء التي هدرت من غدي — تركت خلف خطوي الدماء اليبيسة
قف نتفرج — فهذي الجنائز مقبلة
وهي الآن وجه البلاد — تفرج معي
قد يجيء غد نتعود فيه على موتنا — مثلما نتعود أمواتنا
قد تجف الدموع — وقد يتيبس فينا الفضول
وقد يصبح الموت إسماً لكل الفصول — تفرج معي
أهل هذي المدينة أهلي — وهم يتقنون الجنائز
حشد من الحزن والتعزيات — وحشد من الأحجيات
رصاص مع النعش — بعض الأغاريد
والنعش يحضنه علم — (هل تميز هذي الجنازة عن فرحة العرس)
بعض المعزين يحشو الجيوب كلاماً جميلاً — وبعض يراقب حزن الحشود
(قليل من الحزن سوف يثير الشكوك — كثير من الحزن يبطل زهو الديوك )
وميت تطلع واستغرب الحشد، — قال: اختفيتم طوال حياتي
وكنت أنقب عن لمسة الحب — عن نظرة تتفهم
لفت دمي وحشة — أغلقت أعين الناس عني
فعشت عراء — لأن العيون بيوت
ترنحت في عتمة من تغاضي العيون — لأن العيون ضياء
وان العيون زنود تساند — كيف أعيش وحيداً
أموت طريداً — وأدفن وسط الزحام
فقالوا: نغيب لكي لا يغرك عمرك فينا — فمات على نعشه مرتين
وظل الحوار كتيماً — لأن الحشود تخبئ أصواتها
وهي الآن ترفع آخر راياتها في الجنائز — من مات صار بلا أي صوت
فقد قتلته رصاصة كاتم صوت — وقاتله حين نفذ فيه الأوامر
برر: لا أعرف الصوت — لا أفهم السر في رغبة الله في كتمه
لم يكن ممكناً كتم صوت عنيد — ولا بد من كتم أنفاسه
توقف قليلاً... سأبكي — تفرج عليّ إذا شئت
إن بلادي تضيق — وتصبح أصغر من فسحة للأمان
وهذي العوالم أطول منها مدى الطلقات — فكل مدى صار يجدي لقتلي
سأبكي — وتضحك
لكنني لم أكن أتوقع منك النياشين — من أجل دمعي
فجائع عمري أكبر من أن يغلفها الصمت — إن البلاد التي أنجبت قاتلين لنا
أنجبتنا لهم جثثاً وحشوداً — فصرنا جنائز رائعة
إن معجزتي تتجدد في كل يوم — لأني أعيش وأسرق يومي
الحروب على مسمع الخوف — والكل منهمكون
ويقتتلون — الشظايا عليّ
وكل انتصار عليّ — النزيف دمائي
وأهل المدينة أهلي — وهم يتقنون الجنائز
للموت بهجته — يقبلون كما يقتضي الحال
بالدمع والكلمات العظيمة — والأغنيات المثيرة
هم يتقنون الجنائز — كي نتقن الموت
يحترفون الحشود — لكي أتقلص وحدي
ويا صاحبي — أنت لا تسمع الشجو
لا تحفظ السر — عيناك تختفيان وراء شرودك
ثم تعودان مقلقتين — فتعترفان أمامي
بأنك تقتلني اليوم! — يا صاحبي
قضيت حاجتي للبكاء — انتفت حاجتي لاعتذارك
إني أقدر عمراً أضعت — لتتقن قتلي
وآمل أنك أتقنته — لم يعد في سجلات أمنك
من سبب لحياتي — وإني عرفت ثمانين عذراً لموتي
ورأسي الدريئة — فيه اختزنت الشهادة والذكريات
وفي الرأس عينان، أذنان، — عقل، لسان
وفيه ينابيع شعري السفيه — ورأسي بهذا العناد،
وهذا اليباس — فضع طلقة وحدها الحل
والحقْ دمي — فبصمت تضيع البلاد... أراها
بصمت يهان العباد... أراهم — وقد صارت الكلمة الآن
وقفاً على كاتم الصوت — يكتم صوت المسدس
يكتم صوتي — ويكتم صوتك
تأتي الحشود — تشيعنا
في جنائز — متقنةٍ.....
____________ — من ديوان: للخوف كل الزمان
البحر والقافية
القصيدة على بحر المقتضب. بحر نادر قليل الورود، سُمّي مقتضبًا لأنه اقتُطِع من المنسرح.
تفعيلاته: مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- ارتداد: [ر د د]. (مصدر اِرْتَدَّ). 1. "الارْتِدَادُ إِلَى الوَرَاءِ": التَّقَهْقُرُ، التَّرَاجُعُ. 2. "الارْتِدَادُ عَنِ الدِّينِ" : التَّخَلِّي والرُّجُوعُ عَنْهُ. 3. "اِرْتِدَادُ الْمَوْجِ" : تَرَاجعُ حَرَكَةِ البَحْرِ عِنْدَ …
- التردي: تَرَدَّى يَتَرَدَّى تَرَدَّ تَرَدِّياً [ردي]: سقط؛ تَرَدَّى في الهوّة/ تردّى في الرذيلة وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى. ـ الرِّداءَ أو به: لبسه.
- بؤسها: بوس: البَوْسُ: التَّقْبِيلُ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَقَدْ باسَه يَبُوسه. وَجَاءَ بالبَوْسِ البائِسِ أَي الْكَثِيرِ، وَالشِّينُ الْمُعْجَمَةُ أَعلى.
- بالسواد: السُّؤَادُ : داءُ يأخُذُ شاربَ الماء المِلح.
- تؤدي: تود: التُّودُ: شَجَرٌ؛ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ أَبي صَخْرٍ الْهُذَلِيِّ: عَرَفْت مِنْ هِنْدَ أَطْلالًا بِذِي التُّودِ ... قَفْراً، وجاراتِها البِيضِ الرَّخاوِيدِ الأَزهري: وأَما التَّوادِي فَوَاحِدَتُهَا تَوْدِيَةٌ، وَهِيَ …
- تغيم: تَغَيَّمَ يَتغيَّمُ تَغَيُّماً : ـ تِ السماءُ: صارت ذات غيم، أي سحاب؛ أقبل الخريف وبدأت السماء تتغيَّم.