أتلفّت نحوك..أبكي
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
تقبلين من الفرح المرتجىتقبلين من الفرح المستحيل
وتأتين كالضوء من عصبيتطلعين من القلب
ينكشف العمر في عريههيكلاً من عظام الأماني
وزوبعة من شقاءْتكشفين قصوري عن الحب
بعدي عن اللهعجزي عن الحلم والذكريات
تجيئين ملء القلوب العريقةملء العيون العتيقة
لم تتركي فسحة للرغائب واللهولم تتركي خفقة للّقاءْ
غربتي كشفت وجههافرأيتك كل الذي مرمر القلب
لم أتحمل دفاعاً عن العشقأو عن طفولتنا
ورأيتك:لم يضطهدني الطغاة لرأي
ولم يأت خلفي الغزاة لأرضولم تجرح القلب في لوعة هجرة الأصدقاءْ
كنتِ خلف التوجع والدمعفي الخوف كنتِ.. وكنتِ الشقاءْ
ولكي أتقرب منكلكي أتلمس نبضك
أو أتقرى ابتسامة عينيككابدت هذا العناءْ
فضحتني الدموع التي صبغت ذكرياتيودمعيَ غالٍ
تعملت كيف استوى الدمع بالدمأعبد من سفح الدمع والدم كرمى لها
فضح الدم حقديفلا عفو عمن أباحوا دمائي
ولا عفو عمن أباحوا البكاءْقلت: قلبيَ يقفز
ينذر بالشرقلبي تعلق مرتعداً
عند أول هذا السوادالذي يملأ الأفق
قلت: جبيني على وشك الإنكفاءْوالعواصف إذ تعتريني تبددني
وأنا أتماسك في ذكرياتكهَدَّأتني
لم تكن غيمة تتجمع سوداء في الغربكي ترتمي مطراً
فالغيوم التي اعتدتها أصبحت ناشفهوالرياح استكانت
فلم تأتنا نذر العاصفهقلتِ لي:
إنها الطيرفي رهبة الأفق سوداء
والناس ترقبهاأقبلت كالشحوب الذي يعتريني
إذا ما ارتعدتِ على ذكرهم نازفهما الذي سوف يأتي؟
ترنحتُ.. أمسكتِنيوتوجعتُ.. أسكنتِني
واندحرتُ.. فأرجعتِنيكانت الطير في رهبة الأفق سوداءَ
جاءت كعتم يفاجئ عند الظهيرةِغطت سماءَ المدينة
واصطدم الخلق بالخلقفالضوء يسودُّ
والقلب يسودُّوالمدن المتسعيذة مشلولة واقفه
وصلت زعقةوتلاها عويل
تغير نبض السماءْذهل الخلق
وابتدأتْ هجماتُ الطيوروراحت مناقيرها تنتقي في الزحام
فرائسها الراجفهخفت ملء عظامي وأوردتي
أقبلت هجرة راودتنيهممت بها
غير أني رأيتك،قلت: معاذَ هوانا
رجعت أسلّم عمريوأخلع خوفي
أواجه نبض نهايتناخفت أن تفقديني
وخفت إذا شدني الخوف صوب الأمانإذا لفني الذعر بين المنافي
بأن لا ألاقيكِ عند المساءْحينما شبَّ بين القلوب هروبٌ
تشبثت باسمكِأطبقت قلبي على نظرتيك
لأجلك أبقىوتطبق حولي مصيدة الطير
أبقى لديكِولستِ معي
أتمسك بالبرق من ذكرياتك في حلكيأتعلق بالماء، يندفع السيل
أنشدّ للضوء، يندلع الليلأنشدّ نحو التراب، يثور العجاج
بلاد تفوروأخرى تغور
وشمس تغيب وراء الطيورأطارد خيط شعاع
تسرب ما بين طير وطيروأغمض عينيّ
ألقي بنفسيَ ما بين عينيكعلّي ألامس نبضاً من العاطفه
تترامى حواليّ نظرات ذعرتشتّت جمع تراخى على دفء ذاك الصباح
وتاه الذين استراحوا على خوفنااتسعت للسيول البراري
فجاءت تعربد فيهم مبدّدةً جارفهفزع البعض للحلم:
فالطير تأكل خبز الرؤوساستعاذ التقي بأربابه:
تلك من غامض العلمقال الجياع:
ذنوبٌ تطارِدُقال الجناة:
انفروا،تلك طير أبابيل
ثم انطوى الأثرياء على نهبهموانطوى الفقراء على جوعهم
يلهثون عياءْأستميحك دمعة حزن
أنا كنت حذرتهمقلت: لا توقظوا طير هذا الزمان
البراءة ليست بجوع قديموليست بخوف قديم
ولكنهم سرقوا كلماتيرموني بها
كلما شئت أن أتذمرواجهت شكواي فوق شفاه اللصوص
وإن شئت أن أتوجعتسبقني صرخاتي من الطغمة السالفه
قلت: أرقبهم شامتاًفالطيور التي أيقظوها تمزقهم
والذنوب التي أدمنوها تطاردهمرحت أرقب من جندلته الطيور
ولكنني كنت أرقب مقتله شامتاًوالبقيةُ مندهشون
يراؤون أن ذهلواحينما انفرز الخلق طائفة طائفه
وأنا أتساءل في حرقتي:ما الذي كان يمنع أن يتحول جوعي إلى طائفه؟!
ما الذي منع الفقر أن يتجول للبحث عن وجههفي القرى والحواري
وبين ضجيج المصانعمَن شاغل الجائعين عن التخمة الهمجية؟
مَن صدهم عن صراخ تقال به التهمة الأبدية:" ما أشبع المتخمين سوى جوعنا."
مِن أولي الأمر جاءت قوائمنا:نحن للحرب
تبقى الدكاكين للباعةالسجن للمتوجع
كيف تكون القصور لهموتعشّش فيها الطيور
تهيج الطيور التي أطلقوهاوتنقضُّ تخطئهم
وتصيب مقاتلنا؟ويباغتني الله في نعمة
تنتقي صفوة القومكيف أصدق أن لدى الله نبع حنان
ولا يتطلع يوماً إلى قهرنا؟لا يرى البشر الساكنين زرائب؟
والآكلاتِ بأثدائهن بلا شبعحيث صنعة عهر
أمانٌ من الفقروالموتُ جوعاً
وكيف تغافل كي لا يرى الآكلين النفاياتفي مدن من مناسف
لا يسند القلب في ضعفهتحت عبء الهموم
إلهي الذي قيل لي إنه صاغني مثلهكنت أرغب لو صغته شبهي
كنت أسكنته وطناًيتفنن كيف سيبكيه في كل يوم
يشكّك في خلقهويطالبه أن يصفق للظلم
يجبره أن يحب العدووأن يتقلص خوفاً أمام الجنود
وأن يتجاهل كيف تضيق عليه الحدودوكنت أطالبه أن يحب بلاداً تجاهره كرهها
ثم تمنعه لقمة بكرامتهوأطالبه أن يحب بلاداً تفاخره عريها
فتبارك هذا الإلهالذي كان ييرفض أن يتمرغ في عيشنا
لم يكن يتقن اللعب فوق المزابللم يعرف السير في قسوة الوعر
لم يعرف النوع جوعاًولم يعطنا ما يواجه هذا البلاءْ
ها هو الله يأتي أخيراًعلى هيئة الطير
ينقر أرواحناكيف لم نره أمس
حين قضينا طوى ليلة نتضوركيف توارى عن الحلم
لم يأت في لقمة أو رغيفوكيف مضى دون أن نتعلم
كيف نصفّي الحسابوأمسكتِني
قلتِ لي: الله يرزقيجزي الثواب لعبد صبور
ولكنه الله أنسى بنيه العقابفلا تحسبيه علينا
ولا تحسبينا عليهابحثي عن سماء بها الله
فالله لم يتحدر إلى الأرضأو فابحثي عنه في وصفه:
لم يكن غير رب غنيفروحي إلى الأغنياء تريه
لقد أيقظوا فتنة تفلق القلبصاغوه فيها رصاصاً
ودارت حواليهمُ غابةلم تكن غير أعناق أموالهم
فإلى أي رب سيلجأ أبناؤه الفقراءْ؟أتظل الحياة الشحيحة فيهم
تقطر محسوبة بالدقائق حتى تجفإذا انقضت الطير في زعقة خاطفه؟
أتلفت نحو بلادي.. وأجهشما همني سمع الله هذا النشيج إذن؟
أم تصامم؟إن كان لا يتنازل أن يمسح الدمع
أو أن يهدئ في ليلة وجعيأتلفت نحو بلادي.. وأجهش:
كانت بلاديَ ملأى بزغردة وزهور وماءوكانت بلاديَ ملأى بنا
كان قلبيَ ملآن بالأمل الطفل:أن يتحول جوعي إلى طائفه.
منعوهوقد أيقظوا قبل وعيي الطيور
وكانت تحصنهم دون علمي القصوروطولب أطفالنا أن يسيحوا الدماء
راحت الطير تزعقراحت تحلق حتى تذوب مع العتم
تنقض صاعقةوالعراة الحفاة ينخّهخم ذنب أسيادهم
يتلمّس كلٌّ على رأسهيتجمع والذعر يدفعه نحو مقبرة
ويضيع الأمانفيبرق شكٌّ على كل وجه
يهيم المطاردَيطلب ملجأه في السجون
ويسطع خوف من الأعين الحمريركض في كل قلب وجيب
فلا قفص الصدر يحميولا الحرس الهمجي
ولا صلوات الدعاءْسألوا الله عن علة الأمر
لم يستمعثم في ليلة،
كان أفقرهم خائفاً من عيون الطيوررأى الله في طلعة للهلال
فقال: إذن.. ذاك ربي يطاردنيسوف يفضحني
كيف يبقى إلهي مضيئاًوكل الذي في حياتيَ عتم
وضوء الطغاة وراء حصون مدججةسورتها الديانات بالصلوات
وكانت قرابينها بشراً أبرياءْوالقرى تتوجع مذعورة
تتهيأ أن تتلقفمن غامض القتل أبناءها في التوابيت
ترقب آفاقها بعيون مجرحةتتوقع صرخات أبنائها
مثلما يتوقع أبناؤها هجمات الطيورفيغلق كلٌّ نوافذه
يفتح القلب للذعرينكر قرع الصديق على الباب
ينكر زغردة الشمس فوق النوافذيلطأ تحت اللحاف
يشكُّ بهمس الرياحويرهب شدو البلابل
يخلي المسامعيخلي الحدائق حتى من الزقزقات
ولا ستر في عربدات الخواطرإلا وشاح من الذعر
توق إلى هربوتفجع أم بذاكرة الخوف
إذ تتشظى دعاءًوتنهار من عجزها بالبكاءْ
الطيور تحوّم مثل صدى يطلب الثأرهل كان رائدها جائعاً يتمرد
أم متخماً يتبرد بالدمهل هذه الرفرفات عيون
يعشعش في حمر أجفانها رمدأم ترى أمة تترمد
فالسوق ضاريةوالدكاكين تعرض ما يستجد
قميصاً لعثمانسيف علي
دماً للحسينوتختلط الصرخات:
نداء التجارةفي شهقات الدعارة
في صلوات العبادةفي صرخات المطاردة الراعفه
أنتِ أبقيتنيفاشرحي ليَ ما الفائده؟
أتراني بقيت على زمني شاهداًأم تراني بقيت على وطني شاهده؟
ولماذا أطارد في حضنك البكرتذبحني بغتة في ظلال ابتسامتك البارده
بين حشد من الأشقياءوفي لهب الذعر أبحث عنك
أقول: سلمنا معاًأو أقول: سلمت بنا
غير أني أتوه وراءكتحت ظلال الطيور
وتحت ظلال السيوفوفي زعقات الطيور
ولسع السياطوبين حفيف الجناح
وبين فحيح الجناةِأتى الموت يجتاح
يشهر في أرضنا منجلهفبدأت غنائي
أردد اسمك تحت المقاصللكنهم حولوك إلى مقصله
وأظل ألوب عليككلما أتلمس بقيا من العمر
بقيا من الحلمأخطو عنيداً
أكابر خوفي وجوعي ويأسيوأعلن عن حبنا المتنمّر رغم الوباءْ
وأناديكلا تسمع الأرض
لا تستجيب السماءْوأناديك بين هدير الدماء
فلا تسمعين النداءْغير أني أنادي.. أنادي.. أنادي
لتبقى بلادي بلاديوأعرف لون ترابك
إذ يرفض الدم حتى يسيلويجتمع الدم والدم
ثم تعربد هذي الدماء سيولاًفتملأ وجه الفضاءْ
ولأني أضعتك مائدة للّئامولم ألق وجهك طائفه للجياع
سألقاك في كل جوع جديدوألقاك في ما نزفنا دماءْ
حينما أتلفت أبكيفأعرف أين اختفيت
ويعرف قلبك أبناءهنتلفت للفجر
ينفجر الفرح المتوهج فينا بكاءْيفضح الدمع أحقادنا
ثم لا عفو عمن أباحوا البكاءيفضح الدم أشلاءنا
ثم لا عفو عمن أباحوا الدماء.____________
من ديوان: للخوف كل الزمان
عن القصيدة
«أتلفّت نحوك..أبكي» من شعر ممدوح عدوان، من العصر الحديث، وتقع في ١٧٥ بيتًا. ورويّها حرف الباء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.