بردى
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
متمهلاً يمشي .. وخوف الناس في عينيه كالمبضعْوطحالبٌ في ضَفّتيه تمصُّ صرخته فلا يُسمعْ
متوجعاً ينسالُ ،بردته تكنِّس أرض شارعنا من الضوضاء
يمتص أحزان الصغار ، ويشرب الأوجاعَ لا يَشْبَعْوالصخر يهجر قاسيون إليه مندفعاً
يُشقق راحتيه على الضفاف ولا يَمسُّ الماءيحمرّ وجه النهر في حَنَقً يسيرُ بدمعه مُتْرَعْ
فإلى متى تتيمّم الأشجار عند الضفة الخضراء ؟والرمل يشرب منه لا يُروى
وفي بَطَر أتت تتوضأ الصحراءيمضي .. بَجرُّ عنانَه قلق
ويلطمه على خديه ما ينمو من الأشواكْفيكمِّم الأمواج مذعوراً
يهدهد هامساً لينوِّم الأسماكْوعلى رمال القاع في حذر تحفّى
سال تحت المرجة الخرساءويرد ياقته على عينيه ، يخفي الوجهَ
نرقبه ولا تتحرك الأيدي تُودِّعهوفي توديعه تتلكأ الأضواء
ويمسُّ أرض الغوطة الخجلى فيرتعشانْيتعانقان بلهفةٍ
ويراقبان ظلال أشجار الطريقليسرقا بعض الهوى أو يطفآ الأحزانْ
ويجوس فيها مولعاً ويصبُّ فيها كل طاقته فلا تَقْنَعْالخوف أضحى لهفة .. حطباً لنار التوق
حتى النارُ أضحت زادها ،التهمت لهيبَ النار غوطتنا
فلم نبصر لحبهما لهيباًلم نلاق دخانْ
وعلى تعرج أرضها استلقى أسىًرمحاً بغير سنانْ
سيروح منها خاوياً ليصير مُسْتَنْقَعْيتباطأ المجرى ..
يعرّج خطوه صوب الظلالوينثني إعياء
الرمل بعد حدودها يَلْمَعْوبراثن الصحراء لا تغفو
وفي شبق للقياهْبدت تتلمظ الرمضاء
***كانت له ذكرى وذاكرة
وكان لديه ما يكفي من الإيمانْفي الشعر غرَّدَ مُدْنفاً
فجرى وصفّق باسماًلاقى الضيوف وأنزل الركبانْ
بدأ الحياة بقفزة نحو الحياةِومرَّ بين الصخر كي يَرْضَعْ
ومضى ليلهوَ في السهوبِكما انثنى ليداعب الوديانْ
التربة الحمراء أولدها جناناًأولد الصحراء حُوراً
عبّأ الأفياءَ بالولدانْلكنها ذكرى وذاكرة بلا أسماء
فلقد تراكم غيظه ..لما تداوله جنون بنيه والأعداء
قفز الضفاف محاذراً بقميصه الممسوك بالأسنانْومضى إلى سوق المدينة وحده نزقاً
يكسِّر ما يصادفه ،ويحرق ما يصادفه بلا حسبانْ
يجري وصفّارات بوليس المدينة خلفهوسلالم الإطفاء
ليعاد مخفوراً إلى المجرى***
متمهلاً يمضي .. وقد أضحى بلا طاقهمتمهلاً والدمع محقون بعينيه
طعنوه مراتً فلم يُصرعْقسموه سبعة أنهر
في كل نهر عذّبوه ،وجرّحوا بالحقد خديه
قلعوا أظافره ، وما تركوا على كفٍّ له إصْبَعْفصدوا دماه وأبعدوها
غيّروا عينيه ،لموا منه سحنته وأوراقَهْ
في كل مجرىً جفّفوه ، وجرّبوا بالسر إحراقَهْحقنوه بالأقذار ، دسّوا فيه ذاكرة بلا ذكرى
دسّوا عليه هوية أخرىقنّوه في باحاتهم
وتسامروا ليلاً على أنّاتهغسلوا به الأقدام والمخدَعْ
وتداولوه فقطّعوه وأرجعوا الأشلاء للمجرىفبكى قليلاً
لو رموه إلى الظلام مكبلاً لم يرتجف ذعراًلو سلّموه لبائس يَزْرَعْ
لو أنّهم تركوه في الصحراء أخصبهاوأنبتها نخيلاً .. أوجهاً سمرا
لو أهملوه ، لشقَّ درباً حيثما يبغيلأمرع في الصحارى جنة خضرا
لو شغّلوه بقسوةًلم يبكهم
لم يرتجف بالقهر كالأسرىلكنه حمل الدموع ، وسار في صمت
وفاجأهم بأن الماء لم يُصرَعوجرى إلى الصحراء يخبرها
بأن النهر قد يدمى وقد يُقطَعْقد يستحيل بحيرةً
قد يستحيل سحابةًقد يلتوي قهراً
لكن هذا النهر ، إذ عشقته أرض الشامأو حضنته غوطتها
فلن يَخْضَعْقد ينحني إن مرت الأنوار تصفعه
لكنه إذ ينحنيحتى يمسَّ الأرض
لا يركعْ
عن القصيدة
«بردى» من شعر ممدوح عدوان، من العصر الحديث، وتقع في ٥٣ بيتًا. ورويّها حرف العين.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.