الربيع موتاً
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
هي ليلةوالريح تهدأ في الربيع
تزقزق الأفراح في قلبيوتندلع الزهور على مسار دمي
يمر سواد هذا اليتمثم تعود أمي في شذا الأزهار
أمي والربيع التوأمانِرأيت أمي في المنام
فقلت: خيراًوانتظرت مجيئها في العرس
ثم رأيتها عنوان مكتةورحت أقلب الصفحات عنها
قلت: خيراً ربما جاءت مع الدرسانتظرت مجيئها إذ يهدأ الاعصار
جاءت والربيعَ جنازتين على الضحى محمولتينلا بأس أن تتململ الأشجار
فالأوراق تشهد أن في قلبي تراباًوالصبا هو آخر الأنفاس من موتاي
ظِلُّ العجز ممتد من الشريان حتى نبرة المذياعأو لا بأس أن تتقدم الأعذار
إن الشمس غافيةوصوتي يائس
وأنا المدلى من حبال الصمتأعرف، دون مكرمة،
لماذا في دمي تتنهد الأزهارأمي في الربيع جنازة
تنداح بين شقائق النعمانقطّفت الزهور وجئت للفرح العصي
وفي شكوكي حيطةفالزهر ينفع في الجنائز
يسهل التغيير من دمع السعادةنحو شهقات الفجيعة
من تغاضي الخوف، والرجفان بين سنابك الحراسنحو تنهد الأسرى
ومن صخب الأغاني في اعتزاز النصرنحو تذمر المهزوم كي يخفي مهانته
أقول إذن:ترى من كان يعرف أن هذا الموت
يبلغ سحره أن يجمل الموتى بهأن نلتق بجمال موتنا
الذي حجبته عنا زحمة الدنياوأحلم مثلما يحلو لضعفي
سوف تبدأ حربنا برصاصةأطلقتها عمداً على الأفراح والأحزان
خاصمت العواطف كلهامذ قُدِّمت قسراً
مجهزة بفيض دموعهابالابتسامات الصفيقة
والزغاريد البغيةسوف أنسى الوشم في وجهي
ووهج الذل في عينيّأنسى أنني أتقنت إظهار البراءة
كلما واجهت عيناًكلما أحسست بالخطو الثقيل دنا
وأطلقت الرصاص على السعادةإنها موسومة في القلب
كي يتمتع السياحأو لا يشمت الأعداء
علّ الضيق يخدعهذه الأرض العجيبة أغلقت أوجارها
في أوجه الخلعاءما عادت تقدم غير مقبرة لمن خُلِعوا
ومنتجع لكيد الوالغين بعمرناهل كان نومي في ظلام الكهف أطول من نعاسي؟
مَرّ حولي الدهر دون تحيةفأفقت ضيقاً بالرقاد
وكنتُ لم آنس ولو قبساً على مرمى بلاديلم أواجه لسعة للجمر إلا في فؤادي
كيف أترعت الحنايا بالرمادأرى بلاداً غير ما أنشدت من جوق الطفولة
غير ما خبأت من أجل الكهولةتلك دنيا غير دنيا
غير ما شاهدت في الأحلامأو ما كنت أقرأ في الصحائف
تلك دنيا ازّينت بتهدم أو بانهيارإنه رمل يباهي بالجفاف
وأوجه تزهو بَمسخٍبغتة أرضي تضيق بما عليها من تراب
والرياح بما لديها من هواءوالنجوم بضوئها
وأنا أضيق بكل صوت في السكونأشك بالصمت المشوب بأعين
راحت تحاصرني بعاصفة الظنونولم يدم لي مثل ما خلفت
غير مجيء أمي والربيع جنازتينلعل هذا الضيق يخدع،
كيف جفّفني الشتاء؟وكيف قدّدني الشقاء
وصرت أعجز أن أكيل الحقدأن أرجو الحنانْ
لم يُبق لي هذا التقهقر غير أمنية ملفقةسمعت ذبائح الأوطان تشكر نصل سكين
رأيت جلودها تحشى مواشيَ من جديدكي تبارك ذابحيها الطيبين
عرفتُ أني إن صرخت،فكل عضوٍ فيّ يأتي شاهداً ضدي
وأني إن هربتُ،وخفَّ خلفي الطاردون
فكل عضو فيَّ يدعوهم لكشفيإن وقعتُ
وسار بي الفتَّاكُ نحو النطعتخذلني دمائي
ثم تشكر للخناجر فضلهاوعرفت أني كنت سكيناً،
ومذبوحاًوساقية الدماء
وعريت من خجلي أمام ذبائحيسأعيِّر الجثث الطريحة بالذباب على مناحرها
وبالدم حين ييبس تحتهاولربما أعلنت أن تفسخ القتلى
دليل النتن في دمهمعرفت بأنني أحيا بلا عمري
ظروفي الآن تسمح لي بطلقة غادرأو طعنة في الظهر
تعزية بموتي بعدهابرقيتين تعددان مناقبي
تستنكران الغدر بيوعلى ضريحي زهرة
وخطاب تعزية...ونسياني
(الظروف تبيح دعوتا لبذل دميوحين يفور من فوق الموائد والمكائد
أو يطلُّ من الأضابير العتيقةأو من الذكرى
الظروف تؤجل الموضوعمن أجل التداول في أمور بحثها أجدى)
فآه يا دميألأنني أرخصت بَذْلَكَ أرخصوك؟
لأنني أهملت تضميد الجراحتوهموا أني رخيص العمر
حين بزغتُ في الأشجارلم يقبل عليّ سوى الخريف
يفكّك الأوراقيمسح عن جذوري الماء
يقتاد التراب إلى الصخور... وحين أملت بالمستقبل المطري
لم يقبل عليّ سوى الفجر المدجج بالصقيعْوعلى ترامي الأفق
تحتشد الزهور لدى ربيع زائفكشف الصبا عن سترة الموتى
وجاء محملاً بروائح الجثث العتيقةجاء يجمعنا بها
وتقدم الحشد المضيء إلى القبورجنازتان لديه:
أمي والربيع.____________
من ديوان: للخوف كل الزمان
عن القصيدة
«الربيع موتاً» من شعر ممدوح عدوان، من العصر الحديث، وتقع في ٧٤ بيتًا. ورويّها حرف الراء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.