يا جاري الطيب

الشاعر: طالب همّاش · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة غزل

«يا جاري الطيب» من شعر طالب همّاش، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة غزل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

في هذي الغيبوبةِ من ساعاتِ السكرِ الأولى ... والشمسُ على بابِ المغرب ِ

ترتفعُ الأرواحُ كرفِّ حمامٍ فوق الوادي ... ويطلُّ القمرُ الحلو ودوداً وحنونْ

يا جارُ تعالَ لنسهرَ قبل الليلِ ... وبعدَ الليلِ

وطيّبْ نفسَكَ بالإصغاءِ إلى صوتِ الحسونْ ! ... يا جارُ تعالَ

ورقّقْ روحكَ بالموسيقى ... لتكونَ رقيقاً وصديقا..

وتعالَ ولا تأتي ... إلا من جهةِ الليمونْ !

شفَّ جمالُ الزهرةِ في الكأسِ ... وشفَّ سوادُ العتمةِ في ماءِ الكأسِ

شفافيةً تسكرُ ماءَ القلبِ أسى وسكونْ ! ... فالنسماتُ ثمالى

وتهرهرُ أزهارُ الصفصاف ِ ... الشتويّةُ فوق كراسينا

وأريجُ الخمرةِ يملأ ُهذا الكونْ . ... فاسلكْ دربَ النهرِ

ولا تسلك دربَ الوعرِ ... لعلكَ تسبحُ في مائيّةِ ليلٍ زرقاءَ

وتغسلُ قلبكَ قبل مجيئكَ ... في ماءِ الضوءِ ..

لعلّكَ تقطفُ زهرةَ نيلوفرَ بيضاءَ ... وسوسنةً لجمالِ الأبيض ِ

في سهرتنا ... وكخاطرةِ الحالمِ بالحلمِ

تعالَ مع اللونِ الأزرقْ ! ... فأنا رتّبتُ كراسينا في دائرةٍ حولَ البركةِ

وسقيتُ أصيصَ الحبقِ العطريِّ ... بماءِ الوردِ ..

وفوّارةُ ماءٍ تترقرقْ ... يا جاري الطيبَ كالطيّونةِ

والموجعَ كالزيتونةِ ... ما أمتعَ أن تهتزَّ طروباً

منشرحَ الصدرِ ... لصدحةِ عصفورِ الدارِ

وأن يتقطّر قلبُكَ كالريحانة ِ ... حتى تتحرّرَ روحكَ

وتحلقَ في نشوتها كفقاعةِ صابونْ ! ... ما أمتعَ أن تجلسَ جنبَ الرمّانةِ ،

وتذوبَ بصوتِ الحسونْ ! ... فتعالَ وضيّعْ نفسَكَ في ليليّةِ هذا الليلِ

فشأنكَ شأن العاشقِ ... أن تسهرَ سهرتكَ الورديّةَ

بين الجرّةِ والنهرِ ... وتصغي للريحِ الحاملةِ الموسيقى

من قلبٍ مكسورٍ ليتامةِ قلبٍ مكسورْ ! ... وتدوّرَ في مجرى الليلِ مصابيحَ الدورْ

.. شأنكَ شأنُ الناسكِ ... أن تسهرَ منتظراً طاووسَ الصبحِ على السورْ

أن تشهدَ كيف يصيرُ القمرُ الطالعُ ... من عشِّ الغيمةِ بعد الخمرة ِ

طائرَ نورْ . ... ما حانَ أوانُ الغفوةِ بعدُ

فأمهلْ نفسكَ حتى تُسقى سقياها ، ... والخمرةَ حتى تجري في بهجةِ روحكَ مجراها

واجلسْ كي نسمعَ حبّاتِ المشمشِ ... تسّاقطُ في الماءِ العذبِ

ونسمعَ في منبلجِ الفجرِ الصافي ... صفراتِ العصفورْ !

سبعُ إوزّاتٍ حطّتْ فوق كؤوسِ السهرةِ ... واهتزَّ هزارُ النشوةِ في الأوتارِ

فوتّرْ نفسَكَ كالقوسِ ، ... وأطلقْ سهمَكَ في نقطةِ عينِ العقلِ المخمورْ !

فسماءُ الأمسيّة هادئةٌ ... والكونُ مصلّى

ومسيحُ الليل يرشُّ على السهرةِ ... حفنةَ نورْ ..

لا تتعجّلْ بالشرب ِ ... ولا تسكرْ من كأسٍ واحدةٍ

كأساً كأساً يتصفّى في عينيكَ زلالُ الحزنِ ... وأسكرْ بين ذراعيكَ الجرّةَ ،

دوّرها بين يديك ... المرّةَ تلو المرّه

لتدورَ نجومُ الليلِ برأسكَ ... مثل كراتِ الرمّانْ !

بالكأسِ الأولى ... ستشفُّ لكَ الرؤيا كسحابةِ صيفٍ شهباءَ ببركةِ ماء ْ ...

وبثانيةِ الكأسِ ... ستبصرُ قلبَكَ يسبحُ داخلَ صدركَ

في ماءِ الصعداءْ .. ... وبثالثةِ الكأسِ

سيصمتُ في عينيكَ الكونُ ... كقديسٍ سكرانْ !

يا جارُ تعالَ إلى داري ... ما أجملَ حُبّ الجيرانْ !

قلبي كروانٌ أزرقُ ... مملوءٌ بغناءٍ شفّافِ

الرجعِ ... وقلبكَ عصفورٌ

يتعلّمُ بالشرب ِ جمالَ الطيرانْ ! ... فأنا أجلسُ منتظراً أن تأتي

كي نسبحَ في نهريّة موسيقى ... ونعلّقَ صوتَ الشحرورِ الراهبِ

والكروانِ القديسِ على غصنِ الدالية السهران ْ . ... وأنا كلّ مساءٍ

أسهرُ كالقنديلِ الخائف ِ قدّامَ الأيقونةِ ... منتظراً أن يأتي الألاّفُ

فلا يأتونَ سوى أطيافْ ! ... يا جاري المضيافْ !

إسهرْ حتى الفجرِ ... لتسترخي الريحُ على راحتكَ المفتوحةِ

ويرين الصمتُ الشفّافْ ! ... همساتُ الموسيقى تسكرُ روحكَ في الأريافْ ..

ما آنَ أوانُ الغفوةِ بعدُ ... وصوتُكَ في الليلِ جميلٌ يا جارُ

فغنِّ بأشجانكَ ... يا ذا الصوت الطيّب حتّى أغفو

فأنا في الليلِ الوحشيِّ أخافْ ! ... لا أغفو إلا وأنا أسمعُ

أصواتَ الأضيافْ .

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الحسون: حسن: الحُسْنُ: ضدُّ القُبْح وَنَقِيضُهُ. الأَزهري: الحُسْن نَعْت لِمَا حَسُن؛ حَسُنَ وحَسَن يَحْسُن حُسْناً فِيهِمَا، فَهُوَ حاسِنٌ وحَسَن؛ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ مَحاسِن، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كأَنه جَمْعُ مَ … (لسان العرب)
  • الحلو: (حَلَوَ) الْحَاءُ وَاللَّامُ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَلٌّ، ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: فَالْأَوَّلُ طِيبُ الشَّيْءِ فِي مَيْلٍ مِنَ النَّفْسِ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ مَهْمُوزٌ - تَنْحِيَةُ ال … (مقاييس اللغة)
  • الليمون: (لَيَمَ) اللَّامُ وَالْيَاءُ وَالْمِيمُ. يَقُولُونَ: اللِّيمُ. الصُّلْحُ. وَأَنْشَدْنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانُ قَالَ: أَنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إِذَا دُعِيَتْ يَوْمًا نُمَيْرُ بْنُ عَامِرٍ ... رَأَيْتَ وُجُوهًا ق … (مقاييس اللغة)
  • المغرب: غرب: الغَرْبُ والمَغْرِبُ: بِمَعْنًى وَاحِدٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الغَرْبُ خِلافُ الشَّرْق، وَهُوَ المَغْرِبُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ؛ أَحدُ المَغْرِبين: أَقْصَى مَا تَنْتَهي إِليه … (لسان العرب)
  • تسكر: سكر: السَّكْرَانُ: خِلَافَ الصَّاحِي. والسُّكْرُ: نَقِيضُ الصَّحْوِ. والسُّكْرُ ثَلَاثَةُ: سُكْرُ الشَّبابِ وسُكْرُ المالِ وسُكْرُ السُّلطانِ؛ سَكِرَ يَسْكَرُ سُكْراً وسُكُراً وسَكْراً وسَكَراً وسَكَرَاناً، فَهُوَ سَكِرٌ … (لسان العرب)
  • كرف: كرف: كَرَفَ الشيءَ: شَمَّه. وكَرَفَ الحِمارُ إِذَا شمَّ بَوْلَ الأَتان ثُمَّ رفَع رأْسه وقلَب شفَته؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ للأَغلب العِجْلي: تَخالُه مِنْ كَرْفِهِنَّ كالِحا، ... وافْترَّ صَابًا ونَشُوقاً مَالِحَا وكرَف ا … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • ملكوت الحزن والعاقول*
  • موعد
  • أرملة مغني الرباب الحزين
  • مونولوج العزلة
  • كأني ما زلتُ أعدو ورائي
  • أحزان الأعالي
  • وحشة وبعض خريف
  • راعية المواويل