في مهبِّ الموت
الشاعر: فريد ياغي · البحر: الرمل · الغرض: قصيدة شوق
«في مهبِّ الموت» من شعر فريد ياغي، وتقع في 63 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أبكي إذا بعثرتِني في بوحكِ الصّوفيّ أغنيةً من الهمس الشّفيفْ — أبكي على خطوي الّذي لا يرتمي إلّا بدربِكِ
قربَ أوجاعِ الرَّصيفْ — أبكي معاركي الّتي ما خضتها يوماً
ملامحيَ الّتي لم تمنحيها فرصة أخرى — وأبكي كلَّ قمحٍ يابسٍ
يهتزُّ في وترِ الرَّغيفْ — أبكي احتضار الضَّوءِ في وجعِ السُّؤالِ
وغفلةَ الظِّلِّ المشاغبِ عن تجليَّ الأخيرْ — أبكي احترافَ الغيبِ ألعابَ التَّخفِّي
وامتزاجَ الرُّوح بالجسدِ التُّرابيِّ الكسيحِ — فلا تطيرُ
ولا يطيرْ — أبكي مواقدَ وحدتي ...
إنْ أشعلتها الذّكرياتُ بما يسيلُ من الحنينْ — أبكي عيونَ الرّاحلينْ
ترنو إلى الخلفِ القريبِ — ودربها يمشي ويعثرُ خطوهُ بالعابرينْ
أبكي مواقد وحدتي ... — إن أشعلتها الذّكرياتُ بما يخربشُ ظلّكِ الوثنيّ في روحي
وأبكي ماءَ ليلي ... — إنْ تسرَّبَ من أصابعِ شهوتي
أبكي اعترافي بالبكاءِ لدمعتي — أبكي على العرشِ الّذي أغوتهُ أغنيةُ الصّعودِ إلى سمائي كلّ حينْ
أبكي على قلبي الّذي قَدْ مزَّقته جراحهُ بينَ المنافي والنِّساءْ — أبكي على البارودِ ... يُحرقُ نفسه
لا يربح النّسيان للغدِ — بل يُسافر حينَ تقتسم المعاركُ ملح دمعي بغتةً
وترشُّهُ لِتُنَكِّهَ الحربَ الطّويلة بين شيطانِ البسيطةِ والسّماءْ — أبكي على وقتي ...
الّذي لا ينقضي إلّا بِلَسْعِ عقارب الكون الغريبِ — ولا يحنُّ إلى سواهْ
ويعود منفياً — تباركهُ الحياةُ هناكَ في اللّاوقت لحظةَ قبلةٍ
ويظلُّ يرجفُ — حدّ أنْ يمضي ويبلغَ ليلُهُ في الصَّمتِ وحياً منتهاهْ
* — متعثّرٌ بالأغنياتِ
وماءُ لحني داكنٌ — يقتصُّ من لغةِ اليبابْ
سمراءُ أغنيتي أنا — فلترقصي يا ريحُ خلفَ البابِ
لا — لا تدخلي
أحلامي الحسنى تخافُ من الرِّياحِ إذا مضتْ في غيِّها — وتئنُّ إنْ عَوَتِ الشَّبابيكُ الوحيدةُ لحظةً
وتسيرُ مسرعةً إلى بؤس السَّرابْ — سمراءُ أغنيتي بلونِ الأرضِ
تكبرُ — ثمَّ تكبرُ
ثمَّ تبقى طفلةً ... — تبكي إذا جرحتْ ملامحَها مخالبُ لعبةٍ سوداءَ يلعبها الكبارْ
سمراءُ أغنيتي — ووحيي أشقرٌ
وعيونيَ الجذلى امتدادٌ للمروجِ — ووجهي البدريُّ أبيضُ
واقتراحُ النَّبضِ في جنبيَّ نارْ — سمراءُ أغنيتي
وأوتاري ترابٌ — واقتباسُ اللَّحنِ قمحٌ أخضرٌ
يا قمحُ ... — يا وحيَ المرافئ أنتَ أشهى من وصولِكَ
كم سيوفٍ قطَّعتك على دروبِ العابرينَ؟! — وكم عيونٍ كسرتكَ على زجاجِ الجائعينَ؟!
هناكَ كم قتلوكَ؟! — كم صلبوكَ يا قمحُ؟!
اعترفْ ... — وبقيتَ أنتَ وهمْ مضوا
يا قمحُ ... يا صبرَ المواسمِ والفرحْ — سمراءُ أغنيتي
وصوتي غامضٌ — يشتقُّ أحرفهُ من اللُّغة القديمةِ واحتمالاتِ القُرَحْ
* — عذراءُ خاليةٌ من المعنى حروفي
وانسكابي خلفَ صمتي صبوةُ الإيقاعِ والمعنى النديِّ — ونحنُ أبناءُ الحياةِ نعيشُ كي تحيا الحياةُ
نموتُ كي نحيا — نموتُ إذا خبت كلماتنا
ونموتُ حين الظِّلُّ يغتالُ الضِّياءَ — نموتُ حين اللَّيلُ ينتحلُ الحقيقةَ وحدهُ
ونموتُ حينَ الأمسُ يغدو كلَّ حاضِرنا — نموتُ إذا اكتفى مِن دمعنا الوقتُ
كم مرّةٍ!! — كم مرّةٍ سنموتُ يا موتُ!!!
يا موتُ ... — صوتكَ كاحتمال الحبِّ
يولدُ — ثمَّ يكبرُ
ثمَّ يقتلُهُ النَّدمْ — يا موتُ ...
يا ثدي الهباءِ — جميعنا بعدَ الرَّضاعة أخوةٌ
لا تستحي أجسادنا النَّوم الشَّهيَّ على فراشٍ من عدمْ — يا موتُ ...
يا ذاكَ النَّبيَّ الظَّالمَ المرتابَ ممَّن آمنوا — كم مؤمنٍ أحصيتهُ بين الضحايا؟!
كم شهيدٍ في سبيلكَ أنتَ قاتِلُهُ؟! — وكم عينٍ قتلتَ ضياءها في الفجر
ظلماً كي تراكْ؟! — يا موتُ ...
علِّمني جنونكَ — كيف تقتل حين تعشقُ؟!
كيف تبتكرُ الصّدى في ذكرياتٍ أنتَ أنجزتَ النِّهاية في محاجرها؟! — وكيفَ إليكَ تتَّجهُ الأمورُ
إليكَ ... لا أحدٌ سواكْ؟! — يا موتُ علِّمني انتماءَكَ للجميعِ
وكيفَ تلتمعُ النُّجومُ بفلككَ الغافي وتسرحُ في سماكْ — يا موتُ...
علِّمني خروجكَ عن نصوصٍ لستَ كاتبها — وعلِّمني قبولَ الآخرينَ
لكلِّ ما كتبتْ يداكْ — يا موتُ جرِّبني وخذني
ربّما أغدو تراباً يستحقُّ العيشَ أكثرَ — ربَّما أغدو كما تغدو جميعُ الأمنياتْ
يا موتُ جرِّبني — وكنْ منِّي كما قدْ كنتُ منكَ
وأوقد الرُّؤيا على غديَ المسافر في دروبِ الذِّكرياتْ — يا موتُ ...
جرِّبني وحوِّلني لكسرةِ خبزِ حبٍّ — إنْ غوتْ تكفي لقوتْ
يا موتُ ... — جرِّبني
وجرِّبني — لعلِّي لا أموتْ!
***
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- احتراف: [ح ر ف]. (مصدر اِحْتَرَفَ). 1."اِحْتِرَافُ مِهْنَةٍ" : اِتِّخَاذُهَا عَمَلاً لِلاِكتِسابِ والارْتزِاقِ. 2."الاحْتِرَافُ في الرِّيَاضَةِ" : التَّفَرُّغُ لِلعَمَلِ الرِّيَاضِيِّ بِقَصْدِ الاِرْتِزَاقِ مِنْهُ.
- احتضار: [ح ض ر]. (مصدر اِحْتَضَرَ). "يَعِيشُ لَحْظَةَ الاحْتِضَارِ" : لَحْظَةَ الْمَوْتِ، النَّزْعَ الأَخِيرَ، لَحْظَةَ خُرُوجِ الرُّوحِ. "أحاطَ الأهْلُ بِجَدِّهِمْ لَحْظَةَ احْتِضَارِهِ".
- التخفي: تخفَّى يَتَخَفَّى تَخَفَّ تَخفِّياً [ خفي]: تستَّر وتوارى؛ تَخَفَّى الصيادُ للصيد.-: تنكَّر؛ تَخَفى المجرم لئلا تعرفه الشرطةُ.
- الترابي: جمع: أَتْرِبَةٌ. [ت ر ب]. 1."يَرْفَعُ التُّرَابَ بِمِكْنَسَتِهِ" : غُبَارُ الأَرْضِ، أَيْ مَا نَعِمَ مِنْ أَدِيمِهَا. "تَرَاكَمَتِ الأَتْرِبَةُ بِالأَزِقَّةِ" غافر آية 67هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ .(قرآن). 2."و …
- الرصيف: الرَّصِيفُ : الرَّصِين؛ رجل رَصِيف/ عمل رَصِيف، أي محكم/ جواب رَصِيف، أي متقَنٌ لا يُرَدٌ.-: الرفيقُ والمثيل.- فلانٍ: من يحاكيه في عملهِ ولا يفارقه ج رُصَفَاءُ.-: صفةٌ للبناءِ المرصوفةِ حجارته.-: جانبُ الطَّريق المرصوفِ …
- الرغيف: الرَّغِيفُ : الكتلةُ من العجين. -: ما رُقِّق وخُبِزَ منه ج أرْغِفَةٌ ورُغُفٌ ورُغْفَانٌ.
- الشفيف: الشَّفِيفُ : الشَّفَّافُ؛ رَسَمَ المهندسُ المثالَ على وَرقٍ شَفيفٍ. -: لَذعُ البرْد؛ سُرِقَ الدّكّان في لَيلةٍ ذاتِ ظُلمة وشَفيف ج شِفَافٌ.
- الصوفي: الصُّوفِيُّ : المنسوبُ إلى الصُّوفِ؛ ارتديتُ قميصًا صوفيًّا. -: الذي اتَّبع طريقة التَصوُّف، وسمِّي كذلك على الأغلب لأنه يفضِّل لُبْسَ الصُّوف تقشُّفًا.