متى أنتَ عَن أحموقة ِ الغى ِّ نازِعُ

الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: الطويل

«متى أنتَ عَن أحموقة ِ الغى ِّ نازِعُ» من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

متى أنتَ عَن أحموقة ِ الغى ِّ نازِعُ ... وفى الشَّيبِ للنَّفسِ الأبيَّة ِ وازِعُ ؟

أَلاَ إِنَّ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ حِجَّة ً ... لِكُلِّ أَخِي لَهْوٍ عَنِ اللَّهْوِ رَادِعُ

فحتامُ تصبيكَ الغوانى بِدلِّها ... وتَهْفُ وبِلِيتَيْكَ الْحَمَامُ السَّوَاجِعُ؟

أما لكَ فى الماضينَ قبلكَ زاجرٌ ... يَكفُّكَ عن هذا ؟ بلى ، أنتَ طامِعُ

وَهَلْ يَسْتَفِيقُ الْمَرْءُ مِنْ سَكْرَة ِ الصِّبَا ... إذا لم تُهذِّب جانبيهِ الوقائعُ ؟

يَرَى الْمَرْءُ عُنْوَانَ الْمَنُونِ بِرَأْسِهِ ... ويذهبُ يُلهى نفسَهُ ويصانِعُ

أَلا إِنَّمَا هَذِي اللَّيَالِي عَقَارِبٌ ... تَدِبُّ، وَهَذَا الدَّهْرُ ذِئْبٌ مُخَادِعُ

فلا تحسبنَّ الدَّهرَ لعبَة َ هازلٍ ... فما هوَ إلاَّ صرفهُ والفجائعُ

فَيَا رُبَّمَا بَاتَ الْفَتَى وَهْوَ آمِنٌ ... وأصبحَ قَد سُدَّت عليهِ المطالِعُ

ففيمَ اقتناءُ الدِّرعِ والسَّهمُ نافِذٌ ؟ ... وَفِيمَ ادِّخَارُ الْمَالِ وَالْعُمْرُ ضَائعُ؟

يَودُّ الفتى أن يَجمعَ الأرضَ كُلَّها ... إليهِ ، ولمَّا يدرِ ما اللهُ صانِعُ

فَقَدْ يَسْتَحِيلُ الْمَالُ حَتْفاً لِرَبِّهِ ... وَتَأْتِي عَلَى أَعْقَابِهِنَّ المَطَامِعُ

أَلا إِنَّمَا الأَيَّامُ تَجْرِي بِحُكْمِها ... فَيُحْرَمُ ذُو كَدٍّ، وَيُرْزَقُ وَادِعُ

فلا تقعدَن للدهر تنظر غِبَّهُ ... على حَسرة ٍ ، فاللهُ مُعطٍ ومانعُ

فلو أنَّ ما يُعطى الفتى قدرُ نفسهِ ... لما باتَ رِئبالُ الشَّرى وهوَ جائعُ

ودَع كًلَّ ذى عقلٍ يسيرُ بعقلهِ ... يُنازِعُ من أهوائهِ ما ينازعُ

فما النَّاسُ إلاَّ كالَّذى أنا عالمٌ ... قَدِيماً، وَعِلْمُ الْمَرْءِ بِالشَّيءِ نَافِعُ

ولستُ بِعلاَّمِ الغيوبِ ، وإنَّما ... أَرَى بِلِحَاظِ الرَّأْيِ مَا هُوَ وَاقِعُ

وَذَرْهُمْ يَخُوضُوا، إِنَّمَا هِيَ فِتْنَة ٌ ... لَهُمْ بَيْنَهَا عَمَّا قَلِيلٍ مَصَارِعُ

فَلَوْ عَلِمَ الإِنْسَانُ مَا هُوَ كَائِنٌ ... لما نامَ سُمَّارٌ ، ولا هبَّ هاجِعُ

وما هذِهِ الأجسامُ إلاَّ هياكلٌ ... مُصوَّرة ٌ ، فيها النُّفوسُ ودائعُ

فَأَيْنَ الْمُلُوكُ الأَقْدَمُونَ تَسَنَّمُوا ... قِلاَل الْعُلاَ؟ فَالأرْضُ مِنْهُمْ بَلاقِعُ

مَضَوْا، وَأَقَامَ الدَّهْرُ، وَانْتَابَ بَعْدَهُمْ ... مُلُوكٌ، وَبَادُوا، وَاسْتَهَلَّتْ طَلاَئِعُ

أَرَى كُلَّ حَيٍّ ذَاهِباً بِيَدِ الرَّدى ... فهل أحدٌ ممَّن ترحَّلَ راجِعُ ؟

أنادى بِأعلى الصوتِ ، أسأل عنهمُ ... فهل أنتَ يا دهرَ الأعاجيبِ سامِعُ ؟

فإن كنتَ لم تَسمع نِداءً ، ولم تُحرْ ... جَوَاباً، فَأَيُّ الشَّيْءِ أَنْتَ أُنَازِعُ؟

خيالٌ لَعمرى ، ليسَ يُجدى طِلابهُ ... وَمَأْسَفَة ٌ تُدْمَى عَلَيْهَا الأَصَابعُ

فَمَنْ لِي وَرَوْعَاتُ الْمُنَى طَيْفُ حَالِمٍ ... بِذِي خُلَّة ٍ تَزْكُو لَديْهِ الصَّنَائعُ؟

أشاطِرهُ ودِّى ، وأُفضى لِسمعهِ ... بِسرِّى ، وأُمليهِ المُنى وهو رابِعُ

لَعلِّى إذا صادفتُ فى القولِ راحة ً ... نَضَحْتُ غَلِيلاً مَا رَوَتْهُ الْمَشَارِعُ

لَعَمْرُ أَبِي، وهْو الَّذِي لَوْ ذَكَرْتُهُ ... لما اختالَ فخَّارٌ ، ولا احتالَ خادِعُ

لما نازَعتنى النَّفسُ فى غيرِ حَقِّها ... وَلاَ ذَلَّلَتْنِي لِلرِّجَال الْمطَامِعُ

ومَا أَنَا وَالدُّنْيَا نَعِيمٌ وَلَذَّة ٌ ... بِذِي تَرَفٍ تَحْنُو عَلَيْهِ الْمَضَاجِعُ

فلا السيفُ مَفلولٌ ، ولا الرَّأى ُ عازبٌ ... وَلاَ الزَّنْدُ مَغْلُولٌ، وَلاَ السَّاقُ ظَالِعُ

وَلَكِنَّنِي فِي مَعْشَرٍ لَمْ يَقُمْ بِهِمْ ... كَرِيمٌ، وَلَمْ يَرْكَبْ شَبَا السَّيْفِ خَالِعُ

لواعبُ بالأسماءِ يبتدِرونها ... سَفاهاً ، وبالألقابِ ، فهى بضائعُ

وهلْ فِي التَّحَلِّي بِالْكُنَى مِنْ فَضِيلَة ٍ ... إذا لم تزيَّن بِالفعالِ الطبائعُ ؟

أُعاشِرُهُمْ رَغْماً، وَوُدِّي لَوَ انَّ لِي ... بِهِمْ نَعَماً أَدْعُو بِهِ فَيُسَارعُ

فيا قومُ ، هبُّوا ، إنَّما العُمرُ فرصة ً ... وفى الدهرِ طُرقٌ جَمَّة ٌ ومنافِعُ

أَصَبْراً عَلَى مَسِّ الْهَوَانِ وَأَنْتُمُ ... عديدُ الحصى ؟ إنِّى إلى اللهِ راجِعُ

وَكَيْفَ تَرَوْنَ الذُّلَّ دَارَ إِقَامَة ٍ ... وذلكَ فضلُ اللهِ فى الأرضِ واسِعُ

أرى أرؤساً قَد أينعتْ لِحصادِها ... فَأَيْنَ وَلاَ أَيْنَ السُّيُوفُ الْقَوَاطِعُ؟

فكونوا حصيداً خامدينَ ، أوِ افزعوا ... إِلَى الْحَرْبِ حَتَّى يَدْفَعَ الضَّيْمَ دَافِعُ

أهبتُ ، فعادَ الصَوتُ لم يَقضِ حاجة ً ... إلى َّ ، ولبَّانى الصَدى وهوَ طائعُ

فَلَمْ أَدْرِ أَنَّ اللَّه صوَّرَ قَبْلَكُمْ ... تماثيلَ لم يُخلَقْ لَهُنَّ مسامِعُ

فلا تَدعوا هَذى القلوبَ ، فإنَّها ... قواريرُ مَحنى ٌّ عليها الأضالِعُ

وَدُونَكُمُوهَا صَعْدَة ً مَنْطِقِيَّة ً ... تَفُلُّ شَبَا الأَرْمَاحِ وَهْيَ شَوَارِعُ

تَسِيرُ بهَا الرُّكْبَانُ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ ... وتلتفُّ من شوقٍ إليها المجامعُ

فَمِنْهَا لِقَوْم أَوْشُحٌ وَقَلائِدٌ ... ومنها لِقومٍ آخرينَ جوامعُ

ألا إنَّها تِلكَ الَّتى لو تنزَّلت ... على جبلٍ أهوت بهِ ، فهو خاشِعُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف العين، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب، الصحاح:

  • الماضين: أضن: إضانٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ: تأَمَّلْ خلِيلي، هَلْ تَرَى مِنْ ظَعائنٍ ... تَحَمَّلْنَ بالعَلْياءِ فوقَ إضانِ؟ وَيُرْوَى بِالطَّاءِ والظاء. (لسان العرب)
  • الوقائع: قوله تعالى: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور : 39] . والقِيعُ والْقَاعُ: المستوي من الأرض، جمعه قِيعَانٌ، وتصغيره: قُوَيْعٌ، واستعير منه: قَاعَ الفحل الناقة: إذا ضربها. (مفردات الراغب)
  • بدلها: بدل: الْفَرَّاءُ: بَدَلٌ وبِدْلٌ لُغَتَانِ، ومَثَل ومِثْل، وشَبَه وشِبْه، ونَكَل ونِكْل. قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَلَمْ يُسْمَع فِي فَعَل وفِعْل غَيْرَ هَذِهِ الأَربعة الأَحرف. والبَدِيل: البَدَل. وبَدَلُ الشَّيْءِ: غَيْرُه … (لسان العرب)
  • تسع: تسع: التِّسْع والتِّسعة مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ تَجْرِي وُجُوهُهُ عَلَى التأْنيث وَالتَّذْكِيرِ تِسْعَةُ رِجَالٍ وَتِسْعُ نِسْوَةٍ. يُقَالُ: تِسْعُونَ فِي مَوْضِعِ الرَّفْعِ وَتِسْعِينَ فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ وَالْجَرّ … (لسان العرب)
  • تصبيك: صاك به الطيب يصيك، أي لصق به. ومنه قول الاعشى: صاك البعير بأجلادها [[البيت بتمامه: ومثلك معجبة بالشبا ب صاك البعير بأجلادها]] (الصحاح)
  • تهذب: هذب: التَّهْذيبُ: كالتَّنْقِيةِ. هَذَبَ الشيءَ يَهْذِبُه هَذْباً، وهَذَّبه: نَقَّاه وأَخْلصه، وَقِيلَ: أَصْلَحه. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: التَّهْذيبُ فِي القِدْحِ العَملُ الثَّانِي، والتَّشْذيبُ الأَوَّل، وَهُوَ مَذْكُورٌ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • غلب الوجد عليه فبكىٰ
  • يا رائد البرق يمم دارة العلم
  • عرف الهوى في نظرتي فنهاني
  • عليل أنت مسقمه
  • سواي بتحنان الاغاريد يطرب
  • ردي الكرى لأراك في أحلامه
  • قصيدة
  • ليس الصديق الذي تعلو مناسبه