بالون (عن المسدسِ الذي أصبحَ شاعراً)
الشاعر: عدنان الصائغ · البحر: الرمل
«بالون (عن المسدسِ الذي أصبحَ شاعراً)» من شعر عدنان الصائغ، من العصر الحديث، وتقع في 32 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الكاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أنتَ تملكُ الصكوكَ.. — وأنا أملكُ القصائدَ..
ورغم ذلك فأنا أكثرُ سعادةً منكَ — حياتُكَ: بنوكٌ، ومسابح من الفسيفساءِ، وسكرتيراتٌ أنيقاتٌ، وكونياك، وملاعق من ذهبٍ، وصفقاتٌ، ودم...
وحياتي: شوارع من الريحِ، وكمبيالاتٌ مستحقّةٌ، وأصدقاءٌ، ومطرٌ، وخبزٌ منقوعٌ بالباقلاء... — ورغمَ ذلك..
فأنا استطيعُ أنْ أضعَ رأسي على الوسادةِ وأَحْلُمُ — أمّا أنتَ فلا تستطيع أنْ ترى غيرَ الكوابيسِ
* — أنا الشاعرُ عدنان الصائغ
رأيتُ من الخنادق والمساطر والأكواخِ والمعسكراتِ — أضعافَ ما رأيتهُ أنتَ.. من الصالوناتِ والسهراتِ والمطاعمِ الفخمةِ..
وبيديَّ هاتين،.. اللتين كثيراً ما خدشتا أصابعَكَ الناعمةَ — وهما تُصَافِحانكَ...
بيديَّ هاتين،.. — حملتُ عشراتِ الجثثِ من ساحاتِ المعاركِ
وبعتُ السجائرَ والصحفَ على أرصفةِ المدنِ.. — ونقلتُ الصناديقَ، في مخازنِ الشالجيَّةِ،.. والطابوقَ والجصَّ، لبيوتِ الأثرياءِ..
وغسلتُ الصحونَ في المطاعمِ الرخيصةِ — وعملتُ في المجاري والمقاهي والمكتباتِ
من أجلِ لفّةِ همبركر... — أستطيعُ أنْ أمضغَها مُلتذّاً
وأنا أجوبُ الشوارعَ عائداً إلى البيتِ — أمّا أنتَ...
فما أكثر ما كنتَ تشكو المللَ والتخمةَ — وأنتَ تنبشُ أسنانَكَ المنخورةَ
بعيدانِ الثِقَابِ — لتستخرِجَ... لحمَ الآخرين
* — أَعْرِفُ أنَّ في شرايينِكَ يجري ماءُ الكولونيا
وفي شراييني شوارعُ من الوحلِ — وأنَّ ثمنَ حذائِكَ
يعادلُ أضعافَ راتبي من المجلّةِ — ورغمَ ذلك..
فأنا أكثر سعادةً منكَ.. — أستطيعُ أنْ أغمضَ عينيَّ
لأرى حشداً من النجوم تَحُطُّ على سطحِ بيتِنا الطينيِّ — وأنَّ بين أصابعي تترقرقُ آلافُ الينابيعِ
وهي تنحدرُ إلى القرى — ما الذي نفعلُ
نحن الفقراءَ المنتشرين على أرصفةِ المدن — الفقراء الذين لا نملك سوى التسكّعِ والطيبةِ والحبِّ
ما أكثر ما نظرتَ إلينا بازدراء — وأنتَ تمرقُ أمامنا بسيَّارتكَ الفارهة
لقد قاتلنا بضراوةٍ.. — من أجلِ أنْ يكونَ لنا وطنٌ،
وشوارع، وشمسٌ، وأشجارٌ، وكرامةٌ، وخبزٌ، وقصائد — وتاجرتَ بشراهةٍ
من أجلِ أنْ يكونَ لكَ رصيدٌ — وصكوكٌ وعمارات
ماذا نفعل؟ — إذا كنّا قد انشغلنا بهموم الوطن
وانشغلتَ بهموم الصفقاتِ — إذا كنّا قد غُصْنَا في طين الجبهاتِ.. حدَّ الركبِ
وبقيتَ تتفرّجُ على ثيابنا المبقّعةِ بدمِ المعاركِ وغبارِ القنابلِ — - من خللِ زجاجِ مكتبِكَ الأنيقِ –
دون أنْ تَجْرُؤَ حتى على لمسِها — ورغمَ ذلكَ،
فأنتَ تستطيع أنْ تشتري القلاعَ والذممَ والشِقَقَ المكيَّفةَ — ولكنَّك لن تستطيعَ أنْ تشتري حُلْمَ شاعرٍ
وذلك ما يُؤرِّقُكَ طويلاً.. — طويلاً جِدّاً..
* * *
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الكاف — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الصائغ: الصَّائِغُ [صوغ]: فا.-: من كانت حرفَتُه الصِّياغَةَ أي صوغ الحُلِيِّ من الذَّهب والفضَّة.- للكلامِ: من يحسن صوغَه وتزيينه؛ إنه صائغ بارعٌ لعباراتِ المدحِ والإِطراء.
- الفسيفساء: الفُسَيْفِسَاءُ : قِطَعٌ صغيرةٌ ملوَّنَةٌ من الرُّخامِ أو الحصباءِ أو الخَرَز أو نحوها يُضَمُّ بعضُها إلى بعض فتتكوَّن منها صورٌ ورسومٌ تزيَّنُ بها جدرانُ البيتِ وأرضُه (معـ).
- بالباقلاء: البَاقِلاءُ والبَاقِلَّى : نبات عشبي حولي من الفصيلة القرنية تؤكل قرونه وبذوره مطبوخة وكذلك بذوزه.
- بنوك: (بَنَوَ) الْبَاءُ وَالنُّونُ وَالْوَاوُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ الشَّيْءُ يَتَوَلَّدُ عَنِ الشَّيْءِ، كَابْنِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ. وَأَصْلُ بِنَائِهِ بَنَوَ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ بَنَوِيٌّ، وَكَذَلِكَ النِّسْبَة …