النبي المجهول
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أيْها الشعبُ! ليتني كنتُ حطَّاباًفأهوي على الجذوعِ بفأسي!
ليتَني كنتُ كالسيّولِ، إذا ما سالَتْتهدُّ القبورَ: رمْساً برمٍسِ!
ليتَني كنتُ كالريّاح، فأطويورودُ الرَّبيع مِنْ كلِّ قنْس
ليتني كنتُ كالسّتاء، أُغَشِّيكل ما أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي!
ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ، يا شعبيفأُلقي إليكَ ثَوْرةَ نفسي!
ليت لي قوةَ الأعاصيرِ! إن ضجَّتْفأدعوكَ للحياةِ بنبسي!
ليت لي قوةَ الأعاصيرِ..! لكْأنتَ حيٌّ، يقضي الحياة برمسِ..!
أنتَ روحٌ غَبِيَّة ٌ، تكره النّور،وتقضي الدهور في ليل مَلْس...
أنتَ لا تدركُ الحقائقَ إن طافتْحواليكَ دون مسّ وجسِ...
في صباح الحياةِ ضَمَّخْتُ أكوابيوأترعتُها بخمرةِ نفسي...
ثُمَّ قدَمْتُها إليكَ، فأهرقْتَرحيقي، ودُستَ يا شعبُ كأسي!
فتألَّمت..، ثًمَّ أسكتُّ آلامي،وكفكفتُ من شعوري وحسّي
ثُم نَضَّدْتُ من أزاهيرِ قلبيباقة ً، لمْ يَمَسَّها أيُّ إِنْسِي...
ثم قدّمْتُها إليكَ، فَمزَّقْتَورودي، ودُستَها أيَّ دوسِ
ثم ألبَسْتَني مِنَ الحُزْنِ ثوباًوبشوْك الجِبال توَّجتَ رأسي
إنني ذاهبٌ إلى الغابِ، ياشَعْبيلأقضي الحياة َ، وحدي، بيأسي
إنني ذاهبٌ إلى الغابِ، علَّيفي صميم الغابات أدفنُ بؤسي
ثُمَّ أنْسَاكَ ما استطعتُ، فما أنتبأهْلِ لخمرتي ولكَأسي
سوف أتلو على الطُّيور أناشيدي،وأُفضي لها بأشواق نَفْسي
فَهْي تدري معنى الحياة ، وتدريأنّ مجدَ النُّفوسِ يَقْظَةُ حِسِّ
ثم أقْضي هناك، في ظلمة الليل،وأُلقي إلى الوجود بيأسي
ثم تَحْتَ الصَّنَوْبَر، النَّاضر، الحلو،تَخُطُّ السُّيولُ حُفرةَ رمسي
وتظَلُّ الطيورُ تلغو على قبْرِيويشدو النَّسيمُ فوقي بهمس
وتظَلُّ الفصولُ تمْشي حواليَّ،كما كُنَّ في غَضارَة أمْسي
أيّها الشّعبُ! أنتَ طفلٌ صغيرٌ،لاعبٌ بالتُّرابِ والليلُ مُغْسِ..!
أنتَ في الكَوْنِ قوَّة ٌ، لم تَنسْسهافكرة ٌ، عبقريَّة ٌ، ذاتُ بأسِ
أنتَ في الكَوْنِ قوة ٌ،كبَّلتْهاظُلُمَاتُ العُصور، مِنْ أمس أمسِ..
والشقيُّ الشقيُّ من كان مثليفي حَسَاسِيَّتي، ورقَّةِ نفسي
هكذا قال شاعرٌ، ناولَ النَّاسَرحيقَ الحياةِ في خير كأسِ
فأشاحُوا عنْها، ومرُّوا غِضاباواستخفُّوا به، وقالوا بيأس:
"قد أضاعَ الرشّادُ في ملعب الجِنّفيا بؤسهُ، أصيب بمسّ
طالما خاطبَ العواصفَ في الليلِويَمْشي في نشوةِ المُتَحَسِّي
طالما رافقَ الظلامَ إلى الغابِونادى الأرواحَ مِن كلِّ جِنْس»
طالما حدَّثَ الشياطينَ في الوادي،وغنّى مع الرِّياح بجَرسِ»
إنه ساحرٌ، تعلِّمُه السحرَالشياطينُ، كلَّ مطلع شمسْ
فابعِدوا الكافرَ الخبيثَ عن الهيكلِإنّ الخَبيثَ منبعُ رِجْسِ»
«أطردوه، ولا تُصيخوا إليهفهو روحٌ شريِّرة ٌ، ذات نحْسِ
هَكَذا قَال شاعرٌ، فيلسوفٌ،عاشَ في شعبه الغبيِّ بتَعْسِ
جَهِلَ الناسُ روحَه، وأغانيهافساموُا شعورَه سومَ بخْسِ
فَهْوَ في مَذهبِ الحياةِ نبيٌّوَهْوَ في شعبهِ مُصَابٌ بمسِّ
هكذا قال، ثمّ سَار إلى الغابِ،ليَحْيا حياة شعرٍ وقُدْسِ
وبعيداً، هناك..، في معبد الغابالذي لا يُظِلُّه أيُّ بُؤْسِ
في ظلال الصَّنوبرِ الحلوِ، والزّيتونِيقْضي الحياة َ: حرْساً بحرْسِ
في الصَّباح الجميل، يشدو مع الطّير،ويمْشي في نشوةِ المنحسِّي
نافخاً نايَه، حوالْيه تهتزُّورودُ الرّبيع منْ كلِّ فنسِ
شَعْرُه مُرْسَلٌ- تداعُبه الرّيحُعلى منكبْيه مثلَ الدُّمُقْسِ
والطُّيورُ الطِّرابُ تشدو حواليهوتلغو في الدَّوحِ، مِنْ كُلِّ جنسِ
وترا عند الأصيل، لدى الجدول،يرنو للطَّائرِ المتحسِّي
أو يغنِّي بين الصَّنوبرِ، أو يرنوإلى سُدْفَة الظَّلامِ الممسّي
فإذا أقْبَلَ الظلامُ، وأمستْظلماتُ الوجودِ في الأرض تُغسي
كان في كوخه الجميل، مقيماًيَسْألُ الكونَ في خشوعٍ وَهَمْسِ
عن مصبِّ الحياة ِ، أينَ مَدَاهُ؟وصميمِ الوجودِ، أيَّان يُرسي؟
وأريجِ الوُرودِ في كلِّ وادٍونَشيدِ الطُّيورِ، حين تمسِّي
وهزيمِ الرِّياح، في كلِّ فَجٍّوَرُسُومِ الحياةِ من أمس أمسِ
وأغاني الرعاةِ أين يُواريهاسُكونُ الفَضا، وأيَّان تُمْسي؟؟
هكذا يَصْرِفُ الحياة َ، ويُفْنيحَلَقات السنين: حَرسْاً بحرْسِ
يا لها من معيشةٍ في صميم الغابِتُضْحي بين الطيور وُتْمْسي!
يا لها مِنْ معيشة ٍ، لم تُدَنّسْهَانفوسُ الورى بخُبْثٍ ورِجْسِ!
يا لها من معيشة ٍ، هيَ في الكونحياةٌ غريبة ٌ، ذاتُ قُدسِ
عن القصيدة
«النبي المجهول» من شعر أبي القاسم الشابي، من العصر الحديث، وتقع في ٥٩ بيتًا. ورويّها حرف السين.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.