بان السفاء وأودى الجهل والسرف

الشاعر: النابغة الشيباني · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة هجاء

«بان السفاء وأودى الجهل والسرف» من شعر النابغة الشيباني، وتقع في 75 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الفاء، وغرضها قصيدة هجاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

بانَ السَفاءُ وَأَودى الجَهلُ وَالسَرَفُ — وَفي التُقى بَعدَ إِفراطِ الفَتى خَلَفُ

وَقَد كَسانِيَ شَيباً قَد غَنِيتُ بِهِ — مَرُّ اللَيالي مَعَ الأَيّامِ تَختَلِفُ

وَزالَ أَيدي وَشَيبي ما يُزايُلُني — وَآلَ مِنّي وَشَيبُ الرَأسِ مُختَلِفُ

حَتّى إِذا الدَهرُ بَلّاني وَغَيَّرَني — كَما يُغَيِّرُ جِسمَ المُخصِبِ العَجَفُ

قالَت لِيَ النَفسُ سِرّاً إِذ خَلَوتُ بِها — وَالنَفسُ صادِقَةٌ لَو أَنَّها تَقِفُ

مَن يَرَ في وُلدِهِ أَيداً يُسَرُّ بِهِ — تَهِن قِوى شَيخِهِ وَالشَيخُ مُنحَذِفُ

ذَرِ الشَبابَ فَلا تَتبَع لَذاذَتَهُ — إِنَّ الَّذي يَتبَعُ اللَذّاتِ مُقتَرِفُ

إِنَّ الشَبابَ جُنونٌ شَرخُ باطِلِهِ — يُقيمُ غَضّاً زِماناً ثُمَّ يَنكَشِفُ

مَن يَعلُهُ الشَيبُ لَم يُحدِث لَهُ عِظَةً — فَذاكَ مِن سوسِهِ الإِفراطُ وَالعُنُفُ

وَالناسُ مِنهُم أَفينٌ مالَهُ سَبَدٌ — فَذاكَ مِن سوسِهِ الإِفراطُ وَالعُنُفُ

لَيسوا سَواءً جَسورٌ ذو مُزايَنَةٍ — عِندَ الأُمورِ وَلا الهَيّابَةُ القَصِفُ

إِنّي اِمرُؤٌ صافَ عَنّي مَن يُشاحِنُني — وَرَدَّني أَهلُ وُدّي مَعشَرٌ أُنُفُ

وَمَعشَرٌ أَكَلوا لَحمي بِلا تِرَةٍ — وَلَو ضَرَبتُ أُنوفاً مِنهُمُ رَعَفوا

لا يَأسَفونَ وَقَد أَعذَبتُ أَلسُنَهُم — وَلَو يَظُنّونَ أَن أُعنى بِهِم أَسِفوا

أَلَستُ أَبيَنَ مِنهُم غَيرَ أَنَّهُمُ — هُمُ اللِئامُ إِذا ما اِستُشرِفوا عُرِفوا

وَقَد تَكَنَّفَهُم لُؤمٌ أَحاطَ بِهِم — كَما أَحاطَ بِرَأسِ النَخلَةِ السَعَفُ

وَمَن يَكُن ذا عَدُوٍّ لا يُواقِعُهُ — إِلّا وَعيداً فَإِنَّ الهَيبَةَ الصَلَفُ

فَلا تَهابَنَّ أَسفاراً وَإِن بَعُدَت — إِن هابَها عاجِزٌ في عودِهِ قَصَفُ

قَد يَرجِعُ المَرءُ لا تُرجى سَلامَتُهُ — وَقَد يُصيبُ طَويلَ القِعدَةِ التَلَفُ

هذا لِهذا فَما بالُ الَّتي وَعَدَت — وَكانَ مِن وَعدِها اللَيّانُ وَالخُلُفُ

لا تَتَّقي اللَهَ في صادٍ يَهيمُ بِها — مُتَيَّمٍ مُقصَدٍ كَأَنَّهُ دَنِفُ

فَإِن تُصِب قَلبَهُ يَوماً بِأَسهُمِها — يَكنُ عَلَيها وَمِنها الإِثمُ وَالجَنَفُ

وَإِن نُنِلهُ يَعِش مَيثٌ بِهِ رَمَقٌ — أَحياهُ مِن جودِها الإِفضالُ وَالعُرُفُ

تَسبي القُلوبُ بِوَجهٍ لا كِفاءَ لَهُ — كَالبَدرِ تَمَّ جَمالاً حينَ يَنتَصِفُ

تَحتَ الخِمارِ لَها جُثلٌ تُعَكِّفُهُ — مِثلُ العَثاكيلِ سوداً حينَ تُقتَطَفُ

لَها صَحيفَةُ وَجهٍ يُستَضاءُ بِها — لَم يَعلُ ظاهِرَها بَثرٌ وَلا كَلَفُ

عَيناءُ حَوراءُ في أَشفارِها هَدَبٌ — وَلَيسَ في أَنفِها طولٌ وَلا ذَلَفُ

تَفتَرُّ عَن واضِحٍ غُرٍّ مَناصِبُهُ — عَذبٌ يَهَشُّ لَهُ ذو النِيقَةِ الطَرِفُ

ما قَرقَفٌ خالَطَت مَسكاً تُشابُ بِهِ — يَوماً بِأَطيَبَ مِنها حينَ تُرتَشَفُ

لها كَلامٌ تَخُلُّ القَلبَ بَهجَتُهُ — كَأَنُّهُ زَهوُ نَخلٍ مِنهُ يُختَرَفُ

تَترَجُّ أَوصالُها لَمّا مَشَت فُضُلاً — عَجزاءُ عَبهَرَةٌ في كَشحِها هَيَفُ

وَقَد غَذاها صَريفُ المَحضِ تَشرَبُهُ — وَقارِصٌ وَالَّذي مِن دونِهِ الخَصَفُ

أَضحَت شَطيراً بِدارٍ ما تُلائِمُني — وَحالَ مِن دونِها الصَمّانُ وَالنَجَفُ

حَلَّت بِيَثرِبَ داراً دارَ نِعمَتِها — وَحالَ مِن دونِها الأَبوابُ وَالغُرَفُ

فَقَد غَشِيتُ لَها داراً تُشَوِّقُني — فَالعَينُ ساكِبَةٌ بِمِلئِها تَكِفُ

دارٌ تُغَربِلُها ريحٌ وَتَنخُلُها — فَكُلُّ تُربٍ بِها بِالهَيفِ مَنتَسِفُ

وَقَد أَرَبَّ بشها مُستَأسرٌ ذَكَرٌ — جَونُ السَحابِ مُلِثُّ الهَمرِ مُؤتَلِفُ

مِنهُ رُكامٌ عَلى غَيمٍ تَجَلَّلَهُ — مُرَقَّعٌ بِرَبابِ المُزنِ مُختَصِفُ

إِذا تَأَلَّقَ مِن جَونٍ بَوارِقُهُ — تَكادُ أَبصارُ عِينِ الوَحشِ مُختَطَفُ

وَإِن تَلَهَّفَ خِلتَ الأَرضَ قَد رَجَفَت — وَجادَ مِنهُ رَوايا كُلُّها قُطُفُ

رَوّى القَراراتِ مِنهُ فَهِيَ مُفعَمَةٌ — كَما اِرتَوَت مِن حِياضِ المُستَقى الزُلَفُ

فَالنَبتُ مِنهُ خَضوبٌ بَعدَها وَرِقٌ — وَاِخضَرَّ مِن صَوبِهِ الصَبغاءُ وَالغَرَفُ

وَقَد كَساها رِياضاً زانَها صَبَحٌ — بِها كَواكِبُ زُهرٌ كُلُّها سَرِفُ

فَالعِينُ مُطفِلَةٌ تَرعى مَسارِبَهُ — وَهِيَ لِأَوطانِها مِن خِصبِها أُلُفُ

وَالحُمرُ تَطرُدُها رُبعٌ مُحَنَّبَةٌ — تَفوتُ أَرجُلَها أَيدٍ لَها خُنُفُ

وَكُلُّ هَيقٍ بِها يَسمو لِرِعلَتِهِ — تَحذي بِها نُقَضٌ مِن تَحتِها نُسُفُ

يَرفَعُ فَودَيهِ إِن جَدَّ الجِراءُ بِهِ — أَورَقُ أَخرَجُ في ظُنبوبِهِ سَقَفُ

كُلُّ الوُحوشِ مَطافيلٌ تَرَبَّعُها — تَرعى بُقيلاً وَبَقلاً وَهُوَ مُؤتَنِفُ

فَالرَبعُ عافٍ وَدَمعُ العَينِ مُنسَكِبٌ — أَبكي الرُسومَ بِها طوراً وَأَعتَرِفُ

نُؤيٌ وَسُفعٌ وَمَشجوجٌ وَمُلتَبِدٌ — وَمائِلٌ رَأسُهُ بِالفِهرِ مُنقَصِفُ

وَما بُكائِيَ في رَبعٍ شُعِفتُ بِهِ — وَخُلَّتي غُربَةٌ مِن دارِها قَذَفُ

وَحُرمَةٍ بَعدَها مَجهولَةٌ حُرَمٌ — ما إِن بِها جَوفَةٌ تُرعى وَلا لَصَفُ

كَأَنَّ أَصداءَها وَاللَيلُ كارِبُها — أَصواتُ قَومٍ إِذا ما أَظلَموا هَتَفوا

يَسمَعُ فيها الَّذي يَجتابُ قَفرَتَها — أَصواتَ جِنٍّ إِذا ما أَعتَموا عَزَفوا

لِلجونِ فيها عِيالٌ في أَفاحِصِها — بِجَوفَةٍ ما بِها أَثلٌ وَلا نَضَفُ

خوصٌ مُزَغِّبَةٌ تَحتَكُّ قَد بَثِرَت — كَأَنَّما ثارَ في أَبشارِها الحَصَفُ

قَد جُبتُها وَظَلامُ اللَيلِ أَقطَعُهُ — وَقَد عَرانِيَ مِن شَمسِ الضُحى كَنَفُ

تَشوي جَنادِبَها مِن حَرِّ جاحِمِها — لَمّا تَوَقَّدَ مِنها السَهلُ وَالظَلَفُ

أَظَلَّ بَعضُ المَها بَعضاً إِذا كَنَسَت — كَما تُظِلُّ ظَباءَ القَفرَةِ القَطَفُ

بِجَسرَةٍ كَعَلاةِ القَينِ دَوسَرَةٍ — في حَدِّ مِرفَقها عِن زَورِها جَنَفُ

تَسمو بِأَتلَعَ مِثلِ الجِذعِ يَقدُمُها — عَرفاءُ غَرباءُ في حَيزومِها جَوَفُ

قَد قُذِفَت بِلَكيكِ النَحضِ أَعظُمُها — كَأَنَّ غارِبَها مِن طولِهِ هَدَفُ

ما راجِنٌ مِن بَناتِ الفَحلِ قَد رَجَنَت — وَنُوِّقَت وَبَناها الزَردُ وَالعَلَفُ

يَوماً بِأَنجَبَ مِنها حينَ تَركَبُها — وَلا بِأَبخَلَ ذِلّا يَومَ تُعتَنَفُ

كَأَنَّها بَعدَما طالَ الهِبابُ بِها — مُوَلَّعٌ أَسفَعُ الخَدَّينِ مُشتَرِفُ

تَلوحُ مِنها عَلى الأَصبارِ دابِرَةٌ — كَأَنَّها بَينَ رَوقَي رَأسِهِ كَشَفُ

باتَ بِفيحانَ يَجلو البَرقُ مَتنَتَهُ — كَأَنَّهُ مِن ثِيابِ القِهزِ مُلتَحِفُ

مُجتابَ أَرطاةِ حِقفٍ فَهيَ تَستُرُهُ — مَع كُلِّ وَجهٍ يَكُفُّ الريحُ مُنصَرِفُ

تَبُلُّهُ فَيضَحٌ بِالوَدقِ تَغسِلُهُ — كَأَنَّهُ فَوقَ ضاحي مَتنِهِ النُطَفُ

حَتّى إِذا الصُبحُ ساقَ اللَيلَ يَطرُدُهُ — وَزالَ عَنهُ وَعَن أَرطاتِهِ السُدَفُ

ثارَت بِهِ ضُمَّرٌ قُبٌّ مُقَلَّدَةٌ — كَالقِدحِ يُجذِمُها صوحانُ أَو ثَقَفُ

فَجالَ مِنها عَلى وَحشِيِّهِ عَجِلاً — لا يَجعَلُ الشَدَّ دَيناً حينَ يَغتَرِفُ

وَهِيَ سِراعٌ تَثيرُ النَقعَ شاحِيَةً — كَأَنَّهُ فَوقَهُ لَمّا عَلا الكَسَفُ

تَخضَعُ طوراً وَتَطفو كُلَّما طَحَرَت — مِثلَ اليَعاسيبِ في آذانِها غَضَفُ

حَتّى إِذا أَرهَتَتهُ كَرَّ مُمتَنِعاً — كَأَنَّهُ طالِبٌ بِوِترِهِ أَسِفُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الفاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • السفاء: سفا: السَّفَا: الخِفَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الجَهْلُ. والسَّفَا، مَقصورٌ: خِفَّة شَعَر الناصِيَة، زَادَ الْجَوْهَرِيُّ: فِي الخَيْل، وَلَيْسَ بمَحْمود، وَقِيلَ: قِصَرُها وقِلَّتُها. يُقَالُ: ناصِيَةٌ فِيهَا سَفاً. …
  • العجف: عجف: عَجَفَ نَفسَه عَنِ الطَّعَامِ يَعْجِفُها عَجْفاً وعُجُوفاً وعَجَّفَها: حبَسها عَنْهُ وَهُوَ لَهُ مُشْتَهٍ ليؤثِرَ بِهِ غيرَه وَلَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الْجُوعِ وَالشَّهْوَةِ، وَهُوَ التَّعْجِيف أَيْضًا؛ قَالَ سَلَم …
  • المخصب: [خ ص ب]. "مُخْصِبُ التُّرْبَةِ" : مَا يُضَافُ إِلَى الأَرْضِ مِن الأَسْمِدَةِ لِتَقْوِيَةِ إِخْصَابِهَا.
  • بلاني: البلاَّنُ : نبات عشبي من فصيلة الورديات، وهو ذو فائدة في علاج الداء السكّري.
  • تتبع: تَتَبَّعَ يَتَتَبَّعُ تَتَبُّعاً :- الأمرَ: طلبه ولاحقه؛ إنه يتتبع نتائج تجاربه العلمية على الفئران.
  • تهن: تهن: الأَزهري: أَهمله اللَّيْثُ. وَرَوَى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: تَهِنَ يَتْهَنُ تَهَناً، فَهُوَ تَهِنٌ إِذَا نَامَ. وَفِي حَدِيثِ بِلَالٍ حِينَ أَذَّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ: أَلا إِنَّ العبدَ تَهِنَ، أَي نامَ، وَقِيل …

قصائد ذات صلة

  • سأمنع نفسي رفد كل بخيل
  • أرى البنانة أقوت بعد ساكنها
  • تود عدوي ثم تزعم أنني
  • عليك بكل ذي حسب ودين
  • الدهر حالان هم بعده فرج
  • استمع يا بني من وعظ شيخ
  • وليس بنافع ذا البخل مال
  • قد تسديتها وتحتي أمون