أبقيت بالجزع ما أبليت من طلل
الشاعر: الأرجاني · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة رومانسية
«أبقيت بالجزع ما أبليت من طلل» من شعر الأرجاني، من العصر الأندلسي، وتقع في 89 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة رومانسية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أبقَيتِ بالجِزْعِ ما أبلَيتِ من طَلَلِ — لِمُشْبِهاتِك بالأجيادِ والمُقَلِ
غِزْلان وَجْرةَ يَخلُفْنَ الحِسانَ بها — وليس كُلُّ غزالٍ صِيغَ للغَزَل
وأين وَحْشُ الفلا منها إذا سنحَتْ — معَ الغداة لعَيْنٍ أو معَ الأُصُل
لو أنّ سالفةَ الأَدْماء حاليةٌ — لم تَحْكِ سالفةَ الحسناء في العَطَل
ولا المَهاةُ لها شِبْهاً إذا كُحِلَتْ — لوِ اكتفَتْ عينُها المَرهاءُ بالكَحَل
كم أَدمُعٍ ذُلُلٍ فاضَتْ غداتَئِذٍ — فسايَرتْ ما حدَوْا من أَينُقٍ ذُلُل
وأنفُسٍ كَرُمَتْ منّا نَفائسُها — لو لم تَسِرْ ظُعْنُهمْ في الصُّبْح لم تَسَل
أفدي الّتي رحلَتْ عنّا مُغاضِبةً — فقال وَجْدي لقَلْبي اثْرَها ارْتَحِل
فَرُحْتُ أتبَعُ ظُعْنَ الحَيّ يَحْمِلُني — نَهْدٌ من الخَيل مثلُ البَرْقِ ذو خُصَل
يَرْدي بذي صَبْوةٍ للخَوْفِ مُطّرِحٍ — بالسّيفِ مُتَّشحٍ للرُّمْحِ مُعْتَقِل
لمّا لَحِقْتُ بأُولَى العِيسِ سائرةً — عَلِقْتُ فضْلَ زِمامِ الرّاكبِ العَجِل
مُحاوِلاً ردَّها والخَيلُ مُعرِضَةٌ — وبينَ آذانِها سُمْرُ القَنا الذُّبُل
حتّى إذا ما دَنَتْ منّي مَنالَ يَدٍ — لو مَدَّ صَبٌّ وإنْ عَزَّتْ فلم تُنَل
قالَت وخَيلُ النّوَى للصّبر ناهبةٌ — وشمسُ غُرَّتِها في قَبْضةِ الطّفَل
أأنت يُوشَعُ تَبْغي أن أُرَدَّ وقد — غَربْتُ في شَفَقٍ من حُمْرةِ الكِلَل
كم دونَ جَذْبِ جَديلٍ يومَ ذاك لها — من فارسٍ لسَراةِ الخَيْلِ مُنْجَدِل
أحْلَلْتُ منه سِناني حيثُ حَلَّ به — منّي الهَوى فكلا القلبَيْنِ لم يَئل
وقلتُ خُذْ مَصْرَعاً في الحربِ من بطلٍ — بمَصْرَعٍ مثْلهِ في الحُبِّ من بَطَل
فاليومَ راجَعني لُبّي وشايَعَني — صَحْبي وأقْصَرتِ العُذَّالُ عن عَذَلي
زَررْتُ صَبْري على صَدْري مُضاعَفَةً — فما أُبالي برَشْقِ الأَعْيُنِ النُّجُل
بنسِجِ داودَ منّي القَلْبُ مُدَّرعٌ — إن كان طَرْفُكِ أضحَى من بني ثُعَل
ذَرى فؤادي وقد عَذَّبتِه زَمناً — بالمجدِ من بَعْدُ دونَ الوَجْدِ يَشْتَغِل
يا صادياً ملأ الأحشاءَ من ظَمَأٍ — ناراً وقد خَلَتِ الآفاقٌ من بَلَل
دَعْ عنكَ يُمنَى ويُسرَى غيرَ مُجدِيةٍ — واقْصِدْ أَمامك فاطْلُبْ مُنتَهى السُّبُل
واعْلَمْ إذا قلتُ رِدْ بالعيسِ بَحرَ نَدىً — أنّي على غيرِ عزِّ الدّينِ لم أَحُل
فالبَحرُ أسماؤه شتّى وأَشْهَرُها — على اصطلاحِ بني الآمال كَفُّ عَلي
في كلِّ أنمُلَةٍ منها إذا انْتَجعَتْ — تَجْري بحارُ ندىً للمُعْتَفي خَضِل
تُروي الورَى قَطْرةٌ منها لوِ انفَردَتْ — لكنْ لها الدَّهْرَ فَيْضٌ غيرُ مُنْفَصِل
مَنِ اشتَهى أن يَرى شَخْصَ الكمالِ فقُلْ — له بوَجْهِ كمالِ الدَّولةِ اكْتَحِل
أغَرُّ أشْرفَ سلطانُ الأنامِ به — على الممالِك مثلَ العارِضِ الهَطِل
إذا سَما وسَم الدُّنيا وُسومَ نَدىً — يُحْيي بها الأرضَ من سَهْلٍ ومن جَبَل
يَحْمي بها مَجْدَهُ من كَفّ مُجْتَذِبٍ — ومالَ سُلطانِهِ مِن كَفِّ مُخْتَزِل
مهما تأمّلَ أعيا كُلَّ ذيِ عَمَلٍ — إخفاءَ حالٍ وأحيا كُلَّ ذي أَمَل
فحاطَك اللهُ يا مَن حاط مَكرمةً — عبادَهُ بِندىً كالقَطْرِ مُتّصِل
من مُشْرِفٍ مُسْرفٍ في الجودِ تُبصِرُهُ — بالشِّينِ والسِّينِ يَغْدو غايةَ المَثَل
كم قلتُ حينَ ملأْتُ العَينَ من عَجَبٍ — لِما رأيتُ بأمرِ النّاسِ من خَلَل
ما للممالكِ تَغدو وهْي مُهمَلَةٌ — وللكُفاةِ وهمْ فيهِنَّ كالهَمَل
فكم تَرى رجلاً فيها بلا عمَلٍ — وكم تَرى عَمَلاً فيها بلا رَجُل
لو قَسَّم الماءَ ما بين الظِماء يَدٌ — بالعَدْلِ لم يَبْقَ فوق الأرضِ ذو غُلَل
حتّى انجلَتْ عُقَبُ الأيامِ عن فَطِنٍ — برَأْيِه صَحّت الدُّنيا منَ العِلَل
وجاءنا فكأنّ الشّرَّ ما خُلِقَتْ — أسبابُهُ وكأنَّ الخيرَ لم يَزُل
لم يُرضِه آنِفاً من بُعْدِ هِمَّتهِ — تَقْويمُهُ عَصْرَه من ذلك المَيَل
حتّى أَبَتْ نَفْسُهُ إلاّ مُؤاخَذةً — بما جنَى الدَّهرُ في أيّامِه الأُوَل
وأصبحَتْ دَولةٌ زادَتْ مَيامِنَها — لُقياه وهْي به من أكمَلِ الدُّوَل
يَسوسُها حَدِبٌ ماضٍ عزائمُه — أقلامُه دونها أمضَى مِن الأَسَل
ومُقْبِلُ الجَدِّ مَأْمولٌ مواهبُه — أبوابُه أبداً للنَّاسِ كالقِبَل
بادي الوقارِ يَراهُ مَن تَأمَّلَه — طَوداً ويَمْضي مَضاءَ السَّيفِ في القُلَل
كأنّه الفَلَكُ الدَّوّارُ حينَ يُرَى — وقد أظَلَّ الورَى عَجْلانَ في مَهَل
إن سارَ بالخَيلِ غَصَّ الجَوُّ من خَبَبٍ — نَقْعاً وإِن حَلَّ غَصَّ الأرضُ بالخَوَل
مُوفٍ على مُلْجَمٍ بالنَّجْمِ تَحسَبُه — للنّاظرِين وبالجَوزاء مُنْتَعِل
ذي غُرّةٍ وحُجولٍ وُضَّحٍ عَلِقَتْ — منها بأطرافِها خَمْسٌ من الشُّعَل
كأنّما هو من ماء الصَّباحِ له — لمّا توضْأَ لم يُسْبِغْ على عَجَل
ما إن رأى أحَدٌ من قَبْلِ فارسِه — شَمْساً مَطالِعُها أوْفتْ على زُحَل
للهِ ملْثومُ ظَهْرِ الكَفِّ من شَرَفٍ — أَدْنَى نَداهُ يُريكَ البَحرَ كالوَشَل
خِرْقٌ إذا جئْتَه تَرجو فواضِلَه — أعطاكَ فوقَ الأماني ثمّ قالَ سَل
عَجِبتُ من قَلَمٍ في كَفِّ ذي كَرَمٍ — في الجودِ مُنْسكِبٍ بالرَّأْيِ مُشْتَغِل
رمَى فقَرطَس أغراضي بلا خَطأٍ — لمّا وشَى متْنَ قِرطاس بلا خَطَل
وجال في ذلك المِضْمارِ يكتبُ لي — ما ذِكْرُه بَعدُ في الإضمارِ لم يَجُل
ولم يكُنْ من فمي يُمْلي على يَدِه — لكنّما جُودُه أمْلَى على أَملي
ألا فَحُيِّيتَ من ذي هِمّةٍ فعَلَتْ — بَنانُه ما لِساني بَعْدُ لم يَقُل
أَبدَى صَنيعُكَ تَقصيرَ الزّمانِ ففي — خَدِّ الرّبيع طُلوعُ الوردِ من خَجَل
قَومٌ سأَلْنا فلم يُعْطُوا وإن قَدَروا — فِداءُ ذي كَرَمٍ أعْطَى ولم نَسَل
لقد رقَيْتُ مُسيءَ الدَّهرِ لي بِرُقىً — فلَلْنَ عنّي شَبا أنيابِه العُضُل
وكم تَعصَّبَ من جَهْلٍ عليَّ إلى — أن رُعتُه فأبَى إلاّ التَعصُّبَ لي
شَرَحْتَ صَدْريَ عنْد الصَّدْرِ في حُجَجٍ — أَوردْتَها لي ومَنْ يَسْمَعْ بها يَخَل
حتّى أَنلْتَنِيَ التَّشريفَ مُؤْتَنِفاً — منه وأيَّ نوالٍ أنتَ لم تُنِل
جعَلْتَني ساحباً ذيلَ القشيبِ له — وكنتُ أقنَعُ لو مُتِّعْتُ بالسَّمَل
وسَرَّ عِليةَ أهْلِ العَصْرِ قاطبةً — ما قد صنَعْتَ على رَغْمٍ منَ السَّفِل
فدام دولةُ مولانا الوزيرِ لنا — ودُمتَ في ظِلِّ مُلْكٍ غيرِ مُنْتَقل
إن تَتْبَعِ العُرْفَ تَعْريفاً بدأْتَ بهِ — فلستَ بالرِّفدِ بعدَ الرِّفْدِ ذا بَخَل
الجاهُ والمالُ إن واليتَ بينهما — كالجَمْعِ لِلرِّيِّ بينَ العَلِّ والنّهَل
جاءتْكَ مَشمولةً صِرْفاً سُلافَتُها — من كَفِّ فكْرٍ على حُبِّيكَ مُشْتَمِل
إذا أُديرَتْ على الأسماعِ مالَ لها — عِطْفُ الكريمِ كمَيْلِ الشّاربِ الثَّمِل
فهاكَ من مادحٍ للشُّكْرِ مُرْتَجِلٍ — ما قال في ماجدٍ للبِرِّ مُرتَجِل
واسْمَعْ فذاكَ ثناءٌ غيرُ مُنتَحَلٍ — وانْظُرْ فهذا ولاءٌ غيرُ مُنتَحَل
بالشِّعْرِ يَفْخَرُ قَومٌ وهْو يَفْخَرُ بي — إن عُدَّ مِن قَوليَ المَشْهورِ أو عَمَلي
أقسمْتُ لولا مَعانٍ يَخْتَصِصْنَ به — لم يَلتَفِتْ نحوَهُ طَبْعي ولم يَمِل
فما يَقَرُّ بعيْني أن يُرَى أبداً — فِكْري بوَضْعِيَ عن فِعْلي له شُغُلي
كما غدا قِبَلَ الأيّامِ لو سمَحوا — لي مَطْمعٌ فللأقوامِ غدا قِبَلي
حنّتْ جِمالي وحَثّتْ للرَّحيلِ بها — صَحبي ولم تَبْقَ إلاّ حَلّةُ العُقُل
ولي تَفاصيلُ أوطارٍ بَقِينَ فقُمْ — بها عَليُّ كما قد قُمْتَ بالجُمَل
وراعِ في القُرْبِ أو في البُعْدِ أمْرَ فتىً — عليكَ وحدَك بعد اللهِ مُتَّكَلي
أمّا الصِّيامُ فكالضّيفِ المُنيخِ إلى — ذُراكَ قد حانَ منه وَشْكُ مُرتَحَل
فاسْعَدْ به راحلاً باليُمْنِ مُنقَضِياً — وعائداً ألْفُ عامٍ بَعْدُ في جَذَل
واعْدُدْ بكَفّيْكَ أعياداً مُعاوِدةً — ما شاقَ ركباً بلَيْلٍ حَنّةُ الإبِل
ودُمْ دَوامَ مديحي فيكَ إنّ له — إذا اعتَنَيْتَ بهِ عُمْراً بلا أَجَل
شِعْرٌ تَناهبَهُ الأسماعُ من طَرَبٍ — لدى الرِّوايةِ إن أُقصِرْ وإنْ أُطِل
والذِّكْرُ أحسَنُ ذُخْرِ المَرء فاغْدُ به — مُحَلِّياً لك مجْداً ليس بالعُطُل
واجْعَلْ لكَ العَرَضَ المَبذولَ واقيةً — طُولَ الزّمانِ لعِرْضٍ غَيْرِ مُبْتَذَل
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- اكتفت: اكْتَفَتَ يَكْتَفِتُ اكْتِفاتا :- المالَ: ضمَّه إلى نفسه؛ اكتفت الوصي مالَ القاصرين إلى ماله.
- العطل: عطل: عَطِلَتِ المرأَةُ تَعْطَل عَطَلًا وعُطولًا وتَعَطَّلَتْ إِذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَلْيٌ وَلَمْ تَلْبَس الزِّينَةَ وخَلا جِيدُها مِنَ القَلائد. وامرأَةٌ عاطِلٌ، بِغَيْرِ هَاءٍ، مِنْ نِسْوَةٍ عَواطِلَ وعُطَّلٍ؛ أَنش …
- بالجزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع …
- بالكحل: كحل: الكُحْل: مَا يُكْتَحَلُ بِهِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الكُحْل مَا وُضِع فِي الْعَيْنِ يُشتَفى بِهِ، كَحَلَها يَكْحَلها ويَكْحُلها كَحْلًا، فَهِيَ مَكْحُولة وكَحِيل، مِنْ أَعين كُحْلاء وكَحَائِل؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ و …
- ذلل: ذلل: الذُّلُّ: نَقِيضُ العِزِّ، ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّة وذَلالة ومَذَلَّة، فَهُوَ ذَلِيل بَيِّن الذُّلِّ والمَذَلَّة مِنْ قَوْمٍ أَذِلّاء وأَذِلَّة وذِلال؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئة: وَشَاعِرُ قومٍ أُولي بِغْضة ... …