نَظَر الزَمان بِمقلةٍ عَمياءِ
الشاعر: صالح مجدي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر صالح مجدي، من العصر الحديث، وتقع في 104 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نَظَر الزَمان بِمقلةٍ عَمياءِ ... لابن اللئيمة مَيّت الأَحياءِ
الأَبكم المَعروف أَخبَث مَن مَشى ... في الناس مُختالاً عَلى الغَبراء
بَيت الضَلال أَخو الخيانة وَالخَنى ... ركن الفَساد وَنكبة الفُقراء
حبّ الدَراهم دينُهُ فصلاته ... لِبَقائها في صبحه وَمَساء
ضحكت لَهُ الدُنيا فَزادَ سُرورُه ... وَلَسوفَ يَبكي مِن أَليم عَناء
وَعَلى يَديه يَعضُّ مِن أَسَفٍ عَلى ... غَدر اللَيالي بَعد حُسن وَفاء
فَأَقول عِندَ مَصابه أَو ما تَعي ... يا غرّ مَعنى جاءَ في السَفهاء
حَتّى إِذا فَرِحوا بِما أُوتوا ضَحىً ... أُخِذوا بِلَيلٍ حالك الظَلماء
يا ابن الغَبية كَم ركضتَ حَماقةً ... أَفراسَ جَهلك في رُبى البَغضاء
وَسَعيت في كسب المَعالي بِالأَذى ... فَجسرتَ حَيث وَقعت في الضَرّاء
هَذا مِن الدُنيا نَصيبك فَاِنتَظر ... يَوم القِيامة صَفقة البُخَلاء
وَاِعلَم بِأَن اللَه لَيسَ بِغافل ... عَن قَطع دابر آثمٍ وَمُرائي
لِلخَير مَناع عُتُلٌّ معتدٍ ... بِنميمة بَينَ الوَرى مَشّاء
بِالغَيظ مُت كَمداً فَقَد نَزَل القَضا ... وَالسَعي ضلّ وَخابَ كُل رَجاء
وَلَنا اِستَجاب اللَه فيك دُعاءَنا ... بِالشرّ إذ هو أَرحم الرُحَماء
طَردوك عَن باب الرِياسة عِندَما ... عَلِموا بِأَنك سَيّئ الآراء
هَيهات تَظفر بِالمُنى بَينَ الوَرى ... بِتَقلُّبٍ كَتَقلُّب الحرباء
فَاِخلَع لِباس العلم عَنكَ بِدَولة ... شَهدت بِأَنك أَجهَلُ الجُهَلاء
وَاندب زَماناً كُنتَ فيهِ مُوارياً ... لِغباوة بِمَلابس حَسناء
مِن أَين للتَرتيب فيكَ لياقة ... وَعَليكَ تَعجم سائر الأَشياء
كَم تَدعي لا كُنت أَنكَ فاضل ... وَالحَق جاءَ وَزَالَ كُل خَفاء
وَغَدَوت عندَ الامتحان كَباقلٍ ... عَرقت جَبينك في نَهار شِتاء
وَصرفت عمرك في الفضول سَفاهة ... وَزَعمت أَنكَ فزت بِالعَلياء
وَنسبت نفسك لِلمَعارف باطِلاً ... وَجَعلت عَينك عِندَنا كَذَكاء
وَلَبثت في دار العُلوم فَلَم تَكُن ... تَدري بِها شيأً سِوى الأَسماء
ما الفَخر في كسب النَوال وَسَلبه ... ظلماً مِن العافين وَالضُعَفاء
وَالكدّ في تَكثيره ومآله ... لمخنث وَسقيمة عَوراء
وَالزُهد في فَرض الصِيام لريبة ... في الدين من جَهل بِلا إِغراء
وَالقَدح في الرسل الكِرام وَصحبهم ... أَهل الوَفاء السادة الحُنَفاء
وَالمَيل عَن سِنَن الصلاة وَفَرضها ... وَالحَج عِندَ تَطوّع برضاء
والجدّ في ذم الزَكاة وقبحها ... مِن خَوف فَقر عاجل وَبَلاء
وَالكَف عَن غَسل الجَنابة حَسبما ... هُوَ واجبٌ شَرعاً بِغَير مراء
وَإضافة التَكوين وَهيَ ضَلالة ... لِلدَهر مِن فهم أَسير غَباء
وَالكفر بِالرَحمن جَل جَلاله ... وَجَحود ما أَسداه مِن نَعماء
ثَكَلتك أُمك إِنَّما فَخر الفَتى ... بِإِغاثة المَلهوف عِند نداء
وَالبر يا أَعمى بِوالدك الشَقي ... مَــــع أَنَّهــــُ مِن ألأم اللؤماء
وَبأمك المشؤومة الوَجه الَّتي ... عُــــرفــــت بأَم الألكن الزلاء
وَبعمةٍ لك أَصبحت مَشهورة ... بَينَ النِسا بِالمرأة الفَدعاء
وَشَقيقة تُمسي وَتُصبح في الشِتا ... تَحتَ النَدى وَالطل وَالأَنواء
وَطفيلة تَبكي بِدَمع هاطل ... فَوقَ الخُدود لِقَطع حَبل غِذاء
وَالسَعي في طَلَب الرَضا مِن خالق ... غَمر الوَرى بِسَحائب الآلاء
وَرِجا شَفاعة أَحمدٍ كنزُ العَطا ... مفني جَميع الشرك بِالتَقواء
وَالأَمر بِالمَعروف لا بتكبر ... وَالنَهي عَن نُكر وَفعل زِناء
وَالعَدل بَين الأَهل والرحم الَّذي ... أَوصى بِهِ المُختار في الأَنباء
وَالبُعد عَن مال اليَتيم وَأَكله ... بِالزور مِن شَرِهٍ عَديم دَواء
وَبعفة وَأَمانة وَصَداقة ... مَمزوجة بِتَواضع وَحَياء
وَصِيانة لِلنَفس عَن شَهواتها ... وَجُموحها أَبداً عن الصَهباء
وَتَجنب عَن ميسر عَنه نَهى ... وَتَباعدٍ عَن سائر الأَهواء
وَشَهادة بِالحَق تَنفع يَوم لا ... وَلدٌ يَـــــجـــــود لِوالد بِــــفــــداء
وَتَفقه في الدين يُنجي في غد ... مِما يمزق كامل الأَعضاء
وَتجمل بِالمكرمات وَبِالنَدى ... وَمَــــحــــبــــة للجار وَالنُزَلاء
وَوَفــــا بِعَهد للإله وَخلقه ... وَنَجاز وَعَدهم بِلا إِغضاء
وَعِيادة المَرضى بِحسن تَودّد ... وَتَــــردّد مِــــن ضَحوة لِعشاء
وَالمَشي خَلف جَنازة بِتَطوّع ... لا مــــن مُلامة لائم هجّاء
وَعَداوةٍ لِلملحدين وَنصرة ... بِمهند للدين عِندَ لِقاء
هَذا هُوَ الأَمر الَّذي ما عابه ... أَحد مِن الأَحبار وَالفُقَهاء
فَاِنظر إِلى مرآة شِعرٍ رائق ... ما نالَها شَيء مِن الأَصداء
كَيما بِها تَلقى أَمامك سحنة ... بِالمَسخ قَد كسيت وَبِالأقذاء
وَاحلف بِانك تَنتَهي عَن فتنة ... وَدَنــــاءة مَنقولة عَن رائي
وَعَساك تَحنث في اليَمين فَإِنني ... لَكَ آفة في سائر الأَنحاء
فَأريك أَبياتاً يَشيب لَهولِها ... رَأس الوَليد بَليلة شَهباء
وَأَقول مِن شغف بذمك وَالهِجا ... مت يا جَهول مَخافة الرقباء
وَاِقطَع رَجاك مِن الرِياسة وَاِنتَحب ... لِنفورها يا أَخبث الخُبَثاء
كُشف الغِطاء عَن الحَقيقة فَاقتصر ... وَاِسمَع نَصيحة ناصحٍ بِصَفاء
عش بِالصَداقة بَينَ أَرباب الحجا ... وَدَع النَميمة في حمى الأَمراء
وَالبس ثِياب تَواضع وَتَخضُّعٍ ... وَأَمط قِناع الكبر كَالعقلاء
وَاشكر صَنيعة محسن متفضل ... أَولاك كُل الخَير في السَرّاء
وَاِطلُب رضا هَذا الأَمير وَعَفوه ... فَهُوَ الجَدير لَدى الوَرى بِثَناء
هَل كانَ عِندَك يَستَحق بِسَعيه ... ما كانَ مِن بُغض وَفَرط جَفاء
وَاِنزَع جَلابيب التَمَلُّق إِنَّها ... مَــــقرونة بِتذلل وَشَقاء
وَصل الأَقارب يا سَفيه فَرُبَّما ... وَاساك عاجزهم ببعض دُعاء
وَاِقطَع حِبال البخل وَاِنقض عَهده ... فَالبُخل في الإِنسان أَقبَح داء
وَاحلل رِباط الحقد وَالشَرهِ الَّذي ... عقدوا له في القَدح كُلَّ لِواء
وَاطو السجل لغيّ نَفسك وَاستقم ... وَاِنشُر شِراع قراك كَالكرماء
فَلَئن هُديت وَلم تُخالف ناصِحاً ... أَصبَحت في أَمن وَفَرط هَناء
وَلَئن عَكَفت عَلى مَساويك الَّتي ... شهرت لَدى القطان وَالغرباء
وَجَعلت نَفسك لِلهَوان قَرينة ... مِن أَجل مال قابل لِفَناء
فاحسد يَتيمة فكرة عَربية ... نَطقت بِما أَربى عَلى الجَوزاء
فَلَكَم تَعاديني وَأصرف هِمَتي ... عَنكَ اِحتِقاراً لا لِخَوف جَزاء
وَلَكَم أَغضُّ الطَرف عَنكَ سَماحة ... مِني فَما تَزداد غَير تَنائي
حَتّى بَدا لي أَن ذمك واجب ... في مَذهب السادات وَالفضلاء
فَاِغضَب إِذا ما شئت وَاعتزل الرضا ... لُؤماً فَإني أَكرم الأَكفاء
وَاِطلق عَنانك في مَيادين الأَسى ... وَاحمل عَليّ بِسائر الخُصماء
وَارم النِبال إِلى مقاتل ضَيغم ... لَم يَكتَرث بِالصَعدة السَمراء
وَامكُر وخن وَاغدر وبارز إن تَكن ... يَوم الكَريهة فارس الهَيجاء
وَاِنطق بِحَرف واحد في مَحفل ... كَيما تعدّ به مِن الفَصحاء
وَاِفَهم حَقيقة ما يقال بمجلس ... إِن كُنت مَعدوداً مِن النَبهاء
وَاِقدَح زِناد الرَأي إِن كُنتَ امرأً ... بِالحَزم مَعروفاً لَدى الحُكَماء
وَاضرب خِيام النُصح في أَرض النُهى ... إِن كُنت في مَصر مِن النُصَحاء
وَاهزم جُيوش الجَهل إِن كُنت الَّذي ... لِلعلم في الدُنيا مِن الحُلَفاء
وَاِشرَح لَنا أَعمال غش لَم تَزَل ... متردّيا مِنها بشرّ رِداء
وَاِحفَظ مَع الأَطفال لَوحَك وَاِمتثل ... أَمر المؤدّب وَيك وَالعرفاء
وَاعرف مَقامك في دِيار لَم تَكُن ... فيها سِوى كالظلمة السَوداء
وَاِنزل بِساحة فتية عَربية ... عَرَفوا مَدى الأَزمان بِالنَجباء
ما فيهم عَيب سِوى عرفانهم ... وَدُخولهم في زُمرة البُلَغاء
وَرُكوبهم مَتن العُلا بِمَعارف ... مَصرية جلّت عَن الاحصاء
أَولا فَدَعني يا غَبيّ كَما تَرى ... أَصميك من نَظمي بِسَهم هِجاء
وَاصلح قَفاك لِسَوط كُلِّ مَذَلة ... حَتّى تَموت بغصة الحرصاء
وَسأَقتفيك بِمجملٍ وَمفصَّلٍ ... لِتذوق طَعم مَرارة الإِنشاء
وَعَليك إن جَعَلوه وَقفاً جاءهم ... بِالصدق تَوقيعٌ مِن العُلَماء
فاصبر عَلى هَجو يَلوح كَأَنَّهُ ... بَدر نَمَت أَنواره بِسَماء
وَاحذر عَداوة مَعشر زُمر الهَوى ... تَخشاهم في ظُلمة وَضِياء
فهم البَديع مَع البَيان وَنطقهم ... بالشعر أَخرس ناطق الغرماء
وَاخسأ فَقَد أَنشدت فيكَ مؤرّخا ... يا ألكناً أَنا أَرشد الشُعَراء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الدراهم: درأ: الدَّرْءُ: الدَّفْع. دَرَأَهُ يَدْرَؤُهُ دَرْءًا ودَرْأَةً: دَفَعَهُ. وتَدارَأَ القومُ: تَدافَعوا فِي الخُصومة وَنَحْوِهَا واخْتَلَفوا. ودَارَأْتُ، بِالْهَمْزِ: دافَعْتُ. وكلُّ مَن دَفَعْتَه عَنْكَ فَقَدْ دَرَأْتَه. … (لسان العرب)
- الفقراء: قرأ: القُرآن: التَّنْزِيلُ الْعَزِيزُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَى مَا هُوَ أَبْسَطُ مِنْهُ لشَرفه. قَرَأَهُ يَقْرَؤُهُ ويَقْرُؤُهُ، الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِ، قَرْءاً وقِراءَةً وقُرآناً، الأُولى عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُو … (لسان العرب)
- سروره: سرر: السِّرُّ: مِنَ الأَسْرار الَّتِي تُكْتَمُ. وَالسِّرُّ: مَا أَخْفَيْتَ، وَالْجَمْعُ أَسرار. وَرَجُلٌ سِرِّيٌّ: يصنع الأَشياءَ سِرّاً مِنْ قَوْمٍ سِرِّيِّين. والسرِيرةُ: كالسِّرِّ، وَالْجَمْعُ السرائرُ. اللَّيْثُ: الس … (لسان العرب)
- صبحه: صبح: الصُّبْحُ: أَوّل النَّهَارِ. والصُّبْحُ: الفجر. والصَّباحُ: نقيص المَساء، وَالْجَمْعُ أَصْباحٌ، وَهُوَ الصَّبيحةُ والصَّباحُ والإِصْباحُ والمُصْبَحُ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فالِقُ الْإِصْباحِ؛ قَالَ الْفَرَّاء … (لسان العرب)