مَا لِلرِّيَاضِ أنِيقَةَ الأثْوَابِ
الشاعر: عبد الكريم البَسطي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر عبد الكريم البَسطي، من المغرب والأندلس، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَا لِلرِّيَاضِ أنِيقَةَ الأثْوَابِ ... مَأْنُوسَةَ الأرْجَاء والأَبْوَابِ
دَارَتْ بِهَــــا لِلأُنْــــسِ أيَّ مَــــدَارَةٍ ... مِنْ غَيْرِ أقْدَاحِ وَلاَ أكْوَابِ
وَالزّهْرُ فِي أدْواحِهَا مُتَبَسِّمٌ ... عَنْ ثَغْرِ سَاحِرَةِ الْعُيُونِ كَعَابِ
والطّيرُ في أغْصانِها نَعغَمَاتُهُ ... مِنْ طِيبِهَا تَسْبِي أولِي الأَلْبَابِ
والرّيحُ تَنْفَحُ والخَمَائِلُ تَنْثَنِي ... طَرَباً بِجَانِبِ زَهْرِهَا الْمُنْسَابِ
والطّيبُ يَعْبَقُ رِيحُهُ فَإذَا سَرَى ... وَافَى بطِيبِ نَواسمِ الأحْبَابِ
ومَشَارِبُ الدُّنْيَا المُؤمَّلِ وِرْدُهَا ... خَلُصَتْ مِنَ الأكْدَارِ لِلطلاَّبِ
مَا ذَاكَ إلاَّ لِلسُّرُورِ بِنِعْمَةٍ ... مِنْ مُنْعِمٍ مُتَفَضِّلِ وَهَّابِ
بِوِلاَيَةِ الْقَاضِي ابِن مَنْظُورٍ أبِي ... عَمْرٍ ورِئَاسَةَ جُمْلَةٍ الْكُتَّابِ
وَحُلولِهِ بِجَنَابِهَا السَّامي الّذِي ... أسْمَى عُلاّهُ فِي أعَزِّ جَنَابِ
كَالْبَدْرِ حَلَّ لَدَيْهِ مِنْ كُتَّابِهِ ... فَضَائِلٌ مِنْهُمْ بَدَتْ كَشِهَابِ
يَجْلُو مَحَاسِنَهَا الْغَريبَةَ لِلنُّهَى ... بِبَلاّغَةٍ رَاقَتْ وَفَصْلِ خِطَابِ
وَنِــــظَامُهُ وَنِثَارُهُ شَهِدَا لَهُ ... بِالسَّبْقِ تَحْقِيقاً لَدَى الأصْحَابِ
لِعُلُوِّ مَا يُبْدِي وَيُظْهِرُ مِنْهُمَا ... وَخُــــلُوِّهِ مِــــن ذَامٍ أوْ مِنْ عَابِ
وَعَلَيْهِ مِنْ حُلَلِ الْبَيَانِ مَطَارِقٌ ... تَرْعَى لَهُ النِّقَابَ بِالأَلْقَابِ
اللَّفْظُ لِلْمَعْنَى غَدَا طِبْقاً لَهُ ... كَالطَّبْقِ فِي الإِيجَازِ وَ الإِطْنَابِ
دَانٍ ولَكِــــنْ نَــــيْلُهُ مُتَعَذِّرٌ ... فِي حَالَيِ التَّقْصِيرِ وَالإِسْهَابِ
يَنْجَابُ عَنْ نفْسِ المَشوقِ إذا شَدَا ... شادٍ به ما ليْسَ بالمُنجابِ
ويمِيلُ سامِعُهُ كشارب قهوة ... لعظيمِ يُولِي من الإِطرابِ
كمْ قادَ من نَفْسٍ به نحو الرضى ... وأنَا لَهَا مِنْهُ جَزِيلَ ثوابِ
ولذَاتُه الشَّرَفُ الرفيعُ تَعَلّقتْ ... لا شكَّ مِنْهُ بأفضلِ الأسْبابِ
ولَها انجلى الحسَبُ الأصيلُ مُسَلَّماً ... مهما يكونُ الفخرُ بالأحسابِ
ومَنِ اغْتدى أهلاً لذروة منبرٍ ... أهلاً لخدمة جانب المِحْرابِ
وقَضَى بما يُرضي الشريعةَ راجياً ... مِنْ ربِّهـــ زُلفَى وحسنَ مآبِ
وجَلاَ بلاغته لحسن بيانها ... وجمل كالشمس دون حجابِ
وأتى ولم يُحْجِمْ من الإِعْرابِ ... شتّى فنون العلم بالإِغْرابِ
كأولي العلوم الغرّ من أسلافه ... النازلين من العلى بروابِ
الحاضرين بما جَلَوْا من حكمة ... لأولي الفهوم وهم من الغُيْابِ
وَالْحَائِزينَ بِمَجْدِهِمْ رُتَبَ الْعُلَى ... مَا بَيْنَ شِيبٍ قَدْ مَضَوْا وَشَبَابِ
والفائزين من العلوم تشرّفت ... إذ أحرزوها بارتشاف رُضابِ
والسابقين بِنْيلهَا لنهاية ... كم كَابِرٍ عَن نيلها من كابِ
من كلِّ وضّاح الجبينِ محصِّل ... لعلومِ نوعيْ سنّةٍ وكتابِ
مِنْ أَمَّةُ يبغي دُلافةَ عنده ... لاقاه بالإِقبال والتّرحابِ
يُلْقَى له العلمُ الشريفُ ولم يزل ... بالمعجب المعروف منه بجابِ
ومُجيُبه في كلّ معنى مشكلٍ ... مهما يسائلُه بخير جوابِ
فبحقٍّ أن يُدعَى الرئيسَ ويرتقي ... حتّى ينالَ مراتبَ الحجّابِ
ويَدينُ مِنْ تَعظيمه أهلُ النُّهى ... بالمقتضى حملاً على الإِيجابِ
فلقد حَوَتْ منه الرئاسة أوحداً ... ساسَ الأمورَ فجاء بالأعْجابِ
وتحمّلتْ منه بأزكى ماجدٍ ... حسنِ المحيّا طاهر الجلبابِ
يُبدي الرّسائَل كالحرائز جُلّيَتْ ... من كلّ معنى معجب بلبابِ
إنْ فُضَّ عنها الخَتمُ أبدى خَطُّها ... من حسنها الفتّان أيَّ عُجابِ
فمَنِ ابن عاصمَ أو مَنِ ابن خطيبها ... ومَن الرئيسِ فَتَى بني الجّياب
ومَنِ ابنُ عمّارٍ أو ابنُ خِصَالِها ... ومِنَ العِراقِ مَنِ الرئيس الصَّابِي
وله من الكتّاب أفضلُ فتيةٍ ... يَسْطُونَ من أقلامهم بِعِضابِ
مِنْ كلّ ملتهب القريحةِ دونه ... في مُلتقى الأقرانِ ليثُ الغابِ
كـــــلّ له حَـــــوَلٌ إذا جــــاراهُــــمُ ... فـــــي العـــــلم والآراء والآدابِ
فاق الجميعَ وبذّهم بمآثرٍ ... تحصيلُها ناءٍ عن الحُسّابِ
أمّــــا نَــــداهُ وجــــودُه وجــــلاُله ... فلقد سما فيها على الأترابِ
بُشْرَى لأندلُسٍ به من فَاضِلٍ ... جَــــمَّ الفــــضــــائل قانتٍ أوّابِ
أغراضُه فيما انتحى من أمره ... أوْ رَامَهُ مــــقــــرونــــةٌ بصوابِ
يَهْنِيه منها خُطّةٌ نالتْ به ... أسنى المُنَى والفوزَ بالآرَابِ
وحَوَتْ به فخراً أثِيلاً ذكرُهُ ... يبقى على الأعصارِ والأحْقابِ
وسناؤُها أولى به لمُحقَّقٍ ... بعُلاه لا ساهٍ ولا مرتابِ
لا زال في نِعمٍ تُعاهدُ رَبْعَهُ ... موصولةِ التهتانِ والتّسكابِ
وزمــــانُهُ يُبْدي له مأموله ... في النفس والأموال والأحبابِ
وعلى سيادته سلامٌ طيّبٌ ... أذْكى من الأزهار غِبّ سحابِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المنساب: نسب: النَّسَبُ: نَسَبُ القَراباتِ، وَهُوَ واحدُ الأَنْسابِ. ابْنُ سِيدَهْ: النِّسْبةُ والنُّسْبَةُ والنَّسَبُ: القَرابةُ؛ وَقِيلَ: هُوَ فِي الْآبَاءِ خاصَّةً؛ وَقِيلَ: النِّسْبَةُ مصدرُ الانْتِسابِ؛ والنُّسْبَةُ: الاسمُ. … (لسان العرب)
- بجانب: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ. (لسان العرب)
- تسبي: سبي: السَّبْيُ والسِّباءُ: الأَسْر مَعْرُوفٌ. سَبَى العدوَّ وغيرَه سَبْياً وسِباءً إِذَا أَسَرَه، فَهُوَ سَبِيٌّ، وَكَذَلِكَ الأُنثى بِغَيْرِ هاءٍ مِنْ نِسْوة سَبايا. الْجَوْهَرِيُّ: السَّبِيَّة المرأَةُ تُسْبى. ابْنُ ال … (لسان العرب)
- تنثني: نثن: نَثَنَ اللحمُ نَثْناً ونَثَناً: تغَيَّر. (لسان العرب)
- تنفح: نفح: نَفَح الطِّيبُ يَنْفَحُ نَفْحاً ونُفُوحاً: أَرِجَ وفاحَ، وَقِيلَ: النَّفْحةُ دُفْعَةُ الرِّيحُ، طَيِّبَةً كَانَتْ أَو خَبِيثَةً؛ وَلَهُ نَفْحة طَيِّبَةٌ ونَفْحة خَبِيثَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَلَهُ نَفْحة طَيِّبَةٌ. … (لسان العرب)
- خلصت: خلص: خَلَص الشَّيْءُ، بِالْفَتْحِ، يَخْلُص خُلُوصاً وخَلاصاً إِذا كَانَ قَدْ نَشِبَ ثُمَّ نَجا وسَلِم. وأَخْلَصه وخَلَّصه وأَخْلَص لِلَّهِ دِينَه: أَمْحَضَه. وأَخْلَصَ الشيءَ: اخْتَارَهُ، وَقُرِئَ: إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُ … (لسان العرب)
- ريحه: ريح: الأَرْيَحُ: الواسعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. والأَرْيَحِيُّ: الواسعُ الخُلُق المنبسِطُ إِلى الْمَعْرُوفِ، وَالْعَرَبُ تَحْمِلُ كَثِيرًا مِنَ النَّعْتِ عَلَى أَفْعَليٍّ كأَرْيَحِيٍّ وأَحْمَرِيّ، وَالِاسْمُ الأَرْيَحِيَّةُ. … (لسان العرب)