يا أَفْضلَ الإِخوانِ يا ابنَ رجَاءِ
الشاعر: عبد الكريم البَسطي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر عبد الكريم البَسطي، من المغرب والأندلس، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا أَفْضلَ الإِخوانِ يا ابنَ رجَاءِ ... غيري لغيركَ بالإِخاءِ يُرائِي
ويشوبُه بنقائصٍ مذمومةٍ ... تُربي إذا تُحصَى على الحَصْباءِ
وأنا الذي أرعى جميعَ حقوقِه ... كرعايةِ الإِعرابِ للأسماءِ
هذا على ما أَنتَ تعلمُ أنني ... فيه من البأساءِ والضرّاءِ
فَهَل أَنْتَ مثلي في الإِخاء وَرْعِيهِ ... أم للبِعادِ نَسِيتَ رَعْيَ إِخائِي
وغَفَلْتَ عن عهد التأنُّسِ دائماً ... حتّى لدى الإِصباح والإِمساءِ
في منزلٍ حيّاهُ مُنْسَجِمُ الحيا ... وسقاه صوبَ الديمةِ الوَطْفاءِ
لم تَتّخِذْ فيه جليساً مؤنساً ... غيرَ العلومِ وسِيرةَ العلماءِ
فلَكَمْ فوائدَ عند ذلك نِلْتُها ... جلّت لكثرتِها عن الإِحصاءِ
رقّتْ حواشيها وراقت مَنظراً ... ما مثلُه للماءِ والصّهباءِ
ظفِرتْ يدي من نَيْلها بأجَلِّ مِنْ ... ظَفَري بقرب الغادة الحسناء
فغدوتُ من أَنوارها مُتَنَزِّهاً ... في الروضةِ المنْظُورة الفنّاءِ
ومشاربُ العيش الشهيِّ مباحةٌ ... وظلالُهُ الممدودة الأفْياءِ
والسّعدُ يرمُقُنِي بناظر طرفِه ... والنَّحْسُ في سِنِةٍ وفي إِغفاءِ
حتّى انتهى الزمنُ المقدَّرُ كَتْبُه ... عند الإلاه مُقدِّرِ الأشياءِ
كَشَرَ الزمانُ بغدْرِه عن نابه ... كَشْرَ العجوز القاعد الشّمطاءِ
فأحلَّ بي من خطْبِه ما لم أُخِلْ ... أنِّيــــ أراهُ نازلاً بِفنائِي
فحصلتُ في الأَسر الذي أدواؤُه ... لرهينةٍ من أعْظمِ الأدواءِ
أجبْنِي مذلّتَه وضيقَ قُيودِه ... بعد اجتناء العزة القَعْساءِ
ما بين قوم كافرين تلوّنوا ... في كفرهِمْ كتلوّن الحَرْبَاءِ
لا يرجون موحِّداً في أرضِهم ... إِن جاءَهم يشكو بخطبِ عَناءِ
ما إن أرى منهم سوى مَن قلْبُه ... من قَسْوَةٍ كالصخرة الصّمّاءِ
أصِلُ الصباحَ مع المساءِ لديهِمُ ... في الخدمة المعهودة الإِعْياءِ
وأقوم منها بالذي هو واجِبٌ ... من غير تفريط ولا استهزاءِ
مُتحرّياً إِرضاءَهم لو أنهم ... يُبدون أنِّيــ جئتُ بالإرضاءِ
حتّى ضعفتُ ورقّ جسمي بينهم ... وتغيّرتْ عن حالِها أعْضائِي
وتقرّحتْ مِنّي الجفونُ بدمْعِها ... وتقطعتْ بلهيبها أحْشائِي
وأكاد أخْفَى للنُّحولِ وللضّنَى ... لولا أنيني حسرةً وبُكائِي
ومِن اغْتدى في الأسر مثلي مُوثَقاً ... فمِنَ الغرائب وصفُه ببقاءِ
وأمَرُّ ما ألقاه أنّي عاجزٌ ... عن أن أخُصَّ فرائضي بأداءِ
فدعِ الحنين لوالدي ولقُرْبه ... ولأهــــلِ وِدّي مــــثلكَ الأُثرَاء
وكَفَى بشوقي للعلوم وكُتْبِهَا ... عِبْءاً غَدَاً مِنْ أثقلِ الأعباءِ
مَعْ ما أعانيه ببُعْدِيَ دائماً ... عن بسطة المأنوسةِ الأرْجاءِ
حيثُ البِطاحُ كأنهنَّ صَحائِفٌ ... رُقِمتْ بإبريز مِنَ الأضْواءِ
حيثُ الحدائقُ فُتِّحَتْ أزهارُها ... عن وجنةِ المعشوقةِ العذراءِ
حيث الطيورُ ترنّمتْ في دوْحِها ... فأتتْ بمثلِ ترنُّمِ الشّعراءِ
حيثُ النّسيمُ إذا سَرَى مالت به ... طَرَباً غصونُ البانة الميسَاءِ
حيث الجداولُ كالسّيوف إذا مضت ... موصوفةً أبداً بحسن صفاء
حيث التّرابُ كأنّه من لؤلؤٍ ... متناثر أو فضّةٍ بيضاءِ
جَلَّ الّذِي أبْدَى عجائبَ صُنْعِه ... فَبَدَتْ تُقَيَّدُ أعيُنَ النُّظَرَاءِ
وأتى بأصْناف الوجود مُقِرَّةً ... لجلاله بالخلق والإنشاء
فلسانُ حال جمادها في نُطْقِه ... كمقالِ مَعْدُودٍ من الأحياء
وقضى على قوم بنعمةِ رحمة ... والآخرين بِنقْمةٍ وبلاء
وأحَلَّني مَعَ من قضى ببلائه ... مِنْ خلقه في الرتبة العَلْياء
لأفوزَ في دار الكرامةِ والجزا ... بكرامةٍ عُظْمَى وحسنِ جزاء
هذا مَعَ الصّبر الذي أدْعو به ... مَنْ لم يزل قِدْماً يُجِيبُ دعائي
سبحانه سبحانه سبحانه ... عدَدَ الحصى دأْباً وقطرِ الماء
ما في الوجود سواه أرجو فضلَه ... في أن يُبَدِّل شِدّتي برخاء
وَيُحلَّ قيد الأسر عنّي عاجلاً ... مَعَ مَنْ بِآبُرةٍ من الأُسَرَاءِ
فهو المفرِّجُ للكروب إذا دَهَتْ ... وبه انْجلاءُ نوائب الأسْوَاءِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الوطفاء: طفأ: طَفِئَتِ النارُ تَطْفَأُ طَفْأً وطُفُوءاً وانطَفَأَتْ: ذهَبَ لَهَبُها. الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِيِّ حَكَاهَا فِي كِتَابِ الجُمل. وأَطْفَأَها هُوَ وأَطْفَأَ الحَرْبَ؛ مِنْهُ عَلَى الْمِثْلِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَز … (لسان العرب)
- بنقائص: قيص: قاصَ الضرسُ قَيْصاً وتَقَيَّص وانْقاصَ: انْشَقَّ طُولًا فَسَقَطَ، وَقِيلَ: هُوَ انْشِقَاقُهُ، كَانَ طُولًا أَو عَرْضًا. وقاصَت السِّنُّ تَقِيصُ إِذا تَحَرَّكَتْ. وَيُقَالُ: انْقاصَت إِذا انشقَّت طُولًا؛ قَالَ أَبو ذ … (لسان العرب)
- تتخذ: تخذ: تَخِذ الشيءَ تَخَذاً وتَخْذاً؛ الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، واتَّخَذَه: عَمِلَهُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ؛ أَراد اتَّخَذُوهُ إِلهاً فَحُذِفَ الثَّانِي لأَن الِاتِّخَاذَ دَلِيلٌ عَلَي … (لسان العرب)
- تربي: ترب: التُّرْبُ والتُّرابُ والتَّرْباءُ والتُّرَباءُ والتَّوْرَبُ والتَّيْرَبُ والتَّوْرابُ والتَّيْرابُ والتِّرْيَبُ والتَّرِيبُ، الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، كُلُّهُ وَاحِدٌ، وجَمْعُ التُّرابِ أَتْرِبةٌ وتِرْبانٌ، عَنِ اللِّح … (لسان العرب)
- حقوقه: حقق: الحَقُّ: نَقِيضُ الْبَاطِلِ، وَجَمْعُهُ حُقوقٌ وحِقاقٌ، وَلَيْسَ لَهُ بِناء أَدْنَى عدَد. وَفِي حَدِيثِ التَّلْبِيَةِ: لبَّيْك حَقّاً حَقًّا أَيْ غَيْرَ بَاطِلٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ أَيْ أَنَّهُ أكَ … (لسان العرب)
- لغيرك: غير: التهذيب: غَيْرٌ من حروف المعاني، تكون نعتاً وتكون بمعنى لا، وله باب على حِدَة. وقوله: ما لكم لا تَناصَرُون؛ المعنى ما لكم غير مُتَناصرين. وقولهم: لا إِلَه غيرُك، مرفوع على خبر التَّبْرِئة، قال: ويجوز لا إِله غيرَك ب … (لسان العرب)