حديثُ الهوى أحْلَى مِنَ الشَّهْدِ في الفَمِ
الشاعر: عبد الكريم البَسطي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر عبد الكريم البَسطي، من المغرب والأندلس، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
حديثُ الهوى أحْلَى مِنَ الشَّهْدِ في الفَمِ ... إذا مــــا وَعــــاهُ سَــــمْــــعُ مُــــتــــيَّمِ
فكرِّرْ على أُذْنِي لذيذَ حديثِهِ ... وصرِّحْ بقولِ الحقِّ غيرَ مُذَمَّمِ
لعلَّ مَعَ التَّكرارِ لأسمعُ لَفْظةً ... تَكونُ على داءِ الفؤادِ كَمُرْهَمِ
فبالقلبِ داءٌ مِنْ هَوَى الغِيدِ كامنٌ ... يَبينُ بجسمِي اليومَ للمتوهّمِ
نُحولٌ ودمعٌ واصْفرارٌ وزَفْرَةٌ ... شَواهِدُ صِدْقٍ للعدالةِ تَنْتَمِي
وأعجَبُ عُبّادِ الصّليبِ صبيَّةٌ ... سَبَتْنِي بوجْهٍ مثْلَ بدرٍ مُتمَّمِ
فبِتُّ حليفَ الهمِّ مِنْ فرْطِ حبِّها ... وباتَتْ بهجْري في فراشِ تنعُّمِ
وكَمْ نَعَّمَتْني مِنْ لذيذِ وصالِها ... بما لَمْ تَصِلْ نفسي له بِتَوَهُّمِ
فَقّبَّلْتُ منها الخدَّ وهو موَرَّدٌ ... وثَنَّيْتُ بالثَّغرِ المليحِ التَّبَسُّمِ
وقد نطقَ الناقوس فوقَ كنيسةٍ ... بــــكــــفِّ مُــــغَــــنٍّ مُــــولَعٍ بــــالتَّرَنُّمِ
وأفصحَ قسّيس الأعاجِمِ جاهراً ... بإنجيل روح الله عيسى بن مرْيمِ
ومَدَّ غُرابُ الليلِ ريشَ جَناحِهِ ... فطارَ حَمامُ الضوْءِ رِيشَ بأسْهُمِ
وأتْرابُها خَوْفَ الرقيبِ قواطِعٌ ... يُحاذِرْنَ مِنْ إتْيانِهِ فَوقَ أدْهَمِ
ومَالتْ بفرطِ السّكْرِ وهي مريضةٌ ... كميْل الصَّبا صُبحاً بغُصْنٍ مُنَعَّمِ
ولولا عَفَافِي واتِّقَاءُ عتابِها ... تمتّعتُ منها بالمَحلِّ المُحَرَّمِ
كَتَمْتِيعِ سَمْعِي في الزمان الذي مضى ... بعلمِ البيانِيِّ الإِمامِ المُقدَّمِ
أجلِّ جوادٍ جودُه أخجَل الحيا ... إذا ما غَدَا تَهْتانُه الجودُ يَنْهَمِ
وخيرِ فقيهٍ للمسائِل حافظٍ ... بــــفَهْــــمٍ أصِــــيليٍّ وحُسْنِ تَفَهُّمِ
تجرَّدَ عِزّاً للعلومِ فحازَها ... ولم يَفْتَقِرْ في حَوْزِها لِمُعَلِّمِ
وأدْركَها وهْيَ البعيدةُ مَدرَكاً ... بعقلٍ سَليمٍ لم يُعَبْ بتَقَسُّمِ
فكمْ حكمةٍ أبْدى وكم صِرْفةٍ جَلَّى ... وعلمٍ رفيعٍ ظاهرِ الفضلِ مُحْكَمِ
فعلمُ أبي عبد الإلاهِ مُسَلَّمٌ ... وعلمُ الذي عاداهُ غيرُ مُسَلَّمِ
ومَعْلَمُه في الفضلِ لا منهُ مَعْلَمٌ ... بدا في العُلَى مِنْ دونِه كُلُّ مَعْلَمِ
له وجْنةٌ في النائباتِ مُنيرَةٌ ... أبَى علْمُهُ من غيبها بتَجَهُّمِ
تُجلِّي دُجَى الخطْبِ البَهيمِ بِنُورِها ... إذا ما بَدَتْ للعينِ عن كُلِّ مُسْلِمِ
إلى هِمَّةٍ لا مُنتهىً لِمَحَلِّها ... مَضَتْ في العُلَى مثلَ الحُسامِ المُصَمَّمِ
كــــأنَّ حُــــســــامَ العــــزِّ قُــــدَّ لذاتِهِ ... فَخيَّمَ منها العزُّ أيُّ مُخَيِّمِ
إذا كنتَ جَهْلاً تبتغي نيلَ عِزِّهِ ... حَذَارِ فما تُبْغَى السّماءُ بسُلَّمِ
إذا كنتَ عِلْماً ناهجاً طُرْق هدْيهِ ... لَقَدْ ظَفَرَتْ يُمْنَاكَ منه بِمَعْلَمِ
وأدْركتَ منه واحدَ الذاتِ مُفرداً ... غَدَا في صفاتِ المجدِ مثلَ مُقَسِّمِ
حكيمٌ كلقمانٍ جميلٌ كيُوسُفٍ ... وَلِيٌّ كبِشْرٍ زاهدٌ كابنِ أدْهَمِ
شُجاعٌ كعمْروٍ مُقْدِمٌ مثل خالِدٍ ... كريمٌ كمعنٍ حَاكمٌ مثل أسْلَمِ
إذا ما علا للوعْظِ أعودَ مِنْبرٍ ... رأيتَ الفصيحَ النُّطْقِ وهو كأعجَمِ
فإنْ فَاهَ في تَقريرِ علمٍ بكَلْمَةٍ ... قَضيتَ بعيِّ الغيرِ عندَ التَّكلُّمِ
وإن حَكَمَ الذهنُ الذكِيُّ بمُشكِلٍ ... يُرى دونَه في الفهم كُلُّ مُحَكِّمٍ
وإنْ خطَّ في طُرْسٍ أتَى في كتابِهِ ... بأبدَعَ من وَشْيِ البساط المنَمنَمِ
فَسَلْ عنه أوصافَ الكمالِ فإنّها ... تُترجِمُ عنه اليومَ أيَّ تَتَرْجُمِ
فقد أخذتْ منْ ذاتِهِ أيَّ مأخذٍ ... لِتَقْضِي له بين الورى بِتَعَظُّمِ
كَتمتُ هواهُ في الفؤادِ ولم أبُحْ ... لِجِسمي بشَيءٍ من هواهُ المُكَتَّمِ
فضاقَ فؤادِي عن تَحمُّلــ كَتْمِهِ ... كما ضاق ذَرْعي باحتمالِ تَقَوُّمِ
وبيْعي كبيع العبدِ بَيْعُ تَزايُدٍ ... بِدِرْهَمِ نَقْدٍ زائدٍ بَعْدَ دِرْهَمِ
بِدارِ عِداةٍ حَتَّمَ الله كُفْرَهُمْ ... فأمضى عليهم منه كُلَّ مُحَتَّمِ
ليَقْضِيَ في الدّنيا لَهُمْ بِجَهالةٍ ... ويَحْكُمَ في الأخرى لهم بِجَهَنَّمِ
فأفْصَحَ منه لِلِّسانِ بجُمْلَةٍ ... وفَــــسَّر مِــــنْ أجزائِهِ كُلَّ مُبْهَمِ
فَنَمَّ لسانِي بالذي صَحَّ عندَه ... ولَمْ يَخْشَ عَذْلاً لا ولا لَوْمَ لائِمِ
فَأنْجَدَ مِنْ وَجْدِي بِهِ أيَّ مّنْجَدٍ ... وأتْهمَ من حبّي له أيَّ مَتْهَمِ
ولَمّا غَدَا في جودِه كابنِ طاهِرٍ ... غَدَوْتُ له في المدح كابن مُحَلَّمِ
فجئتُ بمنثورٍ من المدْح بارعٍ ... وأتْبعتُه في نوعِه بمُنَظَّمِ
وصرتُ أرَى نفسي الغريبةَ منهما ... لأُنْسِهما بين الحطيمِ وزَمْزَمِ
وحين رآنِي في انفرادي كمالِكٍ ... غَدَا لي أخاً في كَتْبِهِ كَمُتَمِّمِ
فكَمْ كُرْبةٍ جَلَّى عنِ القلبِ كَتْبُهُ ... وخَطْبِ عناءٍ أسودِ الليلِ مُظْلِمِ
فشُكْري علاهُ قاصرٌ ولَوَ انَّنِي ... تَسَرْبلتُ في بُرْدِ البيان المُسَهَّمِ
فيا مُولَعاً بالعلمِ يَمِّمْ جَنَابَهُ ... وبَادرْ تَفُزْ منه بخيرِ مُيَمَّمِ
وحُطَّ به رَحْلَ العنايةِ بُرْهةً ... من الدّهرِ تَظْفَرْ بالنَّدى والتَكرُّمِ
وبَــــلِّغْ له مِنِّيـــ تحيَّةَ مُولَعٍ ... بأمْدَاحِهِ مُغْرىً بمرآهُ مُغْرَمِ
وقَبِّلْ لَديْهِ التُّرْبَ عنّي تبَرُّكاً ... وشَفَّعْ ولا تَجْزَعْ بكفٍّ ومِعْصَمِ
وإنّي لأدْعُو بالرجوع لخِطّةٍ ... بَكَتْهُ زمانَ العَزْلِ بالدمعِ والدَّمِ
هي خِطّةٌ كان الهناءُ لها بِهِ ... أهمَّ لِمَا نالتْ به مِنْ تَقَدُّمِ
بقِيتُ كما تدري أسيراً مقَّيداً ... بقيد حديدٍ أكْحَلِ اللونِ أدْهَمِ
شَبِيهٍ له بالرجل منّي الْتِفَافُهُ ... إذا نَظَرتْ عيني إليه بأرْقَمِ
رماني زمانِي منه عنْ قوسِ صَرْفِهِ ... بآبُرَةٍ بين العُداةِ بأسْهُمِ
وصيَّرني في خدمةِ الكُفْر جاهداً ... وقد شَفَّ جسمي خدمتي وتَخدُّمِي
ولا ذنبَ لي إلاّ اشتغالِي بكلّ ما ... يُسهِّلُ لي سُبْلَ العُلَى وتَهَمُّمِي
عسى ما أرَى من عُرْوةِ الأسْرِ مُوثَقاً ... بدعوتِهِ يَقْضِي له بتَفَصُّمِ
فما زالَ أهْلاً للفضائل كُلِّها ... ومَنْ أمَّهُ لم يَنْقَلِبْ بتَنَدُّمِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- التكرار: كرر: الكَرُّ: الرُّجُوعُ. يُقَالُ: كَرَّه وكَرَّ بِنَفْسِهِ، يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى. والكَرُّ: مَصْدَرُ كَرَّ عَلَيْهِ يَكُرُّ كَرًّا وكُروراً وتَكْراراً: عَطَفَ. وكَرَّ عَنْهُ: رَجَعَ، وكَرّ عَلَى الْعَدُوِّ يَكُرّ … (لسان العرب)
- الصليب: صلب: الصُّلْبُ والصُّلَّبُ: عَظْمٌ مِنْ لَدُنِ الكاهِل إِلى العَجْب، وَالْجَمْعُ: أَصْلُب وأَصْلاب وصِلَبَةٌ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَما تَرَيْني، اليَوْمَ، شَيْخاً أَشْيَبَا، ... إِذا نَهَضْتُ أَتَشَكَّى الأَصْلُبا جَمَعَ لأَ … (لسان العرب)
- الفم: (فَمَّ) الْفَاءُ وَالْمِيمُ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ الْفَمِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ، لَكِنْ حُكِيَ فُمٌّ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ. قَالَ: يَا لَيْتَهَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْ فُمِّهْ (مقاييس اللغة)
- بجسمي: جَسَمَ: الجِسْمُ: جَمَاعَةُ البَدَنِ أَو الأَعضاء مِنَ النَّاسِ والإِبل وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَنواع الْعَظِيمَةِ الخَلْق، وَاسْتَعَارَهُ بَعْضُ الْخُطَبَاءِ للأَعراض فَقَالَ يَذْكُرُ عِلْم القَوافي: لَا مَا … (لسان العرب)
- بهجري: هجر: الهَجْرُ: ضِدُّ الْوَصْلِ. هَجَره يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صَرَمَه، وَهُمَا يَهْتَجِرانِ ويَتَهاجَرانِ، وَالْاسْمُ الهِجْرَةُ. وَفِي الْحَدِيثِ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثلاثٍ؛ يُرِيدُ بِهِ الهَجْر ضدَّ الوصلِ، يَعْ … (لسان العرب)
- تنتمي: نتم: الانْتِتَامُ: الانْفِجارُ بِالْقَبِيحِ والسبِّ. وانْتَتَمَ فلانٌ عَلَى فلانٍ بقولِ سوءٍ أَي انفَجَرَ بِالْقَوْلِ الْقَبِيحِ، كأَنه افْتَعَل مِنْ نَتَم، كَمَا تَقُولُ مِنْ نَتَل انتَتَل، ومِن نَتَقَ انتَتَقَ، عَلَى ا … (لسان العرب)
- حديثه: حدث: الحَدِيثُ: نقيضُ الْقَدِيمِ. والحُدُوث: نقيضُ القُدْمةِ. حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً، وأَحْدَثه هُوَ، فَهُوَ مُحْدَثٌ وحَديث، وَكَذَلِكَ اسْتَحدثه. وأَخذني مِنْ ذَلِكَ مَا قَدُمَ وحَدُث؛ وَلَا يُقَالُ ح … (لسان العرب)