قُم بِنا لِلرّوضِ وَاِدخُل وَاِلثِما
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الرمل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 77 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف السين، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قُم بِنا لِلرّوضِ وَاِدخُل وَاِلثِما ... وَجنَةَ الوَردِ وَعينَ النّرجِسِ
فَتَرى المَنثورَ فيهِ نظما ... نَظم عِقدٍ مُبهِجٍ لِلأنفُسِ
حيثُما الزّهرُ تَزاهى في الغُصونْ ... حاكَهُ الحُسنُ عَلَيها وَنَسجْ
ينعشُ القَلبَ مقرّاً لِلعُيون ... يَبسطُ الرّوحَ سُروراً لِلمُهَج
طيبُهُ الذّاكي هُوَ السرُّ المَصون ... عَنهُ قَد أَفشاهُ نَفحٌ وَأَرَج
وَهوَ لِلأَغصانِ لَمّا أَن سَما ... قَد حَكى التّيجانَ فَوقَ الأَرؤُسِ
بَل عَلَيها قَد يُضاهي الأَنجُما ... حينَ تَزهو في الدّجى وَالغلسِ
حيثُما الزّنبَقُ مِنهُ يَنفحُ ... عَبق الكَونِ بِنَفحٍ عَطِرِ
كَكُؤوسٍ مِن لُجينٍ تَنضحُ ... بِشَذى المِسكِ الذّكِيِّ الأذفرِ
وَمدام الطّيبِ فيها تشرحُ ... كُــــلَّ صَــــدرٍ ضــــائِق بِــــالوحــــرِ
كُلَّما أَزرارهُ شَقَّتـــ فَما ... فَــــعُــــيــــون مُــــلِئت بِالنَّعسِ
حَيثُما ثَغرُ الأَقاحِ اِبتَسما ... فَرَحاً ما بَينَ تلكَ الأَكؤُسِ
حَيثُما النّرجِسُ غَضّاً كالعُيون ... زانَها الحُسن بِأَسنى الحَوَرِ
أَو أَكُفٍّ فِضّةً حملاً تَصون ... لِكُــــؤوسٍ مِــــن نُــــضــــارٍ نَضِرِ
فَوقَ قاماتٍ تَثَنَّتـ كَالغُصون ... كَم عَلى قَد بَدا مِن قَمَر
بَل أراها كَنُجومٍ في السّما ... تَرقُصُ اللّيلَ بِجنحِ الحندسِ
أَو فَوانيسِ لُجينٍ فخما ... يَزدَهي الضّوءَ بِها كَالقبسِ
حَيثُما الوردُ حَكى حمرَ الخُدودْ ... ذَرَّ فيها شَعَراتٍ مِن ذَهَبْ
أَو مِنَ الياقوتِ حسّاً وَشُهود ... كَصُحونٍ قلم الحُسن كَتب
بِنضارٍ وَسطها حَسبَ الوُجود ... حَيَّرَ الفِكرَ وَلِلعَقلِ سَلَب
وَهوَ مَضمومٌ يُحاكي مَبسَما ... لَيسَ بِالأَحوى وَلا بِالأَلعَسِ
ضمَّ لِلتقبيلِ حتّى يَلثِما ... عارِضَ المَحبوبِ عِندَ السّندسِ
حَيثُما غَضُّ الشّقيقِ الأَحمرِ ... كَفَناجينِ العقيقِ الفاخِرِ
وَبِها قَد ألصقَت مِن عَنبرِ ... نُقطَة فيها سُرورُ الناظِرِ
قَهوَةُ الأُنسِ بِها فَاِبتَدرِ ... إِنّ شُربَ الأنسِ أَضحى المَغنَما
قُم لَهُ مُبتَدِراً لا تخنسِ ... كُلُّ مَن عَنهُ تَوانى ربَّما
فاتَ مِنهُ وَلَهُ لَم يَحتَسِ ... حيثُما النَّهرُ بِذا الرّوضِ الأَنيقْ
ماؤُهُ يَجري يَفوقُ الوَرِقا ... أَرضُهُ حَصباء درٍّ وَعَقيق
بِرَحيقٍ سَلسلٍ قَد صفقا ... بِسرورِ النّفسِ قَد أَضحى حَقيق
فيهِ تغني عَن حُروزٍ ورُقي ... إِنّ مَرآه يُزيلُ الغمما
فَلَهُ شاهِدْ وَفيهِ اِستَأنِسِ ... شُــــربُهُ لا شَكّ مُروٍ لِلظّما
فَلَهُ بادِر وَمِنهُ فَاِحتَسِ ... يا رَعى اللَّه زَماناً سَلَفا
لي بِذا الرّوضِ بِبَسْطٍ وَاِنشِراح ... قَد تَعَجَّلت اِنشِراحي سَلَفا
فيهِ في وَقتِ مَساءٍ وَصَباح ... لَم أَجِد في الدّهرِ عَنهُ خَلفا
بَعدَما قَد مَرَّ بِالأنسِ وَراح ... مــــا أَراهُ كــــانَ إِلّا حُــــلُمــــا
قُلت أَو قَد كانَ مثلَ الهَجَسِ ... لَيتهُ بِالعودِ لي قَد كَرُما
كنتُ بِالمَسرورِ لَم يَبتَئِسِ ... إِن مَضى عَنّي وَأَمسى رائِحا
ذاهِباً بِالأنسِ بِالروضِ الأَريضْ ... فَبِهِ عوضتُ أَمراً رابِحا
وَهوَ نَظمي لِلقَوافي وَالقَريض ... حَيثُما قَد صِرتُ فيهِ مادِحا
عابدَ اللّه أَخا الجاهِ العَريض ... الأَميرُ اِبنُ الأَميرِ الأَفخما
مَنْ بِبُرْد المَجدِ أَضحى يَكتسي ... وارِث المَجدِ لَهُ المَجدُ اِنتَمى
وَتَحلَّى بِالفَخارِ الأَنفَسِ ... الرّفيعِ الشّهمِ عالي المَنصِبِ
حِليةُ السّؤددِ ذو القَدرِ الخطيرْ ... مَــــيــــرَميرانٌ عَلِيُّ الرُّتَبِ
لَم يَكُن فيها يُضاهيهِ أَمير ... مُفردُ الدَّهرِ وَهَل مِن عَجبٍ
أَنّهُ في الدَّهرِ خالٍ عَن نَظير ... وَكَثيرٌ ما نَراهُ عَدَما
مِثله كَالشّمسِ إِحدى الخنَّسِ ... وَكَبدرِ الأفقِ يَجلو الظُّلَما
وَهوَ فَردٌ في الجوارِ الكنّسِ ... الشّريف الفَخم عِزِّ الدّولِ
جَبهَة العزِّ وَعين الشّرفِ ... مَن لَهُ العَلياءُ بَعضُ الخولِ
لِسِـــــوى خِـــــدمَـــــتِهِ لَم تـــــألفِ ... ظَهَرت بِالعِزِّ فَوقَ الحَملِ
مِن بُروجِ السّعدِ لَم تَنصَرِفِ ... تَسحَبُ الذّيلَ بِثَغرٍ بَسَما
عَن فَخارٍ كانَ أَسنى ملبسِ ... لَبستهُ وَبِهِ تاهَت كَما
تاهَتِ الأَغصانُ عِندَ الميسِ ... شَمسُ فَضلٍ أَشرَقَت فَوقَ المَعالْ
مِن سَماءِ المَجدِ تَزهو تُزهرُ ... بِــــكَــــمــــالٍ وَجَــــمالٍ وَجَلال
بِوَقارٍ قَد تَبَدَّت تُسفرُ ... لَم تَغب بَل لا اِعتَراها مِن زَوال
وَبِضَوءِ الجاهِ دامَت تظهرُ ... جاهُها حِصنٌ حَصينٌ وَحِمى
حـــــاطَهُ اللَّه بِـــــكُــــلِّ الحــــرسِ ... مَن بِهِ قَد لاذَ يَوماً وَاِحتَمى
يسعدُ الدّهرَ وَلَم ينتحسِ ... الهِزَبرُ اللّيثُ ضِرغامُ الشّرى
فارِسُ الهَيجاءِ وَهوَ البطلُ ... مَنْ لِأُسدِ الغابِ حَرباً قَهَرا
وَمِنَ الإِقدام حظّاً بطلوا ... لو عَلَيهِم صالَ يَوماً وَاِجتَرى
لَعَــــنِ العَقلِ لَدَيهِ ذُهِلوا ... وَاِرتَضى كلّهم أَن يَغنَما
بِــــفِــــرارٍ لِنَجاةِ الأَنفُسِ ... وَتَمنَّى كلُّهم أَن يَغرما
ما سِوى النّفسِ وَغير الأرْؤُسِ ... ضَيثَمٌ يَسطو بِماضي الهندُوانْ
فَتَرى الأَسيافَ مِنهُ قَد تَذوبْ ... بَطَلٌ يعدلُ فُرسانَ الزّمان
لا يُولِّي ظَهرَهُ قَصدَ الهُروب ... حائِزُ السّبقِ بِمِضمارِ الرّهان
عَن عَديلٍ قَد خَلا يَوم الحروب ... إِنْ عَلا الطِّرفُ رَأيت الهَيضَما
صالَ فَوقَ الطّودِ كَالمُفتَرِسِ ... لَيتَ شِعري مَن رَأى مَن عَلِما
أَسَداً قَد صالَ فَوقَ الفرسِ ... بَحرُ حِلمٍ زانَهُ حُسنُ الشّيَم
مَعَ حُسنِ الخَلق وَالخُلق الحَسَن ... وَهمامٌ آصفيٌّ في الهِمَم
هَمُّهُ السّيرُ عَلى خَيرِ السُّنَن ... سِدرَةُ المَعروفِ تَزهو بِالنّعم
تُثمِرُ الإِحسانَ فَضلاً وَالمِنَن ... دَوحةُ الجودِ أَنارَت كَرَما
مِثلَها في رَوضِهِ لم يغرسِ ... ما سَمِعنا مِثلها في الكُرَما
بَل بِها حاتَمُ طَيٍّ قَد نُسي ... دامَ في مَجدٍ وَعِزٍّ وَسُعودْ
وَصَـــــفـــــاءٍ وَهَــــنــــاءٍ وَسُــــرورْ ... بَدرُ فَضلٍ مُشرقاً في ذا الوُجود
يَملَأُ الأَكوانَ طرّاً بِالظّهور ... عَن عَدُوٍّ خالِياً لا عَن حَسود
صيتُهُ يَقصِمُ في الدّهرِ الظّهور ... ما بَدا بَرقٌ وَغَيثٌ قَد هَمى
فَوشى الرّوضَ بِزاهي السندسِ ... ما هزارٌ فَوقَ غُصنٍ رَنَّما
ما بِتاجِ الزّهر غصن قَد كُسي
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- التيجان: (لَتَجَ) اللَّامُ وَالتَّاءُ وَالْجِيمُ كَلِمَةٌ. يَقُولُونَ: اللَّتْجَانُ: الْجَائِعُ. وَامْرَأَةٌ لَتْجَى. (مقاييس اللغة)
- الزنبق: زنبق: الزَّنْبَقُ: دُهْنُ الْيَاسَمِينِ، وَخَصَّصَهُ الأَزهري بِالْعِرَاقِ قَالَ: وأَهل الْعِرَاقِ يَقُولُونَ لدُهْن الْيَاسَمِينِ دُهْنَ الزَّنْبَق؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِعُمَارَةَ: ذُو نَمَشٍ لَمْ يَدَّهِنْ بالزَّنْب … (لسان العرب)
- المصون: لمص: لَمَصَ الشيءَ يَلْمِصُه لَمْصاً: لَطَعَه بإِصبعه كالعَسَلِ. واللَّمَصُ: الفالوذُ، وَقِيلَ: هُوَ شَيْءٌ يُبَاعُ كَالْفَالُوذِ وَلَا حَلَاوَةَ لَهُ يأْكله الصِّبْيَانُ بالبَصْرة بالدِّبْس، وَيُقَالُ لِلْفَالُوذِ: المُ … (لسان العرب)
- المنثور: نثر: اللَّيْثُ: النَّثْرُ نَثْرُكَ الشيءَ بِيَدِكَ تَرْمي بِهِ مُتَفَرِّقًا مثلَ نَثْرِ الجَوْزِ واللَّوْزِ والسُّكَّرِ، وَكَذَلِكَ نَثْرُ الحَبِّ إِذا بُذرَ، وهو النِّثَارُ؛ وَقَدْ نَثَرَهُ يَنْثُرُهُ ويَنْثِرُهُ نَثراً … (لسان العرب)
- النرجس: نرجس: النَّرْجِسُ، بِالْكَسْرِ، مِنَ الرَّيَاحِينِ: مَعْرُوفٌ، وَهُوَ دَخِيلٌ. ونِرْجِس أَحْسَن إِذا أُعْرِبَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ سِيدَهْ فِي الرُّبَاعِيِّ بِالْكَسْرِ، وَذَكَرَهُ فِي الثُّلَاثِيِّ بِالْفَتْحِ فِي تَرْجَمَ … (لسان العرب)
- بنفح: نفح: نَفَح الطِّيبُ يَنْفَحُ نَفْحاً ونُفُوحاً: أَرِجَ وفاحَ، وَقِيلَ: النَّفْحةُ دُفْعَةُ الرِّيحُ، طَيِّبَةً كَانَتْ أَو خَبِيثَةً؛ وَلَهُ نَفْحة طَيِّبَةٌ ونَفْحة خَبِيثَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَلَهُ نَفْحة طَيِّبَةٌ. … (لسان العرب)