أَيُّها الكاسِفُ أَقمارَ السّما
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 72 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف السين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَيُّها الكاسِفُ أَقمارَ السّما ... وَهوَ شَمسٌ في الضُّحى والغلَسِ
في ثُريّا الحُسنِ كَالبَدرِ سَما ... فَمَحا ضَوءَ الجَواري الكُنّسِ
خَدُّهُ الجنّةُ تَزهو بِالوُرودْ ... حَرَّكَت رَيحانَها كَفُّ النّسيم
وَهوَ نارٌ لَيت لي فيها الخُلودْ ... لا أَرى فيها سِواها مِن نَعيم
كُلُّ مَنْ عُذِّبَ عَنها بِالصّدود ... حالُهُ أَسوَأُ مِن أَهلِ الجَحيم
لا تَلُمْهُ لَو بَكى الدّهرَ دَما ... ضَائِعُ العَقلِ خَفوقُ النفَسِ
فَصدودُ الصبِّ نارٌ فَاِعلَما ... لا تَقِسْ فيها لَظى لا تقسِ
طَرفُه بِالسّحرِ يوحي مُنذرا ... وَشَقيقُ الخدِّ نعمانُ الكَمالْ
خالُهُ المِسكُ تَسمّى عَنبرا ... عِندَ رَيحانٍ هما شَمس الجَمال
ثَغرُهُ الباسِمُ يَحوي جَوهَرا ... وَرُضــــابــــاً مِن سُلافٍ وَزُلال
يَخطِفُ العَقلَ إِذا ما بَسما ... بَرقُهُ الماحي ظَلامَ الحِنْدسِ
إِنْ تَبَدّى مِنهُ شقَّ المَبسما ... كهِلالين شديدَيْ قبسِ
أَزهَرُ الجبهَةِ وَالشّمس الجَبينْ ... أَبيَضُ الغُرَّةِ تزري بِالصّباحْ
شَنْفُهُ مِثل الثّريّا إِذ تبين ... تَحتَها النّحرُ كَمِثلِ الصّبحِ لاحْ
قَدُّه الغُصنُ اِعتِدالاً ثمّ لين ... كُلّما قَد ماسَ أَزرى بِالرّماحْ
قَسَماً بِالحُسنِ مِنهُ قَسما ... وَجَمالٌ هُوَ فيه مُكتسي
إِنَّ وَجدي بِمُحيّاهُ نَما ... كَهُيامي بِالعِذارِ السّندُسي
كامِلُ الأَوصافِ حاوي الهَيَفِ ... خُصَّ بِالحُسْنِ تَعالَى مَنْ حَباهْ
أَشيَبُ الثَّغرِ وَعَذبُ المرشفِ ... قَد جَرى في ثَغرِهِ ماءُ الحَياهْ
فاتِرُ الأجفانِ ذاتُ الوَطفِ ... وَهيَ لِلنبلِ لَمِن أَقوى الرّماه
كَم أَصابَت وَأَبادَت مُغرَما ... مِثلُهُ الآسادُ لَم تَفتَرِسِ
يا أُهَيْلَ العِشقِ في هَذا الحِمى ... أَكَذا فِعلُ عُيونِ النّرجسِ
يا لَقَومي في هَوى الظّبيِ الأغَنْ ... مَن تَجنّيهِ عَلى المُضْنى الكَئيبْ
أَعَجيبٌ لِمِثالي أَن يُجَنْ ... في هَواهُ وَهوَ في الحُسْنِ غَريب
ما رَآهُ ناسٌِ إِلّا اِفتَتنْ ... وَاِعتَراهُ في الهَوى أَمرٌ عَجيبْ
مِن نُحولٍ وَجُنونٍ أَحكما ... وَعمَى مَع صَممٍ في خَرسِ
وَجَوىً ما اِزدادَ إِلّا أعدما ... وَبِهِ آلٌ لِنَـــــحـــــوِ الفـــــطـــــسِ
كَيفَ حالي حينَما عنّي اِحتَجَبْ ... كَيفَ أَسلو كَيفَ عَنهُ أَصبرُ
يا لَقومي هَل لِهَجري مِن سَبَب ... أَخبِروا بِاللَّهِ عنهُ أَخبروا
إِنْ أَعِشْ مَع هَجرِهِ حالي عَجَبْ ... وَهوَ مِمّا قَد يُحيلُ البشرُ
خَــــبِّروهُ لو وِصــــالي حَــــرَّمــــا ... أَنَّنــــي مِــــن وَصْلِهِ لَم أَيْأَسِ
وَبِهِ راضٍ كَما قَد حَكَما ... لَستُ في ذَلِكَ بِالمُبتَئِسِ
آهِ مِــــن لاحٍ لَحــــاني وَعَزل ... بِمَلامٍ دونَهُ حدُّ الحُسامْ
في غَريبٍ ونَسيبٍ وَغَزَلْ ... في غَزالٍ في هَواهُ القَلبُ هامْ
وَمَديحٍ لا يُدانيهِ خَلَل ... مِن بَديعِ النّظمِ في حُسنِ اِنتِظام
مِن لَآلي الحمدِ عِقداً نَظما ... بَهجَة الأعيُنِ ثمَّ الأنفُسِ
في مَزايا مَن لَهُ المَجدُ اِنتَمى ... وَبِهِ أَضحى أشمَّ المِعطَسِ
قَمَرُ العَلياءِ مِن أَوجِ السّعودْ ... في ثريّا العزِّ فَوقَ الشَّرفِ
مَنْ بِهِ أَصبَحَ إِشراقُ الوُجودْ ... وَهوَ بَدرٌ لَيسَ بِالمُنخَسِفِ
مِن ذُرى الفَخرِ عَلى رَغمِ الحَسود ... في كَمالٍ طالِعٍ لا يَختَفي
جاعِلاً رَأسَ المَعالي سُلّماً ... يَرتَقيهِ لَيسَ بِالمُنتَكِسِ
صاعِداً في فَرحٍ مُبتَسِماً ... وَطَليقاً وَجهُهُ لَم يعبِسِ
الشَّريفُ الأصل جَدّاً وَأبا ... الكَريم النَّفس في كُلِّ كَمالْ
النّقي النّاس طرّاً حَسَبا ... الحَميدُ الصيتِ في كلّ الخِصال
الرّفيعُ الشّأنِ فيما اِكتَسَبا ... مِن وَقارٍ لا يُضاهَى وَجَمال
هَكَذا الفَخرُ الَّذي في الكُرَما ... مِــــن جَــــليلٍ وَشَريفٍ كَيِّسِ
وَهوَ أَمرٌ فيهِ رَبّي أَنعَما ... لَم يَــــطُلْه طائِلٌ عَن هَوَسِ
يا رَعاهُ اللَّهُ مِن شَهمٍ وَجيهْ ... وَأَريبٍ في البَرايا أَلْمعي
وَنَبيلٍ مُتَسامٍ وَنَبيه ... وَهُـــــمـــــامٍ وَأَديـــــبٍ لَوذَعـــــي
حُقَّ لِلآدابِ فيهِ أَن تَتيه ... حَيثُما في مِثلِهِ لَم يسمع
أَمُحالٌ مِثلُه أَن يعدما ... أَيراهُ جاهِلٌ في الأنسي
إِذ نَظيرُ الشّمسِ حَقّاً عَدما ... هَل تَرى مَثلاً لَها في الخنسِ
مُهجَةُ الآدابِ روحُ الحِكَمِ ... أَحنَفُ الحِلم وَقسُّ الكلِمِ
وَإِياسُ الرّأي بَينَ الأُمَمِ ... آصِــــفُ العَزمِ عَليُّ الهممِ
عَنترُ الهَيجاءِ أَجرا ضَيغَمِ ... حَاتمُ الجودِ وَمَعنُ الكَرَمِ
مُخجِلٌ في راحَتَيهِ الدِّيَما ... وَبِما يَبذُلهُ البحرُ نُسي
كَم بِهِ في كَثرةٍ قَد عمّما ... لا تَرى شَخصاً سِوى مُنغَمِسِ
أَيّها النَّدْبُ الفَخيمُ الأمجدُ ... يا حميدَ الذاتِ في كلّ الصّفاتْ
أَنتَ وَاللَّهِ عَلَينا السيّدُ ... مَنْ لَهُ كلُّ المَعالي خادِمات
فَلَكمْ فيكَ تَسامَى السؤددُ ... وَحَماكَ اللَّهُ مِن كلِّ الجِهات
هاكَ عِقْداً مثلَه لَم أَنظما ... وَهوَ كَالدّرِّ الثّمينِ الأنفسِ
رقَّ مَعنىً وَأَتى مُنسَجِما ... مِن بَديعٍ في الكَلامِ السلسِ
صُغتُهُ في مَدحِكَ الحالي الرّقيقْ ... فَأَتى تَحتارُ فيه الفِكَرُ
وَغَدا في حُسنِهِ السّامي الرّشيق ... دُرَّةً تَنحَطُّ عَنها الدُّررُ
وَحَلا لَفظاً فَأَزرى بِالرّحيق ... وَبِهذا صحَّ عنهُ الخَبرُ
وَبِهِ مَدحُك كانَ المَغنَما ... لَيتَني آتٍ بِعشرِ الخُمُسِ
لَيسَ لي هَذا وَإِنّي في الحِمى ... عاجِزٌ عَن عُشْر ثُمْنِ السدُسِ
دُمتَ في عِزٍّ وَمَجدٍ وَسُرورْ ... طَيِّبَ العَيشِ طَويلَ الأجلِ
وَصَــــفــــاءٍ وَسُعودٍ وحُبور ... وَهَناءٍ فَوقَ ما في الأَمَلِ
وَلِسانُ الكَونِ مُثْنٍ وَشَكور ... لَك يا اِبنَ الأَكرَمينَ الكُمَّلِ
ما نَسيمٌ سَحَراً قَد نَسما ... وَتَغطَّتـــ مُقلةٌ بالنعَسِ
ما بِمَدحٍ قَد تَحلَّى النظم ما ... قَد تَحلَّت شفَةٌ باللّعَسِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجواري: جور: الجَوْرُ: نقيضُ العَدْلِ، جارَ يَجُورُ جَوْراً. وَقَوْمٌ جَوَرَةٌ وجارَةٌ أَي ظَلَمَةٌ. والجَوْرُ: ضِدُّ القصدِ. والجَوْرُ: تركُ القصدِ فِي السَّيْرِ، وَالْفِعْلُ جارَ يَجُورُ، وَكُلُّ مَا مَالَ، فَقَدْ جارَ. وجارَ … (لسان العرب)
- الكاسف: أسف: الأَسَفُ: المُبالغةُ فِي الحُزْنِ والغَضَبِ. وأَسِفَ أَسَفاً، فَهُوَ أَسِفٌ وأَسْفان وآسِفٌ وأَسُوفٌ وأَسِيفٌ، وَالْجَمْعُ أُسَفاء. وَقَدْ أَسِفَ عَلَى مَا فاتَه وتأَسَّفَ أَي تَلَهَّفَ، وأَسِفَ عَلَيْهِ أَسَفاً أَي … (لسان العرب)
- الكنس: كنس: الكَنْسُ: كَسْحُ القُمام عَنْ وَجْهِ الأَرض. كَنَسَ الْمَوْضِعَ يَكْنُسُه، بِالضَّمِّ، كَنْساً: كَسَح القُمامَة عَنْهُ. والمِكْنَسَة: مَا كُنِس بِهِ، وَالْجَمْعُ مَكانِس. والكُناسَة: مَا كُنِسَ. قَالَ اللِّحْيَانِيّ … (لسان العرب)
- بالسحر: سحر: الأَزهري: السِّحْرُ عَمَلٌ تُقُرِّبَ فِيهِ إِلى الشَّيْطَانِ وَبِمَعُونَةٍ مِنْهُ، كُلُّ ذَلِكَ الأَمر كَيْنُونَةٌ لِلسِّحْرِ، وَمِنَ السِّحْرِ الأُخْذَةُ الَّتِي تأْخُذُ العينَ حَتَّى يُظَنَّ أَن الأَمْرَ كَمَا يُر … (لسان العرب)
- بالصدود: صدد: الصَّدّ: الإِعْراضُ والصُّدُوف. صَدَّ عَنْهُ يَصِدُّ ويَصُدُّ صَدّاً وصُدُوداً: أَعرض. وَرَجُلٌ صادٌّ مِنْ قَوْمٍ صُدَّاد،، وامرأَة صادَّةٌ مِنْ نِسوة صَوادَّ وصُدَّادٍ أَيضاً؛ قَالَ الْقَطَامِيُّ: أَبْصارُهُنَّ إِل … (لسان العرب)
- بالورود: ورد: وَرْدُ كُلِّ شَجَرَةٍ: نَوْرُها، وَقَدْ غَلَبَتْ عَلَى نَوْعِ الحَوْجَم. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الوَرْدُ نَوْرُ كُلِّ شَجَرَةٍ وزَهْرُ كُلِّ نَبْتَة، وَاحِدَتُهُ وَرْدة؛ قَالَ: وَالْوَرْدُ بِبِلَادِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ … (لسان العرب)
- تلمه: تلم: التَّلَمُ: مشَقُّ الكِراب فِي الأَرض، بِلُغَةِ أَهل الْيَمَنِ وأَهل الغَوْر، وَقِيلَ: كُلُّ أُخْدُودٍ مِنْ أَخاديد الأَرض، وَالْجَمْعُ أَتْلامٌ، وَهُوَ التِّلامُ وَالْجَمْعُ تُلُم، وَقِيلَ: التِّلامُ أَثَرُ اللُّومَ … (لسان العرب)