عليك توكّلي ولك افتقاري
الشاعر: شهاب الدين الخلوف · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر شهاب الدين الخلوف، من العصر المملوكي، وتقع في 139 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عليك توكّلي ولك افتقاري ... ومنك تطليبي وبك انتصاري
وفيك محبتي وإليك أمري ... وهــــل إلاك قــــصدي واختباري
أيــــا مــــلك المــــلوك ولا مليك ... سوى عبد ببابك خذ بثاري
ويــــل ديــــان يوم الدين سهل ... طريق هدايتي وأقل عثاري
ويــــا باري الورى طرا أنلني ... مقامات الرضى وأقم مناري
ويـــــا الله هـــــبــــئنــــي لخــــيــــر ... وعاملني بلطف منك جاري
ويـــــا تـــــواب يـــــا وهـــــاب وفــــق ... فقد خط المشيب دجى عذاري
ويا غفار يا ستار من لي ... بعفوك حين لا يغني اعتذاري
ويا ذا الجود والجبروت جد لي ... بما أرجوه من جبر انكساري
ويا ذا المن والرحموت قابل ... برحماك اغترابي واغتراري
ويا عون المقل أجب دعائي ... فإني قد دعوتك باضطراري
ويا رباه ويا غوثاه عجل ... بتوفيق قد عجز اصطباري
فحسبي أن رفعت على غنيّ ... بمقالات أطراحي وافتقاري
ويــــكــــفــــي إن وصــــلت لباب عزّ ... بـــــذلّ واعـــــتــــراف واقــــتــــصــــار
أفي الأكوان غيرك من يرجى ... لكشف الضر أو ستر العواري
أثــــم ســــواك ســــلطان فيدعى ... لإرواء الظــــمــــأ وشفا الأواري
فـــــلا والله ليـــــس ســــواك مــــولى ... يرجيه الكبار مع الصغار
ولا والله فـــــــــي الأكـــــــــوان رب ... ســــواك يــــرى ويــــعلم ما أواري
فحقق حسن ظني إن ظني ... يحقق لي بأنك ذو اقتدار
وتوجني بتاج العلم واجعل ... لباس البر والتقوى شعاري
ونــــورنــــي بــــإيــــمــــان ويــــمــــن ... ومتعني بحج واعتماري
ومــــن بــــزورة الهــــادي المرجى ... لنــــيل الفوز في دار القرار
عصام قصي فخر بني لوي ... عماد معد كهف بني نزار
حبيب الحق خير الخلق طه ... غـــــــمـــــــام الرســــــل دري الدراري
هلال الكون مصباح الدياجي ... صباح الأفق شمس ضحى النهار
رياض الأمن مفتاح المعالي ... غــــمــــام الجود كنز الإدخار
مزيل المحل هطال الأيادي ... خصيب الرحل مقصود الديار
شريف النفس مشكور المساعي ... زكي الفرع محمود النجار
رســــول جــــاءنــــا بــــكــــتاب حق ... فأنقذنا به بعد الإسار
وأنبأ عن غيوب ليس تدرى ... إلى أن قــــــد دراهــــــا كــــــل داري
تتوج بالحسن والبها لما ... تــــســــربل بالجلالة والوقار
أقام على منار العز يدعو ... بآيات الندى وظبا الفخار
وشاد الدين إذ تركت ظباه ... رواق الكــــفــــر منقض الجدار
وأحـــــبـــــا مــــلة الإســــلام لمــــا ... أقام رسومها بعد الدمار
وأوضح شمسها من بعد كسف ... وأطــــلع بــــدرها بعد السرار
وذلل مــــلك كــــســــرى بــــعــــد عــــز ... وأوهـــــى دار فـــــارس بـــــالبـــــوار
وأخمد نارهم بعد اشتعال ... وغــــور مــــاءهــــم بعد انجار
وحسن الجذع من شروق إليه ... كما حن الغريب إلى الديار
ووقته الغمامة حر قيظ ... وجـــــاءتـــــه بـــــأمـــــيــــاه غــــزار
وشـــــق لأجـــــله بــــدر الديــــاجــــي ... كــــمــــا ردت له شــــمــــس النهار
ونــــادتــــه الغــــزالة أن أجرني ... لأقــــــضـــــي حـــــق أولاد صـــــغـــــار
فــــأطــــلقــــها فولت ثم عادت ... لتــــرفــــي ربــــهــــا حــــق الجــــوار
ولاذ به البعير فقال آمنا ... ودان لأمـــــره بـــــعــــد النــــفــــار
وخــــاطبه الوليد خطاب حق ... وصــــــدق قـــــوله ضـــــب القـــــفـــــار
وأنـــــبـــــاه الذراع بــــســــمــــه إذ ... أثــــارت زيــــنــــب نــــار الشنار
وفي يده العصا انقلبت حساما ... ومنها أصبح الطوفان جاري
وفيها الصلد سبح باعتراف ... وجدل العود أينع باخضرار
وأمـــــر الغـــــار فــــيــــه أيّ أمــــر ... عــــجــــاب للبيب المستشار
وطــــرف ســــراقــــة قــــد ساخ لما ... أراد ظـــــهـــــوره ذو الإقـــــتـــــدار
وعــــايــــنــــت أمّه أعــــلام بصرى ... وقد وضعته مكحول الشفار
وعــــيــــن قــــتــــادة قــــد رد لمــــا ... أسالتها يد النقع المثار
وأبــــرى ريــــقــــه عــــيــــني عليّ ... بخبير يوم جدل بالقفار
كــــذا ســــاق ابــــن الأكــــواع ثــــم ... رجل الفتى ابن عتيك من بعد انكسار
ورد يمين معوذ حين قدت ... فردت بعد قطع كاليسار
وشــــق خــــبيب أيرأه بمسح ... وكم عافى بنفث من ضرار
وكم أغنى بدعوته فقيراً ... كما أغنى بها من حد نار
وأشبع جيشه بصواع تمر ... وكانوا كالجواد لدى انتشار
وصــــرع الشــــاة درّ له حــــليــــبــــا ... وقبل اللمس لم يك قط جاري
وأطــــفــــأ نوره حقد الأعادي ... ونار الحرب مضرمة الشوار
وأمــــن خــــائفــــيــــه يــــوم فتح ... وسيف النصر مشحوذ العواري
بحيث المجد ميراث تواصت ... به حفظا كبار عن كبار
وحيث فخار مسنون العوالي ... وسيل فخار مصقول الشفار
مفاخر للرماح بها ازدهار ... يقابلها المهند بافترار
جواد صان عليا المجد لكن ... أبــــى عــــن صون مال أو عقار
وبدر صير الهيجاء أفقا ... نجوم سهامه فيها دراري
له الخيل السوابق إذ تداعت ... خيول الملحدين إلى الفرار
من الشهب المسومة اللواتي ... يفتن البرق والشهب الجواري
أو الدهــــم الروافل في لجين ... أو الشقر المشابة بالنضار
فأشهب قد كساه الروض ثوبا ... ووشّـــــــاهُ بـــــــأنــــــوار النــــــوار
وأدهــــــم قـــــبـــــل الدريّ مـــــنـــــه ... جبينا حيث خاض حشا النهار
وأشقر ما انبرى إلا وجالت ... على عطفيه نيران استعار
تسنم منتهى فتيان صدق ... لهم فعل الضرغمة الضواري
بنوا الهيجاء وهي تشب نارا ... وليــــس دخــــانها إلا الغبار
إذا ما ألهبوا البيض استطارت ... رؤوس عــــداتــــهم مثل الشرار
وإن هــــزّوا طوال السمر جاءت ... أعــــاديــــهــــم بــــآجــــال قــــصــــار
وإن ضحكت أسنتهم تباكت ... عيون جراح أعضاء المباري
وإن أبدوا لمعنى الحرب وجها ... أزاحوا بالظبا شبه المماري
قــــبــــائل صــــولة وشــــعــــوب بــــأس ... ورهط مكارم وعلا افتخار
سخت بهم الليالي بعد ظن ... وافشت سرهم بعد استتار
يرون الموت في طلب المعالي ... ألذ من الحياة مع الصغار
هــــداهم للسعادة منه هاد ... حديد المنتضى عالي المنار
وقـــــادهـــــم لرشـــــد بـــــعــــد غــــي ... وعز حماهم بعد افتقار
فــــصــــرح بــــاعتراف ذو شجون ... وأعــــلن بانقياد ذو نفار
فــــهــــم غوث لمنتجع وزهر ... لمــــنــــتــــشق وهم زهر لساري
وهــــم غيث الموالي والموالي ... وهم غيظ المراجي والمجاري
إمــــام أئمــــة الثــــقــــلين طرا ... وأكرم مستماح مستماري
تجاوره المعالي حيث يغدو ... فتظفر من علاه بخير جاري
ويــــحــــلم قــــادرا عــــن غي جان ... ولا حــــلم سوى من ذي اقتدار
رشفنا للهداية من حماه ... رضابا جل عن رشف العقار
ورضنا روض ملته فطبنا ... بعرف فاق معطار البهار
وشمنا أفق سنته فشمنا ... بروق العز في سحب الفخار
أيا جمع الأنام بلا شبه ... ويا فرد الكرام بلا مجاري
ويا شمس السعود بلا غروب ... ويــــا بــــدر الســــرور بلا سرار
أليس بأن أوج المجد أمسى ... لشهب سناك كالفلك المدار
وأن الخــــبــــر أجمع في مزار ... لروض علاك فأنعم بالمزار
بودّي لو شققت لك الفيافي ... وخــــضــــت إليك أفئدة البحار
وسرت على ذرى الريح اعتجالا ... وصرت على الطائر في مطار
لأشــــهــــد روضة حوت المعالي ... فحق لها بأن تسبي الدراري
وألثم تربة ضمت عظاما ... تعاظم قدرها عن ذي افتخار
وأرشــــف من كؤوس الفوز راحا ... بـــــبـــــرد روحــــهــــا حــــر الأواري
وأقضي في حماها كل حج ... بــــتــــطواف وسعي واعتمار
وأرمــــي ف ذراهــــا مــــن دمــــوعــــي ... جمارا لا تقايس بالجمار
وأجعل مشعري فيها مديحا ... يــــصــــيّر ما أرجيه شعاري
يمينا بالمطي وقد دعاها ... إلى أوطــــانــــهــــا داعي القرار
تجوب البيد في ليل بهيم ... تناعس نجمه عن كل ساري
تهادى في حلى التسيار هديا ... كهدي الغيد في حلل الوقار
وترفل في رداء التيه لما ... قلت بيد السرى قود السحاري
مطايا كالقسي رمت سهاما ... بخطو حين عن عوج العثار
تحن إلى الفلا طربا وشوقا ... إلى تـــــلك المـــــعــــالم والديــــار
فــــمــــا تــــلوي أخــــادعها لورد ... ولا يخلو لها مرعى الضمار
وإن تبلغ المسعى وتسعى ... إلى ربع الحبيب على الشفار
وأولي ثانيا قسما صدوقا ... على وفق اختبارٍ واختيار
لأقتعدن أسنمة المهارى ... أشق بوخدها شقق القفار
وأرســــــلهــــــا بـــــأرقـــــال إلى أن ... أنــــوّحــــها بحي بني نزار
هناك تقر عيني أن تراها ... تلذ العيش في أهنى قرار
وحــــيــــنئذ أصيرها حراما ... على شق الفيافي والقفار
فيا خير الأنام عساك تصغي ... لمــــدح جاء يدلي بافتقار
وهل لي عودة لحماك كيما ... ألوذ بجاهك الحامي الذمار
وجـــــدت ذراك لي روضـــــا أريــــضــــا ... فقمت به على قطف الثمار
ولذ جناه لي فطفقت أجني ... لديه غصون مدحك باهتصاري
فدونكها مدائح من مقيم ... عــــلى جــــرف مــــن الأشواق هاري
لساني في مديحك ذو انطلاق ... ومدحي في علاك ذو اقتصار
وأنت أجل من يثنى عليه ... بنظم في المدائح أو نثار
ولكـــــنـــــي مـــــدحـــــتــــك كــــي أوقّ ... عــــذاب القــــبــــر أو إحراق نار
فلست إلى سواك أرى استناداً ... ولست على سواكَ أرى اقتصاري
فجدلي بالشفاعة يا مرجى ... لدفـــــع مـــــلمّــــة أو أخــــذ ثــــاري
وحــــاشــــا أن أخــــيــــب ولي جــــوار ... يبشرني بحفظك للجوار
ولي حـــــب وتـــــســـــمـــــيــــة ومــــدح ... بهم أدلي على شحط المزار
فــــيا الله يا جواد حسبي ... من التسآل علمك بافتقاري
ويا حنان يا منان يسر ... أموري واكفني شر الشنار
وســـــامـــــح والدي وعـــــج بـــــأمــــن ... على شيخي الغرا وصني النجار
وكن للمسلمين وجد بيمن ... لأشياخي الذين بهم فخاري
وخــــلد مــــلك عــــبــــدك خير وال ... أبي عمر والإمام المستماري
وايــــــده بــــــعــــــز واقــــــتــــــدار ... وتــــســــديد وفتح وانتصار
ووفق عبدك المسعود واعضد ... مساعيه بلطف منك جاري
وســــخــــره ليــــســــمــــح لي بــــحــــج ... ويوليني السرور بلا غيار
وصل على نبيك ما تثنت ... غــــصون هاجها صوت الهزار
وبــــــــــلغ آله أزكـــــــــى صـــــــــلاة ... تــــواصــــل فــــي رواح وابــــتكار
وجاز الصحب خيرا ما استطالت ... على زنج الدجى نبط النهار
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- باري: بأر: البِئْرُ: القَلِيبُ، أُنثى، وَالْجَمْعُ أَبْآرٌ، بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْبَاءِ، مَقْلُوبٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ الْهَمْزَةَ فَيَقُولُ: آبارٌ، فإِذا كُثِّرَتْ، فَهِيَ البِئارُ، وَهِيَ فِي الْقِل … (لسان العرب)
- ببابك: بأب: فَرَسٌ بُؤَبٌ: قَصير غليظُ اللَّحْمِ فسيحُ الخَطْوِ بَعيدُ القَدْرِ. (لسان العرب)
- بثاري: ثأر: الثَّأْر والثُّؤْرَةُ: الذَّحْلُ. ابْنُ سِيدَهْ: الثَّأْرُ الطَّلَبُ بالدَّمِ، وَقِيلَ: الدَّمُ نَفْسَهُ، وَالْجَمْعُ أَثْآرٌ وآثارٌ، عَلَى الْقَلْبِ؛ حَكَاهُ يَعْقُوبُ. وَقِيلَ: الثَّأْرُ قاتلُ حَمِيمكَ، وَالِاسْمُ … (لسان العرب)
- بعفوك: (عَفَو) الْعَيْنُ وَالْفَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى تَرْكِ الشَّيْءِ، وَالْآخَرُ عَلَى طَلَبِهِ. ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَعْنَى. فَالْأَوَّل … (مقاييس اللغة)
- بلطف: لطف: اللَّطِيف: صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَاسْمٌ مِنْ أَسمائه، وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، وَفِيهِ: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ*؛ وَمَعْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعلم، الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ. ق … (لسان العرب)
- تطليبي: طلب: الطَّلَبُ: مُحاوَلَةُ وِجْدانِ الشَّيءِ وأَخْذِه. والطِّلْبَةُ: مَا كَانَ لكَ عِنْدَ آخرَ مِنْ حَقٍّ تُطالِبه بِهِ. والمُطالَبة: أَن تُطالِبَ إِنساناً بِحَقٍّ لَكَ عِنْدَهُ، وَلَا تَزَالُ تَتَقاضاه وتُطالبه بِذَلِكَ … (لسان العرب)