هــــذا الوجــــودُ المنتَظَم
الشاعر: صلاح لبكي · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر صلاح لبكي، من العصر الحديث، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هــــذا الوجــــودُ المنتَظَم — خـــــــلقـــــــتُه مـــــــن العـــــــدم
لقـــــد كـــــفـــــانـــــي أنــــنــــي — أردتُه حــــــتـــــى اســـــتـــــتـــــمُ
فـــــانـــــبــــســــطــــت ســــهــــولُه — وانبثقت منها القمم
وغــــارت الأوداء وانــــشــــقــــت — إلى القـــــــــمـــــــــر الأصــــــــم
ارتـــــــعـــــــش الشـــــــطُ وكـــــــرّ — المــــوجُ مــــن صــــدر الخِــــضــــم
وارتفعت قبتُه الخضراءُ — مـــــــــــن فـــــــــــوقِ السُــــــــــدُم
فسيحةً تجمع أشتات — الدراري وتَــــــــــــــــضُــــــــــــــــم
يتيه في رحابها الخيال — والظـــــــــــــــــنُ الِمـــــــــــــــــلم
وتــــــســــــرح الأبــــــصــــــار لا — يـــــصـــــدمـــــهـــــنَّ مــــصــــطــــدم
هــــــــــنـــــــــاكَ لا حـــــــــدُّ ولا — نــــــــهــــــــايـــــــةٌ ولا عـــــــلم
ورقــــــــــص الضـــــــــوءُ وهـــــــــلّ — اللونُ فـــــانـــــهــــلّ النــــغــــم
مرنّح الأعطافِ مرناناً — عــــــــلى صــــــــدر النـــــــســـــــم
يُــــلوي بأعرافِ الأزاهير — ويـــــــــلهـــــــــو ويـــــــــضـــــــــم
والزهـــــــرُ لا تَـــــــبــــــخُــــــلُه — أنـــــفـــــاسَهــــا أنّــــى يــــهــــم
أني جعلت الطير والضبعان — مــــــــــــــــــن لحــــــــــــــــــم ودم
تــــكــــاثــــري قــــلت مــــغنى — الوجــــد مــــحــــمــــوم الشيم
وقـــــلت للغـــــابــــات كــــونــــي — فــــــــــــإذا هـــــــــــنَّ أجـــــــــــم
ولليــــــنــــــابــــــيــــــع هــــــلا — فــــانــــطــــلقــــت مــــن الأكــــم
وطابَ لعينَي أن تبصرا — شبيهي شبيهَ السنا منظرا
شبيهاً يكون عقيدَ الوجود — وسيدَ اسيادِه المؤثرا
إذا قال قولاً تَهِمُّ الجبالُ — وتعنو البحارُ وتُصغي الذُرى
ويجري فلا الريحَ أسرعُ جرياً — ولا النورُ منه إذا ما جرى
له خفة الفكر فهو بكل — مكانٍ من الأرض عينٌ ترى
وقُــــمــــتُ إلى حَفنة تُراب — وقــــلت لهــــا ســــأعزُ الثرى
غداً أنت بهجةُ هذا الوجودِ — وأنــــتِ حــــكــــاياتهُ لو درى
وحيرته وهي لا تنقضي — فلا يأتلي سائلاً مخبرا
وسر عليه بعيد يراك — ويعجز أن يدرك الجوهرا
تُسائلُ عنك الكواكبُ بعضَ — الكواكبِ والفلك الأكبرا
وتسألُ عنكِ الغصونُ الغصونَ — وتستفسُرِ الأنهرُ الأنهرا
وتستنطقُ الريحُ شثمّ الجبالِ — وغورَ الفلاواتِ والأبحرا
ويغدو الترابُ مدلاً على — الكوائن جمعاء مستكبرا
وحق له في غد أن يتيه — وأن يتسامى وأن يفخرا
ورُحــــت أعــــالج هذا الترابَ — مكباً على صُنعِهِ مقصرا
أهِــــيــــبُ به فيَهُمُّ وأرنو — إليه فينهارُ مستعِذرا
كــــأنَّ بــــه رَهبةً أن يَتِمَّ — وأن يتجلىّ وأن ينشرا
عرفتُ خِلال ابتداعِيه معنى — الزمانِ وقسّمتُه أعصرا
وقــــد كنت ذا حاضر أزلي — جرى وهو لم يبتدئ منذ جرى
وما ذاك إلا لأني شَغِفتُ — خــــيــــالاً وآليتُه مظهراً
ومرت عصورٌ تلتها عصورٌ — فــــجــــئت به رجلاً اشقرا
مثالاً يُقاسُ عليه الجمال — إذا هـــــو مُـــــثّـــــل أو صـــــوّرا
ولو شبُه الُحسنُ في الكائناتِ — بــــه لتــــخــــوّف أن يَــــصغَرا
تأملت صُنعَ يدي فطابت — لعينيَّ طَلعتُه منظرا
فـــــمِـــــلتُ إليـــــه وقـــــبّــــلتُهُ — فهبَّ يَحُل عُقودَ الكَرى
كأني تركت له من قُواي — هوى سُرحاً وهوى مُجمَرا
وأعجب مني محباً لصنُعي — أداريه من غيرِ أن يَشعُرا
أذِلُّ البرايا إذا شامَ أمراً — وأرغِمُ ناموسها الأعسرا
وأخصبُ أنّى دعاه المسيرُ — احتفاءً به البلد المقفرا
إذا وَطئت قدماه الصخورَ — لهشَّ له الصخرُ واخضوضرا
وها هو اليوم يدعوني ويَندُبُني — معاتباً شاكياً مغرورقَ البالِ
هوَّن عليك لك الدنيا وما وسَعت — من الشموسِ وما ظنَّتـ من الآل
تكاد لا تورق الأغصانُ مُثَلةً — إذا أبيت بأزهار وأظلال
ولا تقرُّ عيون لا تراك ولا — تظلّ حال متى تمضي على حال
ماذا رغبتَ من الدنيا ولم يكنِ — المرغوبُ أدنى إلى كفيك من بال
ألا ترى كيف تسعى كلُّ خاطرة — إليك غرقي بأحلام وآمال
ترُدُّها خائباتٍ عنك واجفةً — لفرطِ ما بك من كِبر وإدلال
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- استتم: أست: تَرْجَمَهَا الْجَوْهَرِيُّ: قَالَ أَبو زَيْدٍ: مَا زَالَ عَلَى اسْتِ الدَّهْر مَجْنُوناً أَي لَمْ يَزَلْ يُعْرَفُ بالجُنون، وَهُوَ مثلُ أُسّ الدَّهْر، وَهُوَ القِدَمُ، فأَبدلوا مِنْ إِحدى السِّينَيْنِ تَاءً، كَمَا ق … (لسان العرب)
- الخضم: خضم: الخَضْمُ: الأَكل عَامَّةً، وَقِيلَ: هُوَ مَلءُ الْفَمِ بِالْمَأْكُولِ، وَقِيلَ: الخَضْمُ الأَكل بأَقْصى الأَضراس والقَضْمُ بأَدْناها؛ قَالَ أَيْمَنُ بْنُ خُرَيْم يَذْكُرُ أَهل الْعِرَاقِ حِينَ ظَهَرَ عَبْدُ الْمَلِك … (لسان العرب)
- الدراري: درر: دَرَّ اللبنُ وَالدَّمْعُ وَنَحْوُهُمَا يَدِرُّ ويَدُرُّ دَرّاً ودُرُوراً؛ وَكَذَلِكَ النَّاقَةُ. إِذَا حُلِبَتْ فأَقبل مِنْهَا عَلَى الْحَالِبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ قِيلَ: دَرَّتْ، وإِذا اجْتَمَعَ فِي الضَّرْعِ مِنَ الْعُ … (لسان العرب)
- السدم: سدم: السَّدَمُ، بِالتَّحْرِيكِ: النَّدَمُ والحُزْنُ. والسَّدَمُ: الهَمُّ، وَقِيلَ: هَمٌّ مَعَ نَدَمٍ، وَقِيلَ: غَيْظٌ مَعَ حُزْنٍ، وَقَدْ سَدِمَ، بِالْكَسْرِ، فَهُوَ سادِمٌ وسَدْمان. تَقُولُ: رأَيته سادِماً نادِماً، ورأَ … (لسان العرب)
- الشط: (شَطَّ) الشِّينُ وَالطَّاءُ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُعْدُ. وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْمَيْلِ. فَأَمَّا الْبُعْدُ فَقَوْلُهُمْ: شَطَّتِ الدَّارُ، إِذَا بَعُدَتْ تَشُطُّ شُطُوطًا. وَالشَّطَاطُ: الْبُعْدُ. وَ … (مقاييس اللغة)
- القمم: قمم: قَمَّ الشيءَ قَمّاً: كَنَسَهُ، حِجَازِيَّةٌ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه: أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ فَكَانَ يَطُوفُ فِي سِكَكِها فَيَمُرُّ بِالْقَوْمِ فَيَقُولُ: قُمُّوا فِناءكم، حَتَّى مَرَّ بِدَارِ أَبي سُف … (لسان العرب)