مــن ذاقَ طــعــم شـرابِ القـوم يـدريـهِ

الشاعر: ابن بنت الميلق · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر ابن بنت الميلق، من العصر المملوكي، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الياء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مــن ذاقَ طــعــم شـرابِ القـوم يـدريـهِ — ومـــن دراه غـــداً بــالروح يــشــريــهِ

ولو تـــعـــرّضَ أرواحـــاً وجـــاد بــهــا — فــي كــل طــرفــةِ عــيــن لا يُــسـاويـهِ

وقـطـرةٌ مـنـه تـكـفي الخلقَ لو طعموا — فــيــشـطَـحـونَ عـلى الأكـوان بـالتـيـه

وذو الصبابة لو يسقى على عددِ الأن — فــاسِ والكــون كــأســاً ليــس يــرويــهِ

يــروى ويــظــمــأ لا يــنــفــكّ شــاربُهُ — يــصــحــو ويـسـكـرُ المـحـبـوب يـسـقـيـهِ

فـــي ريّه ظـــمــأ والصــحــوُ يــســكِــرُهُ — والوجــدُ يــظــهــرُهُ طــوراً ويــخــفـيـهِ

يــبــدو لهُ الســرّ مــن آفـاقِ وجـهَـتـهِ — وليــــسَ إلّا لهُ مــــنــــه تــــبـــدّيـــهِ

له الشـــهـــادةُ غــيــبٌ والغــيــوبُ لهُ — شــهــادةٌ والفــنــاءُ المـحـض يـبـقـيـهِ

له لدى الجــمــع فــرقٌ يــسـتـضـىءُ بـهِ — كـالجـمـع فـي فـرقـهِ مـا زالَ يُـلقـيـهِ

يــدنــو ويـعـلو ويـرنـو وهـو مـصـطـلمٌ — فــي الحــالَتَــيـنِ بـتـمـيـيـزٍ وتـوليـهِ

لهُ الوجــوداتُ أضــحــت طــوعَ قــدرتــهِ — ومــا يــشــاءُ مــن الأطــوار يــأتـيـهِ

للقــومِ ســرٌ مــع المــحــبـوب ليـس لهُ — حــدٌّ وليــس ســوى المــحـبـوب يـحـصـيـهِ

بــه تــصــرُّفُهُــم فــي الكـائنـات فـمـا — يــشــاء شــاؤوا ومــا شــاؤهُ يـقـضـيـه

إن كــنــتَ تـعـجـب مـن هـذا فـلا عـجـبٌ — للّه فــي الكــون أســرارٌ تــرى فــيــه

لا شَـيـء فـي الكَـونِ إلا وَهوَ ذو أَثَر — فَــمــا المــؤثــرُ غَــيـرَ اللَهِ قـاضِـيـه

ليــس التــضــادُدُ مــنّــاعــاً لقــدرتــهِ — مــن حــيــث قــدرتــهُ يــأتـى تـعـاليـه

وإنّـــمـــا مــن وجــوه الحــادثــات لهُ — تـــمـــانُــعٌ فــي مــحــلّ ذاك يــحــويــه

وللفــقــيــرِ وجــوهٌ ليــس يــحــصــرُهــا — عــــدّ وكــــلّ وجــــود فــــهـــو واديـــه

لو كـنـتَ تـدري وجـود العبد كنتَ ترى — فـيـه الكـمـالَ كـمـا النـقـصان تنقيهِ

والعــبـد هـذا هـو الحـرّ الذي حـصـلَت — له الخـــلافـــة جــلّ اللّه مــعــطــيــه

أوصــافُهُ ظــهــرت مــن وصــف مــبــدعــهِ — وكـــلّهُ مـــظـــهَـــرٌ يـــبـــدى تــجــلّيــه

إذا رؤى ذكـــر المـــولى بـــرؤيـــتــهِ — وفــاز بــالســعــد والتـقـريـب رائيـه

عــبــدٌ عــليــه ســمــات العــز لائحــةٌ — وخــلعــةُ العــز والتــحــكـيـم عـاليـه

إن كـنـتَ تـقـصـد أن تـحـظـى بـصـحـبـتهِ — فــاســلُك عــلى سـنـنٍ طـابـت مـسـاعـيـه

أخــلص ودادك صــدقــاً فــي مــحــبّــتــهِ — وألزم ثــرى بــابـه واعـكـف بـنـاديـه

واسـتـغـرق العـمـر فـي آداب صـحـبـتـهِ — وحــصّــل الدر واليــاقــوت مــن فــيــه

وابـــذل قـــواك وبــادر فــي أوامــرهِ — إلى الوفــاقِ وبــالغ فــي مــراضــيــه

واحــذر بــجـهـدك أن تـأتـى ولو خـطـأ — مــالا يــحــبّ وبــاعــد عــن مـنـاهـيـه

وكُـــن مـــحـــبّ مـــحـــبّـــيــه ونــاصِــرَهُ — والزَم عــداوةَ ومــن أضــحـى يـعـاديـهِ

واعــلَم يــقــيــنـاً بـأنّ اللّه نـاصِـرهُ — إن لم تــكــن نــاصـر فـاللّه يـكـفـيـه

وأنــزلِ الشــيــخ فــي أعــلى مـنـازله — واجــعــله قــبــلة تــعـظـيـم وتـنـزيـه

ولســت تــفــعــل هــذا إن ظــنــنـت بـه — نــقــصــاُ ولا خـللاً فـيـمـا يـعـانـيـهِ

واتــرك مــرادك واســتــسـلم له أبـداً — وكــن كــمــيــت مــخــلّى فــي أيــاديــه

أعــدم وجــودك لا تــشــهــد له أثــرا — ودعـــهُ يـــهــدمــه طــورا ويــبــنــيــه

مــتـى رأيـتـكَ شـيـئا كـنـت مـحـتـجـبـا — بــرُؤيــة الشــيــءِ عــمـا أنـت نـاويـه

ولا تــرى أبــدا عــنــه غــنـى فـمـتـى — رأيــت عــنــه غــنـى تـخـشـى تـنـاسـيـه

إنّ اعــتــقــادك إن لم تــأت غــايـتـهُ — فــيــه فــيــوشــك أن تـخـفـى مـبـاديـه

وغــايــة الأمــر فـيـه أن تـراهُ عـلى — نـــهـــجِ الكــمــالِ وأنّ اللّه هــاديــهِ

ومــــن أمـــارة هـــذا أن تـــؤوِّلَ مـــا — أشــكَــل عــليــك إظــهــاراً لخــافــيــه

والمـرء إن يـعـتـقـد شـيئا وليس كما — يــظُــنُّهــُ لم يــخــب فــاللّهُ يــعــطـيـه

وليــسَ يــنــفــعُ قـطـب الوقـتِ ذا خـلَلٍ — فــي الاعـتـقـاد ولا مـن لا يـواليـهِ

إلا إذا ســبــقَــت للعــبــد ســابــقَــةٌ — يــعــودُ مــن بــعــد هـذا مـن مـواليـهِ

ونــظــرةٌ مــنــه إن صــحّــت إليـه عـلى — ســـبـــيــلَ ودّ بــإذن اللَه تــغــنــيــه

والنــاسُ عــبــدان مـجـذوبٌ وسـالكُ مـا — دعـــى إليـــهِ بــتــعــيــمٍ وتــنــبــيــهِ

والجــذبُ أخــذةُ عــبــد بــغـتـةً يـبـدى — يـــبـــدى عـــنـــايـــةَ ليـــس يــنــويــه

هــوَ المــرادُ ومـخـطـوب العـنـايـة لا — يـــحِـــسُّ كــلفــةَ تــكــليــفٍ تــلاقــيــه

طــوراً يُــرَدُّ عــليــه الحــسُّ تــكــمــلَة — لهُ فــيــقــصــدُ مــا قــد كــان نـاويـهِ

تــراه يــعــبــدُ لا يــلوى عــلى شـغـل — ســوى العــبــادة يـسـتـحـلى تـغـانـيـه

وقــد يــغــيــبُ عــن الإحــسـاس مـخـتـط — وذو العــنــايـة حـفـظ الحـق يـحـمـيـه

تـرى الحـقـائق تـبـدو مـنـه فـي نـسـق — مـــع الكـــشـــوف لأنّ اللَه يـــلقــيــه

وذو الســــلوك تــــراه فـــي لداذتـــه — مــجــاهــدَ النــفــس ذا رعــي لبــاقــي

يـمـشـي عـلى نـهـج أهل الصدق ملتزماً — شــروطــهــم خــائفــاً فــيــمـا يـرجّـيـه

كـم مـن مـريـد قـضـى مـا نـال بـغـيتهُ — حــقّ القــضــاء عــليــه فــي تـقـاضـيـه

وكـم مـن مـريـدٍ دنـا مـن بـعـد عزمَتهِ — يــهـوى بـه الحـظّ فـي أهـوى مـهـاويـهِ

ومــا المــريــدُ الذي صــحّــت إرادتــهُ — إلّا مــــرادُ لهُ جــــذبٌ يــــوافــــيــــهِ

والجـذبُ إن كـان مـن بـعد السلوك له — فـضـلٌ عـلى الجـذبِ مـمـا السعيُ تاليهِ

فـالجـذبُ هذا الذي التفضيل فيه على — الجــذبِ الذي ظــهــرَت السـعـي تـاليـه

وفـي الحـقـيـقة لولا الجذب ما سلِكَت — طـــريـــق حـــقّ ولا رئيـــت مـــرائيـــه

لولا العـنـايـةُ والتـخـصـيص قد سبَقا — فـي دعـوةِ العـبـد مـا قـامـت دعـاويه

إنّ المــريــدَ مـرادٌ والمـحِـبُّ هـو الم — مــحـبـوبُ فـاسـتـمـل هـذا مـن أمـاليـهِ

إن كــان يـرضـاكَ عـبـدا أنـت تـعـبـدهُ — وإن دعــاك مــع التــمــكــيـن تـأتـيـه

ويــفــتــحُ البـابَ إكـرامـا عـلى عـجـلٍ — ويــرفـعُ الحـجـب كـشـفـا عـن تـدانـيـه

وثــمّ تــعــرف مــا قــد كــنـت تـجـهـلُه — مــمّـا عـن الحـصـر قـد جـلّت مـعـانـيـه

وتــرتــوى مــن شــراب الأنـس صـافـيـة — يـا سـعـد مـن مـات مـمـلوءاً بـصـافـيه

وصـــلّ يـــا ربّ مـــا غـــنّــت مــطــوّقــةٌ — عــلى النــبــيِّ صــلاةً مــنــك تــرضـيـهِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الياء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • بالتيه: يقال: تَاهَ يَتِيهُ: إذا تحيّر، وتاه يتوه لغة في تاه يتيه، وفي قصة بني إسرائيل: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة : 26] ، وتوّهه وتَيَّهَهُ: إذا حيّره وطرحه. ووقع في التِّيهِ والتوه، أي في مواضع الحي …
  • تبديه: تَبدَّى يَتَبَدى تَبَدَّ تَبَدِّياً [بدو]: ظهر.-: أقام بالبادية أَو صار بدوياً؛ في تلك المرحلة من حياته كان يتبدَّى ويتخلَّقُ بأَخلاق أهل البادية.
  • دراه: درأ: الدَّرْءُ: الدَّفْع. دَرَأَهُ يَدْرَؤُهُ دَرْءًا ودَرْأَةً: دَفَعَهُ. وتَدارَأَ القومُ: تَدافَعوا فِي الخُصومة وَنَحْوِهَا واخْتَلَفوا. ودَارَأْتُ، بِالْهَمْزِ: دافَعْتُ. وكلُّ مَن دَفَعْتَه عَنْكَ فَقَدْ دَرَأْتَه. …
  • ريه: ريه: الرَّيْهُ والتَّرَيُّه: جَرْيُ السَّرَابِ عَلَى وَجْهِ الأَرض، وَقِيلَ: مَجِيئُهُ وَذَهَابُهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا جَرى مِنْ آلِهِ المُرَيَّهِ وَقَوْلُ رُؤْبَةَ: كأَنَّ رَقْراقَ السَّرابِ الأَمْرَهِ ... يَسْتَنّ …
  • شاربه: الشَّارِبَةُ : مذ شارِبٌ ح شَوارِبُ. ـ: القومُ يسكنون على جانب النّهر ولهم ماؤُهُ؛ تسقي الشّاربةُ زرعَها بالشّادوفِ.
  • فاس: فأس: الفَأْسُ: آلَةٌ مِنْ آلَاتِ الْحَدِيدِ يُحْفَرُ بِهَا ويُقطَع، أُنثى، وَالْجَمْعُ أَفْؤُس وفؤُوس، وقيل، تجمع فُؤُوساً عَلَى فُعْلٍ. وفأَسَه يَفأَسُه فَأْساً: قطعَه بالفَأْس. قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: فأَسَ الشَّجَرَةَ ي …

قصائد ذات صلة

  • العبد عبدك يا من أنت سيده
  • لا العيد من بعد سكان الحمى عيد
  • الناس أنت وما بالغت في الكلم
  • آلى الزمان عليه أن يواليكا
  • يا من إذا وهب الدنيا فيحسبها
  • يوم أتى الدهر فيما حزته الخبر
  • يابن الكرام الأولى شادت عزائمهم
  • بك إرتوى وتولى الجور والألم