لعل سنا برقِ الحمى يتألق

الشاعر: ابن الظهير الإربلي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر ابن الظهير الإربلي، من العصر المملوكي، وتقع في 103 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف القاف.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لعل سنا برقِ الحمى يتألق ... على النأي أو طيفاً لأسماء يطرق

فلا نارها تبدو لمرتقبٍ ولا ... وعود الأماني الكواذب تصدق

وعل الرياح الهوج تهدي لنازح ... عن الشام عرفاً كاللطيمة يعبق

ديارٌ قضينا العيش فيها منعماً ... وأيامنا تحنو علينا وتشفق

سحبنا بها برد الشباب وشربنا ... لذيذٌ كما شئنا مصفى مصفق

مواطن فيها السهم سهمي فكلنا ... نحث مطايا اللهو فيه ونعنق

كلا جانبيه معلم متجعدٌ ... من الماء في أطلاله يتدفق

إذا الشمس حلت متنه فهو مذهب ... وإن حجبتها دوحه فهو أزرق

وإن فرج الأوراق جادت بنورها ... فرقم أجادته الأكف منمق

أطل عليه قاسيون كأنه ... غمامٌ معلى أو لغامٌ معلق

تسافر عنه الشمس قبل غروبها ... وترجف إجلالاً له حين تشرق

وتصفر من قبل الأصيلِ كأنها ... محبٌّ من البين المشتت مشفق

وفي النيرب المرموق للب سالب ... من المنظر الزاهي وللطرف مونق

بدائع من صنع القديم ومحدثٌ ... تألق فيه المحدث المتألق

رياضٌ كوشي البرد تزهو بحسنها ... جداولها والنور بالماء يشرق

فمن نرجسٍ يخشى فراق فريقه ... ترى الدمع في أجفانه يترقرق

ومن كل ريحانٍ مقيمٍ وزائرٍ ... تضاعف رياه الرياح فيعبق

كأن قدود السرو فيه موائساً ... قدود عذارى ميلها مترفق

إذا ما تداعت للتعانق صدها ... عيونٌ من النورِ المفتحِ ترمق

وقصر يكل الطرف عنه كأنه ... إلى النسر نسرٌ في السماء محلق

زها ببديع الوشي حسناً كأنما ... مديحُ روض في نواحيه ملصق

وكم جدول جارٍ يطارد جدولاً ... وكم جوسق عال يوازيه جوسقُ

وكم بركة فيه تضاحك بركة ... وكم قسطلٍ للماء فيه تدفق

وكم منزل يعشي العيون كأنما ... تــــألقَ فــــيــــه بــــارقٌ يتألقُ

وفي الربوة الشماء للقلب جاذب ... وللسمع إصماتٌ وللعين مرمق

فهام بها الوادي ففاضت عيونه ... فكل قرار منه بالدمع يشرق

تكفل من دون الجداول شربها ... يزيد يصفيه لها ويصفق

إذا أشرف الولدان من شرفاتها ... رايت بدوراً في بروجٍ تألق

وفي بردى مغنى يشوق ومنظر ... يــــروق ومأوى للسرور ومطق

إذا أنت من أعلاه اشرفت ناظراًُ ... تجيل عنان الطرف فيه وتطلق

رأيت به بحراً من الدوح مزبداً ... وغدرانه حيتانه منه ترمق

تميل مع الأفنان منه كأنها ... نشاوى وما دار الرحيق المعتق

وتعطف أعطاف الغصون حمامة ... إذا ما تغنت والغدير يصفق

وتجميع فيه كل حسنٍ مفرقٍ ... وشمل الأسى عن حاضريه مفرق

كأن رياض الغوطتين جنوده ... يقسم فيها جوده ويفرق

وبالمزة الفيحاء دام نعيمها ... جنانٌ تأنى أهلها وتأنقوا

حدائقها من ريها ذات بهجةٍ ... بها الراح والريحان والورد محدق

وفي كنفي سطرى ومقرى معالم ... تعلم أسباب الهوى كيف تعلق

عليلة أنفاس النسيم رياضها ... كأن سراها فأر مسك مفتق

إذا ما تغنت في ذرى الروح ورقها ... غدا كل عودٍ منه كالعود يخفق

وإن جمشت أنهارها نسمة الصبا ... تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق

جنيت بها ما شئت من ثمر المنى ... وغازلني فيها الغزال المقرطق

وفي بيت أبيات مصائد للنهى ... خيول الهوى واللهو فيهن سبق

فكم من كثيب نال فيها ترفقاً ... بمن كان لا يحنو ولا يترفق

وكم من خلي لازم طوقه الهوى ... ينوح كما ناح الحمام انطوق

وفي ساحة الميدان اثواب سندس ... لها بهجة تجلوالعيون ورونق

كأن شعاع الشمس في كل وجهة ... يفر إذا الغزلان فيه تفرقوا

من الترك لاعانيهم يبلغ المنى ... ولا هو ممنون عليه فيعتق

عيونهم المرضى ومرضى عهودهم ... تؤكد أسباب الهوى وتوثق

أكفهم ترمي ولادم طافح ... وألحاظهم تصمي القلوب وترشق

إذا أرسلوا سود الذوائب خلتها ... أساود تأبى ان تصاد فتعلقد

بالجانب الشرقي واد جنانه ... محاسنها من جنة الخلد تسرق

تؤلف شمل الماء بعد شتاته ... وتجمع شمل الأنس وهو مفرق

ومن جسر جسرين إلى تل راهط ... ظلال عنان الأنس فيهن مطلق

فكم من غياض في رياض وجنة ... بها كوثر من مائها يتدفق

حدائقها لا ظلها قالص ولا ... مجال خيول اللهو فيهن ضيق

رعى اللَه من ودعت والوجد قابض ... عنان لساني والمدامع تنطق

وفارقتهم لا عن ملال ولا رضى ... وغربت عنهم غير قال وشرقوا

لئن حالت الأيام دون لقائها ... فما حال لي عهد ولا أنحل موثق

أجيراننا بالغوطتين عليكم ... سلام مشوق قد براه التشوق

له كل يوم ثوب وجد محددٍ ... وصبر كما شاءت نواكم ممزق

اعاتب دهراً صرفه غير معتب ... أصرف فيه كنز عمري وأنفق

نأت بي ولم تسمع خطابي خطوبه ... فدام زفيري والحنين المؤق

وبدلت عن تلك الظلال وطيبها ... منازل صافي العيش منها مرنق

أظل نجي الشوق لا نار لوعتي ... تبوخ ولا شمل الأسى يتفرق

وكم ليلة شاب الفؤاد بطولها ... وما شاب للظلماء فود ومفرق

وان غيبتني غشية توهم الكرى ... يواصل طيف الهم فيها ويطرق

ويمزج ماء النيل عند وروده ... بدمعي أشواق إليكم فأشرق

فيا ليت شعري هل تلوح لمقلتي ... منازل ظني باللقاء محقق

وهل شائم برق الثنية ناظري ... على القرب يخفى تارة ثم يخفق

وهل بارد من ماء باناس مبرد ... لظى كبد حرى لها الشوق محرق

وهل زمني بالصالحية عائد ... يبلغني اقصى المنى ويحقق

وهل يجمعني والأحبة موقف ... لنشكو جميعاً ما ليت وما لقوا

وهل لي إلى باب البريد وقد نأى ... بريد به فيما يبلغ موثق

دمشق اذاقتني الليالي فراقها ... وقد كنت أخشى منه قدماً وأفرق

هي الغرض الاقصى ورؤيتها المنى ... وسكانها ودي لهم متوثق

ولو لم تكن ذات العماد لما غدت ... وليس لها مثل على الأرض يخلق

حنيني اليها ما حييت مرجع ... وقلبي اسير الشوق والدمع مطلق

عليها تحياتي غواد روائح ... بها الريح تجري والركائب تخفق

لجامعها المعمور بالذكر بهجة ... ومرأى يسر الناظرين ورونق

محاسنه بكر الزمان فصرفه ... علينا مدى الأيام حان مشفق

به زجل التسبيح عالٍ يهيجه ... حنينٌ إلى ذاك الحمى وتشوق

وللعلم فيه والعبادة معلمٌ ... جديدٌ على مر الجديدين مونق

وفــــيــــه لأرباب التلاوة لذةٌ ... إذا أخذوا في شأنهم وتحلقوا

كأن مجاج النحل في لهواتهم ... إذا رجعوا الأصواتَ فيها وأطلقوا

وكم فيه من مثوى نبي ومشهدٍ ... بنسبته يسمو محلاً ويسمق

وكم قائم لله فيه تهجداً ... بدعوته نكفى المخوف ونرزق

مصابيحه تجلو الظلام كأنها ... مصابيح في جو السماء تألقُ

وقبته مأوى الهلال وبرجه ... وفي كل أفقٍ منه للحسن مشرق

وقد جاوز الجوزاءَ فيه مآذن ... بأكنافها نورُ الجلالة محدقُ

فواحدها منه الهلال سوارهُ ... وأخرى لها الجوزاءُ قرطٌ معلق

وأخرى ترى الإكليل في غسق الدجى ... يزان بها منها جبينٌ ومفرق

إذا ما بدا قوس السحاب لناظر ... فمنها له في الجو سهم مفوق

وقد نازع النسر العنان كأنه ... إلى أخــــويــــه نازعٌ متشوق

أحاطت به الأمواه من كل جانبٍ ... وأمثالاها في أرضه تتخرق

فمن بركةٍ فيحاءَ يدعج ماؤها ... ومن جدولٍ ريانَ كالسهم يمرق

وفوارة يحكي سبيكة فضةٍ ... تلألؤها أو بارقاً يتألق

فإن تنجز الأيام وعداً بقربها ... فإني موفى الحظ منها موفق

وإن أرض طوعاً أرض مصرٍ وحرها ... بديلا فإني فائل الرأي أخرق

سقاها فروى كل منفصم العرى ... من الدلو دانٍ مرعد السحب مبرق

إذا ثقلت حملاً رواعد مزنةٍ ... حسبت عشار النوق للرعد تطلق

وان شهرت سيفاً من البرق كفها ... رأيت بخديه دم المحل يهرق

على أنه أضحى الكفيل بريها ... وإن ضن غيثاً ماؤها المتدفق

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الكواذب: وذب: الوِذابُ: خُرَبُ المَزادةِ، وَقِيلَ هِيَ الأَكراشُ الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا اللَّبَنُ ثُمَّ تُقْطَعُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَمْ أَسمع لَهَا بِوَاحِدٍ. قَالَ الأَفْوَهُ الأَوْديّ: وَوَلَّوْا هارِبينَ بكُلِّ فَجٍّ، . … (لسان العرب)
  • الهوج: هوج: الهَوَجُ كالهَوَكِ: الحُمْقُ؛ هَوِجَ هَوَجاً، فَهُوَ أَهْوَجُ، والأُنثى هَوْجاء، والهَوَجُ مَصْدَرُ الأَهْوَجِ، وَهُوَ الأَحمق. وأَهْوَجَه: وَجَدَهُ أَهْوَجَ. والأَهْوَجُ: الشُّجَاعُ الَّذِي يَرْمِي بِنَفْسِهِ فِي ا … (لسان العرب)
  • تحنو: (حَنَوَ) الْحَاءُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى تَعَطُّفٍ وَتَعَوُّجٍ. يُقَالُ حَنَوْتُ الشَّيْءَ حَنْوًا وَحَنَيْتُهُ، إِذَا عَطَفْتَهُ حَنْيًا. وَحِنْوُ السَّرْجِ سُمِّي بِذَلِكَ أَيْ … (مقاييس اللغة)
  • تصدق: صدق: الصِّدْق: نَقِيضُ الْكَذِبِ، صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقاً وصِدْقاً وتَصْداقاً. صَدَّقه: قَبِل قولَه. وصدَقَه الْحَدِيثَ: أَنبأَه بالصِّدْق؛ قَالَ الأَعشى: فصدَقْتُها وكَذَبْتُها، ... والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذابُهْ وَيُقَال … (لسان العرب)
  • جانبيه: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ. (لسان العرب)
  • سحبنا: سحب: السَّحْبُ: جَرُّكَ الشيءَ عَلَى وَجْهِ الأَرض، كَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِ. سَحَبَه يَسْحَبُه سَحْباً، فانْسَحَبَ: جَرَّه فانْجَرَّ. والمرأَةُ تَسْحَبُ ذَيْلَها. والريحُ تَسْحَبُ التُّراب. والسَّحابةُ: الغَيْمُ. والسحابة … (لسان العرب)
  • سهمي: سهم: السَّهْمُ: واحد السِّهام. والسَّهْمُ: النصيب. المحكم: السَّهْم الحظُّ، والجمع سُهْمان وسُهْمة؛ الأَخيرة كأُخْوة. وفي هذا الأَمر سُهْمة أَي نصيب وحظّ من أَثَر كان لي فيه. وفي الحديث: كان للنبي، صلى الله عليه وسلم، سَ … (لسان العرب)
  • شئنا: شنأ: الشَّنَاءَةُ مِثْلُ الشَّناعةِ: البُغْضُ. شَنِئَ الشيءَ وشَنَأَه أَيضاً، الأَخيرة عَنْ ثَعْلَبٍ، يَشْنَؤُهُ فِيهِمَا شَنْأً وشُنْأً وشِنْأً وشَنْأَةً ومَشْنَأً ومَشْنَأَةً ومَشْنُؤَةً وشَنَآناً وشَنْآناً، بِالتَّحْر … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة