أنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمةمسرى ، وملعب الشمس مغنى .
أَتملَّى وجه الحقيقة أَيانتراءَى ، وأَيَّ فعل تبنّى.
فأَحيك الرؤى ، روى العقل ، فكراًيتجلَّى مع الزمان ، ويغنى :
أَيّ فكرٍ يؤرخ الناس أَجيالاويبني لغاية الكون معنى
ويردّ الفناءَ وهماً ، وطيفَ الحقّدنيا ، وقوةَ الشرِّ وَهْنا .
أَنا حرٌّ يا ربِّ ! ما أَنت حرٌّ ؟ما وجودي ، تُرى ، إذا كنتَ عبدا :
شيمةُ الحرّ أَن يروّض أَحراراًويأْبى إلا التحرر مبدا .
"كن كما شئت" سنّة الله في الكونتناهت إلى الخليقة عهدا.
"كن كما شئت" هكذا أَنت إِنسانوكنْهُ الإنسان أَن لا يُحَدّا :
حدُّهإن يُحدّ حرّية تسمو وتقتاده إلى الخير عمدا .
..أَنا حرٌّ يا ربّ ! حرّيتي كنهي ،أَرود الجمال فجراً وفجراً .
كُلُّ فجرٍ أَروده أَفرشُ الارضضحايا ، وأَفجُرُ الدمعَ بحرا.
فكأَني وُجدتُ كي أَجتلي كنهيوأَجني حقي رويداً وقسرا ،
وكأَن التاريخ ساحةُ حربٍبين حرٍّ وبين من كان حرّا:
أَتُرى جوهرُ الخليقة حرّية أَولىبمن فاز في النضال وأَحرى؟
..أَنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العقلُجناحٌ وذروة الحق مرمى .
يا إلهي شدّدْ جناحي ، وزدهقوة منك ، فهو غضٌّ ومهما
همَّ من نفسهِ وحلَّقَ أَجواءًوطوّى من العلاءِ وضمّا ،
ولا تزالُ الرياحُ تلوي خوافيهِوتهوي بهِ إلى ما تَعمّى :
فيصيرُ الوجودُ غمرَ ظلامٍ ،وتصير الحياة طيفاً ووهما.
. يا إلهي شدِّدْ جناحي : فما يكفيهعلمٌ ، مهما تساميتُ علما .
أَنتَ أَدرى بهِ ، فلو ينفع العلمُلما زادتِ الخليقة إِثما ،
ولما جئتَ ههنا تفتدي العقلَوتروي أَنَّ المحبّةَ أَسمى .
هبهُ من عندكَ المحبّةَ يا ربَّ ،وزوّدهُ بالمحبّة فهما :
فاذا بالرياحِ غيرُ رياحٍكلّما قارب الوصولَ ولمّا ...
..ربِّ هبني محبّةً ، فبها أُدركُحريّتي وأَعرفُ نفسي.
أَنا ، إِن لا أُحبُّ ، ما نفع عقليلخلاصي ، وباطلٌ كلّ بأْسي.
فخلاصي ، أنا المسيَّرُ بالغيبِ ،ومَن يومُهُ منوطٌ بأَمسِ ،
إِنما تمَّ بالمحبة والعقلِ ،فلولاهما أَغوصُ برجسي :
نعمةٌ أَستحقها ، إِنْ أَنا آمنتُوطوَّعتُ للحقيقةِ حِسِّي .
أَنا حرٌّ يا رب ! في أَضلعي شوقٌإلى رؤية الحقيقة حرّا :
شاهدٌ ، إِن رأَيتُها ، معلنٌ عنهاصراحاً لدى الخليقةِ طرّا ،
مفتديها بالروحِ إِنْ رام عبدٌطمسَها خيفةً ، وجهلاً ، وغدرا .
ويح نفسي ، ما أَتعسَ الحقَّ في الدنيافكم مرةٍ يُباع ويُشرى:
كلُّ شيٍ ، لدى العبيدِ ، حلالٌغيرَ شيءٍ : قولُ الحقيقةِ جهرا .
إيهِ حريتي ! تذكرتُ بالأمسصراعي مع الزمانِ وبؤسي :
أَنا في مصر بالعبودية عُمّدتُ ،فشبَّت على المذلَّة نفسي .
وحسبتُ الخلودَ بالجسدِ الفانيفعمّرت بالجماجم رمسي
هَرَماً ، يسحق الفناءَ بكفَّيهِويضحي مع البقاءِ ويمسي :
إِنَ من يطلب الخلود على الأَرضكمن يُفرغُ البحار بكأْسِ.
وعلى شاطئ الفرات سأَلتُ النجمَعن حاضري وعن أَحلامي ،
أَغنم العيش برهةً قلَّ جدواهاوعزّت مصحوبةً بالسلام .
لا خلودٌ بعد الممات لنفسي ،ومصيري مغلَّفٌ بالظلامِ
كنتُ عبداً للعيشِ ، للموتِ ، للشرِّ ،وعبداً للخوف والآلام ،
أَجهلُ الله ، أَجهلُ الحبَّ والحقَّ ،وحرّيتي من الأَوهامِ .
ويحَ أَشُّور ! كم سكبتُ بها الدمع ،وغيّبت في ثراها النفوسا ،
رافعاً فوقها من المجدِ مُلكاًيتحدّى إذا تُطلُّ الشموسا
أيُّ ملكٍ على العبوديةِ العمياءِيُبنى ، وما أُذِلّ وديسا:
سلْ أَشوراً ، ورومةً ، والفراعينَ ،وكسرى سلْ نينوى ، والمجوسا ،
والأُولى طرّقت جيادُهُمُ البحرَ ،وصبّت نعالها هندوسا .
..َيُّ ملكٍ كذاكَ يُبنى على القوّةيبقى ، فلا يزول ويبلى :
أَين مجد العربان بعد ازدهارٍحطَّ في قمّة الجلال وحلّا ؟
أَين جنكيزُ فاتحُ الشرقِ والغربِ ،نذيرُ الهلاك أَنَّى أَطلَّا ؟
أَين "تيمور" قاهراً ، والسلاطينُغزاةً ، "والبونابرتيّ" مولى ؟
هكذا يمّحي ظلام اللياليويفيءُ الصَّباحُ مهما تولَّى .
..إيهِ حرّيتي ! تذكرتُ بالأَمسصراعي مع الزمان ونصري:
أَنا في موطن الصنوبر والأَرزتحرّيتُ عن حقيقةِ أَمري.
فتحكمت بالطبيعةِ ، فانقادتإلى فكرتي ، سريعاً ، وفكري .
فإِذا العقل سيِّدٌ ، والأَمانيُّحبالى بكلِّ حبٍّ وخير ،
وإِذا الله واحدٌ في ربى القدس ،وحرٌّ يسير بي حيث أَدري.
يا لأَبرام ! يا للنبيّينَ من بعدُولاةٌ على الحقيقة طفلَهْ .
سكبوا في سبيلها الدمَ والدمعَ ،وعاشوا من أجلها العمرَ كلَهْ
لهمُ ، دون غيرهم ، شرف الوعدِ ،وإِنْ أَنكروا ، لدنْ تمَّ ، فِعلهْ
واستعاضوا عن الحقيقةِ بالوهمِوبالعيشِ دونها والتعلَّه ،
واكتَفوا بالتراثِ من قبلُ ، واهاًأَينَ شأْن التراث إِنْ ظَلَّ قبلهْ ؟
ما لحريتي على ملعب الإِغريقتُسقى ، غداة تظمأُ ، سمّا .
أَيّ سمٍّ أَمدّ حرّية الفكربفيضٍ من الشجاعةٍ أَسمى :
شرفٌ من يناله يصحب الحقّويُجزى من المحبة نعمى .
ذاك يومي ، نعمَّه ، ردّني حرّاًأَرى غايتي من العمر وهما ،
إِنْ أَنا لا أَرود منتهلَ النوروأَزداد للحقيقةِ فَهْما .
..أيّ سمٍّ ، أَقول ، غلَّ يد الليلوأَولى على الصباحِ الخلودا .
فإِذا بالأُلومب ملعب أَحرارٍتحدّوا على الزمان العبيدا :
ينشدون الجمال ، والعدل ، والخير ،ولاءً ، ويحْطمون القيودا ،
رافعين اللواءَ في موكب الفكرجنوداً ، وحاملين البنودا :
موكبٌ شيّد الحضارة من بعدُ ،وأعلى إلى السماء الحدودا.
يا لفتحٍ للفكر فتح أَثينا ،أَين منه فتح السيوف البواترْ ؟
تمَّحي دونه العروش ، ويفنىكلّ طاغٍ على الشعوب وقاهرْ .
يا لفتحٍ للفكر ، مهّد للحقّسبيلاً ، وزفّ خير البشائر :
هوّذا الله عن خطاياي مصلوباً ،يريني وجه المحبّة سافرْ :
فالتقى العالمان : الشرق والغرب ،وشدّا على الوداد والأَواصرْ .
إِيه حرّيتيإِذا تمّ نصري بفداءٍ من المحبة سمْحِ ،
فتحررت من عبوديّة الشرِّوفازت على الطبيعة روحي -
فأَنا ما أَزال عبداً لنفسي ،أَبتني من لذاذة الحسّ صرْحي ،
جائراً ، ظالماً ، أُكنِّن أَياميبدمعٍ ، من الشقاءِ ، وجرح .
فكأَنَّ البقاء غاية عمريأَدّعيها ، إذا تضنّ ، برمح .
..نا في عالمٍ من الخوف والإرهابصنعُ الفناءِ ، صنعُ يديّا ،
زائعٍ يحسب المحبّة وهماً ،والتفاني في خدمة الحق غيّا ،
جائعٍ ظنَّ قوته ثروة الأَرض ،وما كان جوعه جسديّا .
فمضى في سبيلها يغرس الأَرضحراباً ، ويستبيح البريّا :
إِنَّه الملْك ، كم يدنِّس أَقداساًويمشي في مأْتم المرءِ حيّا.
أَين عهدٌ غيّبت حريتي فيهبسجنٍ من التقاليد قاسي ،
أَخنق الفكر إِنْ تعدَّى حدوداًرسمتها ، من قبلُ ، أَيدي الأُناسي
فالضحايا ، باسم الكنيسة والدين ،ترامت مخنوقة الأَنفاس ،
تحمل النور في الليالي الدواجيوتصبّ الزيوت في النبراس :
مأْتمٌ للظلام تلك الضحايا ،وهي للنور أَبهج الأَعراس.
ذاك عهدٌ تصارع الفكر فيهمعَ سجّانه ، فنال انتصارا .
فأَطلَّت حريتي تنسج الفجررداءً ، على الورى ، وإِزارا ،
وعليها من الجلالة إِكليلٌتسامى ، فزيّن الأَحرار ،
ولديها شوق النفوس إلى الموتفداءً عنها ، إِذا ما توارى .
واطمأَنَّت إلى يدٍ زندها غضٌّ ،وترمي ، فتسحق الأَشرارا .
غداً ، عندما تعود السيوفُالقضْبُ منصورةً إلى الأَغماد ،
أَترى ينتهي صراعي مع الشرّ ،فأَحيا حرّاً إلى الآباد :
أَصنع الخير ، أَنشد الحبّ والحقّ ،وأَطوي الجمال ملءَ فؤادي ؟
نعمت لحظةٌ بها أَنا نفسي ،لا كما شاءَ أَو أَبى أَسيادي :
مطمئنٌّ إلى غدٍ ، أَزرع الحسنىوأَجني المنى على ميعاد .
يا بلادي حضنتِ ، من قبلُ ، أَمجاداًوشيّدت في بناءِ الحضاره ،
تغمرين الأَمداءَ حباً وإِيماناًوتعلين للجمال منارهْ :
فعلى كل قمةٍ منك شيءُ ،والليالي تناقلتْ أَخباره.
أَيُّ فكرٍ في تربك السمح لم يزهر ،فتجني يد الورى أَزهارهْ :
فازدهى عالم ، وكنتِ له الفتح ،وجلَّى ، فكان غاركِ غاره .
يا بلادي ، وكمْ رفعت لواءًسرمدياً في موكب الحريَّه :
منك لقيان هازئاً بالسلاطينوحرباً على النفوس العتيَّه ،
يرسل القول في الوجوه ويعليالحق ، رغم الأّذى ورغم البليَّه .
منك أُولئك الذين "تآخواللصفا" في عقولهم والرويَّه ،
والأَولى قيل عنهم "اعتزلوا" الحق ،وفي قولهم عمىً وأَذيَّه .
..ذاك أمسٌ مضى ، وما ينفع الأَمسإِذا لم يكن لدى اليوم حيَّا :
وأَبى الدهر أَن يجود ، فغامتْأَنجمٌ ، وارتمى جبين الثريَّا .
وامَّحتْ شعلةٌ ، فساد ظلامٌفي بلادي ، وطأْطأَ الفكر عيَّا ،
يحمل القيد في يديه ويمشيفي عبودية الضلال شقيَّا :
موجةٌ أَسيويةٌ راعها النورفأَرختْ حجابها البربريَّا .
يا بلادي سلمت ، ما زال لبنانقويَّ العماد ، لما يذلا ،
شامخ الأنف ، رافع الرأْس ، حرّاً ،هانئاً ، دون غيره ، مستقلاً ،
ينحر الظلمة العتيَّة بالنورويبقى لدى الصباح المطلا ،
موئلاً يلجأُ الأُباة إِليه ،ويوافيه كل حرٍّ ومولى:
ما تراه إلا تفرَّد في الشرقبأَسمى من البقاءِ وأَغلى !
يا بلادي ، أَودعت عندك آماليوأَسلمت في يديك القيادا !
أَنت للغير قوة تشهر السيفوتبني ، على الفتوح ، العمادا -
يا بلادي ، وانت لي موطنٌ حرٌّتسامى محبةً ورشادا ،
يحضن الفكر عبقريا ويمشيفي ركاب الحياة أَنى تهادى :
يعربيَّ اللسان ، واليد ، والوجه ،يولِّي شطرَ البحار الفؤادا.
عن القصيدة
هذه القصيدة من شعر يوسف الخال، من العصر الحديث، وتقع في ١٣٠ بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الراء.
بحر الخفيف: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن · قصائد أخرى رويّها الراء
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.