استخلف المنصور في وصاته
الشاعر: أحمد شوقي · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر أحمد شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الميم.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
استخلف المنصور في وصاته ... إن اختيار المرء من حصاته
ابن أبيه وسراج بيته ... الخلفاء لمحات زيته
حبر بني العباس بحر العلم ... قطب رحى الحرب مدار السّلم
فلم يكدْ بالأمر يستقلّ ... حتى تلّقى فتنةً تُسلُّ
قد فرغ الأهل من الغريب ... واشتغل القريب بالقريب
ثار بعبد الله ثائر الحسدْ ... وزعم الغاب أتى غير الأسد
وأن مــــروان إليــــه ســــلّمــــا ... وأن يوم الزاب يكفي سلّما
انقلب العم فصار غمّا ... وفــــدح الأمــــر بــــه وطمّا
جاء نصيبين وقد شقّ العصا ... فيمن بغى الفتنة صيداً وعصى
ما فلّ حدّهم عن المنصور ... سوى أبي مسلم الهصور
سلّ عليه سيفه ورايهْ ... فلم تقف لابن عليّ رايهْ
وهزم الطاهر يوم النهر ... وعرف القاهر طعم القهر
ومن يحاول دولةً وملكا ... يلاق نجحاً أو يلاق هلكا
واستطرد الحين بنوّة الحسن ... واجتمعوا فامتنعوا على الرسنْ
وطلبوا الأمر وحاولوا المدى ... وبايعوا راشدهم محمدا
وكان مقداما جريئا محربا ... طاح على حد الظبا في يثربا
فثار إبراهيم للثارات ... وأزعج المنصور بالغارات
فوجئ والجيوش في الأطراف ... بنهضة الدهماء والأشراف
اضطرب الحجاز والعراق ... وشــــغــــب الغواة والمرّاق
فلم تفلّ النائبات عزمهْ ... ولم يكلّ عن لقاء الأزمهْ
تــــدارك الشــــدة بــــالأشــــدّا ... من كل من لمثلها أعدّا
وكان يستشير في المصائب ... وهو أخو الرأي السديد الصائب
أمرٌ له كلاهما قد شمّرا ... وجرّدا السيف له بأخمرا
فكان بين هاشم من حرب ... ما كان بينها وبين حرب
وكــــان فــــي أولها للطالب ... على قنا المنصور عزّ الغالب
لولا المقادير القديرة اليد ... لأحرز السيّد ملك السّيد
كرّت عساكر الإمام كرّهْ ... على جنود الحسني مرّة
عدته عن دعوته العوادي ... وأسعف الدهر أولي السداد
وطاب للشريف الاستشهاد ... فيما يخال أنه جهاد
فطاح لم ينزلْ عن الكميت ... وهكذا أنباء هذا البيت
وكثر القتلى وراح الأسرى ... على فوات الوفيَات حسرى
سيقوا الى يزيد أو زياد ... لكن من القرابة الأسياد
فلم يذق كالحسنيين البلا ... ولا الحسينيون يوم كربلا
لو طمعت في ملكه أولاده ... شفاهمو من طمع جلاّده
هذا أبو مسلم التياه ... غرّته في دولتهم دنياه
فطال في أعراضهم لسانه ... ولم يقمْ بمنه إحسانه
ونــــازع الآل جــــلال القــــدر ... ونافست همّته في الصدر
دعواه في دعوتهم عريضهْ ... لولاه ظلتْ شمسها مريضهْ
وهو لفضل الطاهرين ناس ... وما لهم في الحب عند الناس
وما علوا له من المهمهْ ... وبذلوا من مدهشات الهمّهْ
وموت إبراهيم حتف فيه ... فدىً لأمرهم وحبّا فيه
فوغر الوالي عليه صدرا ... يظهر عطفاً ويسرّ غدرا
وصاحب الدعوة ضافي الدعوى ... يرفل فيها نخوةً وزهوا
تطلبه الدماء كل مطلب ... لا بدّ للظالم من منقلب
فكم أدارها على المنون ... وكم أراقها على الظنون
هذا الذي حمى أمية الكرى ... كان أبو جعفر منه أنكرا
قد يقع الثعلب في الحبالهْ ... وتتّقي الفراشة الذّبالهْ
أفنى الفضاء حيلة الخراسي ... وعصفت رياحه بالراسي
وساقه الحين الى الإمام ... والنفس تستجر للحمام
فجاءه في موكب مشهود ... وفــــي مدارعٍ من العهود
أريد بالداعي الردى وما درى ... وكــــلُّ غــــدّار مــــلاقٍ أغــــدرا
فمكّنتْ منه سيوف الهند ... وظفر الفرند بالفرند
أصيبت الدولة في غنائها ... وسقط البنّاء من بنائها
الخــــلفاء ولد المنصور ... وعصره الزاهي أبو العصور
إن استهلّت بالدماء مدّتهْ ... فما وقاها الهيج إلا شدّته
ومن يقمْ بملكه الجديد ... يقدْه بالحرير والحديد
لا ترج في الفتنة رفق الوالي ... قد يدفع الحكّام بالأحوال
انظرْ الى أيامه النواضر ... وظلّها الوارف في الحواضر
عشرون في الملك رفقن أمنا ... وفضن نعماء وسلن يمنا
خلافةٌ ثبتها قواعدا ... ثم ترقّى بالبناء صاعدا
أدرُّ من صوْب الغمام دخلا ... على أشد الخلفاء بخلا
يخاف في مال العباد الله ... ما تبع الدنيا ولا تلاهى
للســــلم آلات وللحــــرب أهــــبْ ... جماعهن في الممالك الذهبْ
وحوّل المنصور مجرى العهد ... أخّر عيسى وأقام المهدي
فكان في تقديمه الإصلاح ... وفي بنيه الخير والفلاح
ولا تسلْ عن همة العقول ... ونهضة المعقول والمنقول
وكثرة الناقل والمعرّب ... عن حكمة الفرس وعلم المغرب
واختطّ بغداد على التسديد ... داراً لمــــلك يَــــسِــــرٍ مديد
كانت لأيام البهاليل سمهْ ... ومهرجان ملكهم وموسمهْ
ينجم فيها النابغ السعيد ... وبنجب المقتبس البعيد
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- استخلف: خلف: اللَّيْثُ: الخَلْفُ ضِدُّ قُدّام. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: خَلْفٌ نَقِيضُ قُدَّام مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ تَكُونُ اسْمًا وظَرفاً، فَإِذَا كَانَتِ اسْمًا جَرت بِوُجُوهِ الإِعراب، وَإِذَا كَانَتْ ظَرْفًا لَمْ تَزَلْ نَصْبًا عَ … (لسان العرب)
- الحسد: حسد: الْحَسَدُ: مَعْرُوفٌ، حَسَدَه يَحْسِدُه ويَحْسُدُه حَسَداً وحَسَّدَه إِذا تَمَنَّى أَن تَتَحَوَّلَ إِليه نِعْمَتُهُ وَفَضِيلَتُهُ أَو يُسْلَبَهُمَا هُوَ؛ قَالَ: وَتَرَى اللبيبَ مُحَسَّداً لَمْ يَجْتَرِمْ ... شَتْمَ … (لسان العرب)
- الزاب: زأب: زأَبَ القِرْبةَ، يَزْأَبُها زَأْباً، وازْدَأَبها: حَمَلَها، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهَا سَرِيعاً. والازْدِئابُ: الاحْتِمالُ. وكلُّ مَا حَمَلْتَه بِمَرَّةٍ، شِبْهَ الاحْتِضانِ، فَقَدْ زَأَبْتَه. وزَأَبَ الرَّجُلُ وازْدَأَبَ … (لسان العرب)
- العم: (عَمَّ) الْعَيْنُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الطُّولِ وَالْكَثْرَةِ وَالْعُلُوِّ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَمِيمُ: الطَّوِيلُ مِنَ النَّبَاتِ. يُقَالُ نَخْلَةٌ عَمِيمَةٌ، وَالْجَمْعُ عُمٌّ. وَيَقُولُونَ … (مقاييس اللغة)
- المنصور: نصر: النَّصر: إِعانة الْمَظْلُومِ؛ نصَره عَلَى عَدُوِّهِ ينصُره ونصَره ينصُره نصْراً، وَرَجُلٌ ناصِر مِنْ قَوْمٍ نُصَّار ونَصْر مِثْلُ صَاحِبٍ وصحْب وأَنصار؛ قَالَ: واللهُ سَمَّى نَصْرَك الأَنْصَارَا، ... آثَرَكَ اللهُ ب … (لسان العرب)