مــا بــال قـصـر الشـمـع لا يـضـاءُ

الشاعر: أحمد شوقي · البحر: الرجز

هذه القصيدة من شعر أحمد شوقي، من العصر الحديث، وتقع في 110 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الميم.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مــا بــال قـصـر الشـمـع لا يـضـاءُ — هـــبّ عـــلى مــصــبــاحــه القــضــاءُ

لا فــتــيــة الرومـان فـي بـروجـه — ولا غـــوانـــيــهــمْ عــلى مــروجــه

ولا الليـــــالي حـــــوله أعــــراس — وفــــوقــــه وتــــحــــتــــه أحــــراس

ومـا لبـابـليـون مـن بـعـد العـجم — أمـسـت رجـامـاً فـي نـواحيه الأجم

وأيــن فــي أفــقــيــهــمـا فـسـطـاط — للنـــجـــم عــن ســدّتــه انــحــطــاط

قــد ألقــيــا اليــه بــالمــقــالد — وخــــرجــــا مــــن طــــارف وتــــالد

ســــرداقٌ يــــنــــفــــذ حـــكـــم ربّه — مــن مــنــبــع النــيــل الى مـصـبّه

أوى الى أطــــنـــابـــه اليـــمـــامُ — لأنـــهـــا الرحـــمـــة والغـــمـــامُ

و أمــن الأعــزل فــيــه الشــاكــي — وحــذر المــشــكــو صــوت الشــاكــي

خـــفّـــتْ بــه القــبــاب والخــيــام — وســــالمــــت ضــــاربــــه الأيــــام

لم يـــبـــق مــن ذلك إلا مــســجــدُ — عــال عــلى بــاع الخــطـوب مـنـجـد

كــالكــعــبــة الرفــيــعـة الدعـام — مـــا حـــجّ إلا مــرة فــي العــام

إن كــان لم يــعــلُ عـلو الهـيـكـل — وليــــس بــــالمـــلوّن المـــشـــكّـــل

لقـــــد تـــــردى حُـــــللَ الجـــــلال — بــالبــانــيــيــن الحـق والحـلال

أمـــيـــر كـــلّ هـــيــكــل ومــعــبــد — فــاتــهــمــا بــالســؤدد المــؤبــد

نــسّــىَ الديــانــات بــمـصـر قـبـله — و لايـــــزال للقـــــلوب قِــــبْــــله

إســـــلامـــــه وخـــــالدا فـــــي آن — حـــــلّ عـــــلى الشّــــرك بــــه رزآن

الســيــف والرأي بــيــوم أجــمـعـا — و أســتــأذنــا عــلى مــحـمـد مـعـا

فــانــقــلب الحــق بــهــذا فَــرْددا — وعـــاد هـــذا بـــالهـــدى مــســدّدا

بــالفــاتــحــيــن بــشّــر الإســلام — واســتــقــبــلت آمــالهـا الأعـلام

كــلاهــمــا كــان رضــى النــبــوّة — لم تـــــشـــــكُ كــــلّهُ ولانُــــبُــــوّهْ

وبــاز مــن صــاد وســهــم مـن رمـى — مــن الهــداة الراشـديـن الكـرمـا

مــا ضــرّ عــمـراً مـنـضـج الهـواجـر — إن كــان لم يــنــصـر ولم يـهـاجـر

كــم هــجــر النــوم أبــو مــحــمــد — واكـتـحـل العـثـيـر بـعـد الاثـمـد

عــمــرو القــنـا والرأي والجـدود — رمــى بــه الفــاروق فــي الحــدود

عــلى فــلســطــيــن حــمـى الرايـات — وحــمــل الخــيــل عــلى الغــايــات

إذا المــضــيــق لم يــجــد مــضــاء — للســــيــــف قـــام رأيـــه فـــضـــاء

حــتــى حــوى لعــمــر الإقــليــمــا — وحــــاز للإســـلام أورشـــليـــمـــا

فــــتــــح تــــولى صــــكّه الإمــــام — وأخــــذ المــــيــــثـــاق والزمـــام

يــا صـخـرة الله اشـهـدي أن عُـمَـرْ — أبــر مــن نــهــى وأوفــى مـن أمـر

ســمــا الى مــصــر بــطــرفٍ وطــمــح — ولم يـــزل بـــعُــمَــرٍ حــتــى ســمــح

وجــــــهـــــه فـــــهـــــبّ والغـــــزاةَ — كــــمـــا أطـــار الصُـــيِّدُ البـــزاةَ

يــطــوي بــهــم طــابــخـة الركـائب — آكــــلة البــــعــــوث والكـــتـــائب

أنــعــاكِ أم أســقــيـكِ مـن بـيـداءَ — كـــــــانـــــــت دواء أبــــــداً وداءَ

مــاذا دهــى مــصــر مــن الطــواري — ولقـــــيـــــت مـــــن ذلك الجـــــوار

كــــم رعــــتِهـــا بـــداهـــم جـــرّاف — وآفــــة الجـــســـم مـــن الأطـــراف

وربّ جــــــــلاّد عــــــــلى جــــــــلاّد — ســـلّطـــت ويـــليـــن عــلى البــلاد

كـم عـصـفـت مـنـك السـوافـي الهوج — وهـــبّـــت الحــاصــبــة الســيــهــوج

وكـــم بـــعـــثـــت بـــالمـــبــشــرات — عـــلى مـــوات الحـــق مـــنـــشـــرات

وكــــنــــت إن أســــلت رائديـــنـــا — طـــويـــت ديــنــا ونــشــرت ديــنــا

شــرّفــت بــالعــذراء والمــهــاجــر — وبـــالخـــليـــل آيـــبــا بــهــاجــر

وســـيـــق فــيــك يــوســف جــليــبــا — فــلقــى التــمــليــك والتـغـليـبـا

ووطـــئت بـــســـاطـــك الأســـبـــاط — وانــتــظــم الشــمــل والاغــتـبـاط

وحُـــزت مـــوســى جــائلا وجــائبــا — يــسـتـقـبـل الآيـات و العـجـائبـا

ومـــصـــبــحــا بــقــفــرة ومــجــهــل — ومـــمـــســـيـــا بــربــوة ومــنــهــل

وطــــالعــــا مـــخـــارم الجـــبـــال — و قــابــس النــور عــلى الأقـبـال

تـرمـين أرض النيل عن قوس الفلك — يــومــا بــشــيـطـان ويـومـا بـمـلك

تـــهـــديـــن نـــورا تــارة ونــارا — والطــامــس المــنــار و المـنـارا

حــتــى مــشــت كــتــيــبـة الحـواري — عـــليـــك كـــالأنـــوار والأنــوار

ومـا النـجـوم الزّهـر حُفَّتْ بالقمر — أروع مـن عـمـروٍ عـلى خـيـل عـمـر

ولا قـنـا الأسـبـاط حـول يـوشـعـا — أعــفّ مــن قــنــاهــمــا وأخــشــعــا

كـــتـــيـــبـــةٌ قـــليـــلة العــديــد — كـــثـــيــرة بــديــنــهــا الجــديــد

طــوتْ الى مــصــر القــفــار طــيّــا — وركـــبـــتْ ريـــاحـــهـــا مـــطـــيـــا

فــبــلغ العُــمْــرانَ عــمــرو فـرمـى — بــجــمـعـه الروم حـيـال الفـرَمـا

تــســلقــوا حــصــونــهــا تــســلقــا — واقـتـحـمـوا مـا ردهـا والأبلقا

واخــتــرقـوا التـخـوم و الحـدودا — ســـبـــحــان مــن يــداول الجــدودا

وروودتْ بــلبــيــس حــتــى أذعــنــتْ — وركــبــت بــالمــســلمـيـن إذ عـنـتْ

تــرجّــل الحــمــاةُ عــن حــصــونـهـا — ونـــزل الأبـــاةُ عــن مــصــونــهــا

وظـــلّت الخـــيـــل تـــجــوب الوادي — أنــدى عــلى الريــف مـن الغـوادي

يـــســـيــر فــي رخــائهــا المــلاّحُ — ولا يــــحــــسّ وطــــأهـــا الفـــلاّحُ

حـــتـــى بـــدت مـــنــازل الرومــان — ســـاهـــرة الخـــطّـــيّ واليــمــانــي

فـــي حـــضـــن حـــصــن أو ذرا لواء — بــعــيــدَي المــصـعـد فـي الجـواء

فـــنـــزلوا ســـواد عـــيـــن شـــمــس — وســــادُهــــم رحــــالُهــــم كـــأمـــس

وجــثــمــوا إلا عــيــونـا سـامـيـهْ — تــجــسّ حــصــنـاً أو تـجـوس حـامـيـهْ

فــــخــــرج الرومــــان للقـــتـــال — فـــي جـــحـــفـــل مــدجــجٍ مــخــتــال

رحـــى الوغـــى بـــمـــثـــله تـــدور — وقــطــبــهــا فــي قــلبــه تــيــدور

ليــس لعــمــرو مــا له مــن كـثـرهْ — وخــــــوذةٍ وشـــــكـــــةٍ ونـــــثـــــرهْ

فــأقــعــد الغــازي له الكـمـيـنـا — وأخـــذ الشـــمـــال واليـــمــيــنــا

يــــوم عـــليـــه بـــنـــيـــتْ أيـــام — لأمـــــةٍ جـــــدودُهــــا قــــيــــام

مـن يـصـطـبـر للصـدمة الأولى يسدْ — لا يصلح الفَل ّ ولو كانوا الأسدْ

بــبــاب أليــون تــيـودور اعـتـصـمْ — فـيـمـن وهـىَ مـن الصـفـوف وانـفصمْ

وجــــيـــء بـــالأمـــداد والســـواد — مــن شــحـنـة الروم وقـبـط الوادي

وظــن أن الحــصــن مــعــجـز العـربْ — فـمـا لهـم غـيـر النـكـوص مـضـطـرب

فــــإن أبــــوا أدّبـــهـــم بـــيـــوم — مــــا بــــعـــده قـــائمـــةٌ للقـــوم

فــــوردتْ كـــتـــيـــبـــة الزّبـــيـــر — وعُــــمَــــرٌ مــــصــــدرُ كــــلّ خـــيـــر

وظــــل بــــابـــليـــون وهـــو عـــاص — عــلى الزبــيـر وعـلى ابـن العـاص

حـــتـــى تـــســـوّر الزبــيــر ســوره — واعــتــزّ فــي وكــونــهــا نــســوره

مــشــى عــلى نــاقــوســه مــكــبــرا — يــا لك نــاقــوسـاً أحـيـل مـنـبـرا

أوفــى عــلى القـوم فـريـع البـرجُ — بــــفــــارس له الســــمــــاء ســــرجُ

صـوتٌ هـفـا فـي الحـصـن بـالعـزائم — كـــنـــبــأةٍ فــي جــوف أيــكٍ نــائم

فــــضــــاع رشـــد الروم والصـــواب — وفــتــحــت مــن نــفـسـهـا الأبـواب

تــــبــــارك الله وجــــلّت العــــربْ — لم يــثــنــهــم جـوّ ولم يـعـقْ سـرَبْ

مــن فــتــح بــلبــيــس لعـيـن شـمـس — لا يــصـبـح الضـيـغـم حـيـث يـمـسـي

وركــب العــلج العـصـا بـمـن مـعـهْ — إلا قـليـلا غـودروا فـي المعمعهْ

يــبــغــي دمـنـهـور بـهـم فـجـاءهـا — فــي مــدد قــد مــلئوا أرجــاءهــا

وإذ عـــلى آثـــاره خــيــل العــرب — وخــــيــــله مــــن هـــرب إلى هـــربْ

بــعــد قــتــال جــال فــيــه الروم — وطـــاح أبـــطـــالهـــمـــو القـــروم

وانــدفــعــت خــيـل الإمـام تـعـدو — يـقـدمـهـا اليـمـن ويـحـدو السـعـدُ

حــتــى بــدا الثــغـر فـودّت قُـبْـلة — كـمـا اشـتـهـى العـبـسـيّ ثغر عبله

و رابـــطـــت فـــجـــرّت الأرســانــا — و التــفــتــت تـعـاتـب الفـرسـانـا

وطـــيـــف بــالثــغــر فــلا ثــنــيّهْ — إلا عـــليـــهـــا رصـــدُ المـــنـــيّه

فــكــيــف لا يـودي بـرشـدِ قـيـصـرا — أو بــصــواب قــومــه أن تــحــصــرا

أقــامــهــمْ ســقــوطــهــا وأقــعــدا — وزعـــمـــوه فـــوق طـــاقــة العــدا

وكــان فــي الإســكـنـدريـة المـلا — أمــلك فــي ســلطــانــهــم وأكـمـلا

جــمــوعـهـم فـي سـاحـهـا بـلا عـددْ — والبــحــر يــغـدو ويـروح بـالمـدد

ومــن أصــاب البـحـر فـي سـلطـانـه — عــدّ جــمــيـع الأرض مـن أوطـانـه

تــــقــــضّـــت الأيـــام والشـــهـــور — والســيــف فــي غـيـر وغـى مـشـهـور

يــفــتــرّ عــن لألائه فــم الجُـمَـعْ — وتــحــتــهــا للثــغــر خــوفٌ وطـمـعْ

وربّه يـــســـتـــنـــزل الرومـــانـــا — ويـــعـــرض الإصــلاح و الأمــانــا

حــــتــــى أعـــيـــن رجـــل الإمـــام — بـــرجـــل القـــيـــاصـــر الهـــمــام

وفــتــحــت مــديــنــة الإســكــنــدر — صــلحــا وصــفــوا ليــس بــالمـكـدر

تـــأخـــر الســيــف وشــارط النــدى — يــا غــبــن مـن يـشـارط المـهـنـدا

فـقـيـل راعـى المـسـلمـيـن الوالي — وكـــان فـــي الســـرّ لهـــم يــوالي

وقــــيــــل بــــل ذو مــــأرب أرادا — بــســلطــة الكــنــيــســة انـفـرادا

وكــان فــي فــروق سـلطـان البـيـع — تـعـنوا له في سائر الأرض الشّيع

حــكــم جــفــاه الاعــتــدال وقـسـا — إنــي أراهــم ظـلمـوا المـقـوقـسـا

لعــــله تـــبـــيـــن الحـــقـــائقـــا — وذاد عـــن مـــصــر بــلاء حــائقــا

ووجـــد الرومـــان و القــيــاصــرا — لا يــمـلكـون فـي البـلاد نـاصـرا

يــرونـهـا العـنـف والاسـتـكـبـارا — و لا تـــحـــب الأمـــم الجـــبــارا

مــمـا مـضـى الدهـر عـليـه والأول — أن النـــجـــاح لفـــتـــيّــات الدّول

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الرومان: الرُّومَان : سكّان مدينة روما.-: الذين منحتهم روما جنسيْتها (معـ).
  • الشمع: شمع: الشَّمَعُ والشَّمْعُ: مُومُ العَسل الَّذِي يُسْتَصْبَحُ بِهِ، الْوَاحِدَةُ شَمَعةٌ وشَمْعة؛ قَالَ الفراء: هذا كَلَامُ الْعَرَبِ والمُوَلَّدون يَقُولُونَ شَمْعٌ، بِالتَّسْكِينِ، والشَّمَعةُ أَخص مِنْهُ؛ قَالَ ابْنُ س …
  • العجم: عجم: العُجْمُ والعَجَمُ: خِلافُ العُرْبِ والعَرَبِ، يَعْتَقِبُ هذانِ المِثالانِ كَثِيرًا، يُقَالُ عَجَمِيٌّ وَجَمْعُهُ عَجَمٌ، وَخِلَافُهُ عَرَبيّ وَجَمْعُهُ عَرَبٌ، وَرَجُلٌ أَعْجَم وَقَوْمٌ أعْجَمُ؛ قَالَ: سَلُّومُ، لَ …
  • اليمام: اليَمَامُ : هو، في علم الأحْياء، جنس طير من الفصيلة الحماميّة ورتبة الحماميّات.- : الحمام البرّيّ، واحدته يمامَةٌ؛ يمامَةٌ بأعلى الشجرة.
  • انحطاط: الانْحِطَاطُ : مصـ.-: الهبوط -: التقهقر والتراجع؛ معظم الحضارات تمرّ بفترات تألق تتلوها فترات انحطاط.
  • بروجه: الرّوْجَةُ : العَجَلَة؛ ترى المسافرين في رَوْجَة من أمرهم.

قصائد ذات صلة

  • تلك الطبيعة قف بنا يا ساري
  • ساهى الجفون
  • كل اللي حب اتنصف
  • دار البشاير مجلسنا
  • أحب أشوفك كل يوم
  • أهون عليك تزيد ناري
  • يا ليلة الوصل استنى
  • الناس لليل تشكى