تجاوز إلى المحتوى

من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصيدة الشماخ

فيقول للشَّمّاخ بن ضرارٍ: لقد كان في نفسي أشياء من قصيدتك التي على الزاي، وكلمتك التي على الجيم، فأنشدنيهما لا زلت مخلَّداً كريماً.

فيقول: لقد شغلني عنهما النَّعيم الدائم فما أذكر منهما بيتاً واحداً. فيقول لفرط حبّه الأدب وإيثاره تشييد الفضل: لقد غفلت أيُّها المؤمن وأضعت! أما علمت أنَّ كلمتيك، أنفع لك من ابنتيك؟ ذكرت بهما الموطن، وشهرت عند راكب السَّفر والقاطن؛ وإنَّ القصيدة من قصائد النابغة، لأنفع له من ابنته عقرب، ولعل تلك شانته، وما زانته، وأصابها في الجاهلية سباء، وما وفر لأجلها الحباء. وإن شئت أن أنشدك قصيدتيك، فإن ذلك ليس بمتعذرٍ عليّ. فيقول: أنشدني، ضفت عليك نعمة الله، فينشده:

عفا من سليمى بطن قوٍ، فعالزفذات الغضا، فالمشرفات النَّواشز

فيجده بها غير عليم. ويسأله عن أشياء منها، فيصادفه بها غير بصير، فيقول: شغلتني لذائذ الخلود عن تعهُّد هذه المنكرات: « إن المتَّقين في ظلالٍ وعيونٍ، وفواكه ممَّا يشتهون، كلوا وأشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون »، إنّما كنت أسق هذه الأمور، وأنا آمل أن أفقر بها ناقةً، أو أعطى كيل عيالي سنةً، كما قال الراجز:

لو شاك من رأسك عظم يابسلآل منك جمل حمارس
سوى عليك الكيل شيخ بائسمثل الحصى يعجب منه اللامس

وأنا الان في تفضُّل الله، أغترف في مرافد العسجد من أنهار اللَّبن: فتارةً ألبان الإبل، وتارةً ألبان البقر، وإن شئت لبن الضأن فإنّه كثير جمٌّ، وكذلك لبن المعيز، وإن أحببت ورداً من رسل الأرواي، فربّ نهرٍ منه كأنه دجلة أو الفرات. ولقد أراني في دار الشّقوة أجهد أخلاف شياهٍ لجباتٍ، لا يمتلىء منهنَّ القعب.

فيقول، لا زال مقولاً للخير: فأين عمرو بن أحمر؟ فيقول عمروٌ: ها أنا ذا. فيقول: أنشدني قولك:

بان الشّباب، وأخلف العمروتغيَّر الإخوان والدّهر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»

وقد اختلف الناس في تفسير العمر، فقيل: إنّك أردت البقاء، وقيل: إنّك أردت الواحد من عمور الأسنان، وهو اللَّحم الذي بينها. فيقول عمرو متمثلاً:

خذا وجه هرشى أو كلاهما، فإنَّهكلا جانبي هرشى لهنّ طريق

ولم تترك فيَّ أهوال القيامة غبَّراً للانشاد، أما سمعت الآية: « يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعةٍ عمَّا ارضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى النَّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنَّ عذاب الله شديد » وقد شهدت الموقف، فالعجب لك إذ بقي معك شيء من روايتك! فيقول الشيخ: إنّي كنت أخلص الدُّعاء في أعقاب الصلوات، قبل أن أنتقل من تلك الدار، أن يمتعني الله بأدبي في الدُّنيا والآخرة، فأجابني إلى ما سألت وهو الحميد المجيد: ولقد يعجبني قولك:

ولقد غدوت، وما يفزِّعنيخوف أحاذره ولا ذعر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
رؤد الشَّباب، كأنّني غصنبحرام مكّة، ناعم نضر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
كشراب قيلٍ عن مطيَّتهوكلِّ أمرٍ واقعٍ قدر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
مدّ النَّهار له، وطال عليه الليل واستنعت به الخمر
ومسفة دهماء داجنةركدت، وأسبل دونها السِّتر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
وجرادتان تغنِّيانهموتلألأ المرجان والشَّذر
ومجلجل دانٍ زبرجدهحدب كما يتحدَّب الدَّبر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
ونَّان حنَّانان، بينهماوتر أجشُّ، غناؤه زمر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
وبعيرهم ساجٍ بجرَّتهلم يؤذه غرث ولا نفر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»
فإذا تجرّد، شق بازلهوإذا أصاخ فإنّه بكر
خلّوا طريق الديدبون فقدولَّى الصَّبا وتفاوت النَّجر
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «عوجوا فحيوا أيها السفر»

فما أردت بقولك: كشراب قيلٍ؟ الواحد من الأقيال؟ أم قيل ابن عتر من عاد؟ فيقول عمرو: الوجهين ليتصوّران. فيقول الشيخ، بلغه الله الأمانيَّ: ممّا يدل على أنَّ المراد قيل بن عتر، قولك: وجرادتان تغنيّانهم، لأن الجرادتين، فيما قيل، مغنِّيتان غنتا لوفد عادٍ عند الجرهميِّ بمكة، فشغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله، سبحانه وتعالى، فيما قصدوا له فهلكت عاد وهم سامدون.

ولقد وجدت في بعض كتب الأغاني صوتاً يقال غنَّته الجرادتان، فتفكّنت لذلك، والصوت:

قفر من أهله المصيففبطن عردة، فالغريف
هل تبلغنّي ديار قوميمهريَّة، سيرها تلقيف
يا أمَّ عثمان نوِّلينيهل ينفع النّائل الطّفيف

وهذا شعر على قريِّ: أقفر من أهله ملحوب ومن الذي نقل إلى المغنين في عصر هارون وبعده أنَّ هذا الشعر غنَّته الجرادتان؟ إنّ ذلك لبعيد في المعقول، وما أجدره أن يكون مكذوباً.

وقولك: ومسفة دهماء داجنة، ما أردت به؟ وقولك: ومجلجل دانٍ زبرجده؟ فيقول ابن أحمر: أمّا ذكر الجرادتين فلا يدلَّ على أني خصصت قيل بن عترٍ وإن كان في الوفد الذي غنَّته الجرادتان، لأن العرب صارت تسمّي كلُّ قينةٍ جرادةً، حملاً على أنّ قينة في الدّهر الأول كانت تدعى الجرادة. قال الشاعر:

تغنِّينا الجراد، ونحن شربنعلُّ الرّاح خالطها المشور

وأمّا المسفَّة الدَّهماء، فإنّها القدر. وأمّا المجلجل الداني زبرجده، فهو العود، وزبرجده ما حسن منه، أما تسمع القائل يسمّي ما تلوّن من السحاب زبرجاً؟ ومن روى: مجلجل، بكسر الجيم، أراد السحاب.

فيعجب الشيخ من هذه المقالة، ويقول: كأنّك أيُّها الرجل وأنت عربي صميم يستشهد بألفاظك وقريضك، تزعم أن الزبرجد من الزِّبرج، فهذا يقوّي ما ادّعاه صاحب العين من أنّ الدال الزائدة في قولهم: صلخدم، وأهل البصرة ينفرون من ذلك.

فيلهم الله القادر ابن أحمر علم التصريف، ليري الشيخ برهان القدرة، فيقول ابن أحمر: وماذا الذي أنكرت أن يكون الزبرج من لفظ الزَّبرجد؟ كأنّ فعلاً صرِّف من الزّبرجد، فلم يمكن أن يجاء بحروفه كلّها، إذا كانت الأفعال لا يكون فيها خمسة أحرفٍ من الأصول، فقيل: يزبرج، ثم بني من ذلك الفعل اسم فقيل: زبرج، ألا ترى أنَّهم إذا صغَّروا فرزدقاً قالوا: فريزد، وإذا جمعوه قالوا: قالوا: فرازد؟ وليس ذلك بدليل على أن القاف زائدة. فيقول، خلّد الله ألفاظه في ديوان الأدب: كأنّك زعمت أنّ فعلاً أخذ من الزَّبرجد، ثم بني منه الزَّبرج، فقد لزمك على هذا، أن تكون الأفعال قبل الأسماء. فيقول ابن أحمر: لا يلزمني ذلك، لأني جعلت زبرجداً أصلاً، فيجوز أن يحدث منه فروغ ليس حكمها كحكم الأصول. ألا ترى أنهم يقولون: إنّ الفعل مشتقٌّ من المصدر؟ فهذا أصل، ثم يقولون: الصِّفة الجارية على الفعل، يعنون: الضارب والكريم وما كان نحوهما، فليس قولهم هذه المقالة بدليلٍ على أنّ الصفة مشتقة من الفعل، إذا كانت اسماً، وحقٌّ الأسماء أن تكون قبل الأفعال، وإنِّما يراد أنَّه ينطق بالفعل منها كثيراً. ولمدَّعٍ أن يقول: الفعل مشتقٌّ من المصدر فهو فرع عليه، والصِّفة فرع آخر، فيجوز أن يتقدَّم أحد الفرعين على صاحبه.

ثمَّ يذكر له أشياء من شعره، فيجده عن الجواب مستعجماً، إن نطق نطق محجماً.

النص من «رسالة الغفران» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.