من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر ليلى ونسبها وخبر توبة بن الحميّر معها وخبر مقتله
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هي ليلى بنت عبد اللّه بن الرّحّال - وقيل ابن الرحّالة - بن شدّاد بن كعب بن معاوية، وهو الأخيل وهو فارس الهرّار، ابن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وهي من النساء المتقدّمات في الشعر من شعراء الإسلام.
وكان توبة بن الحميّر يهواها. وهو توبة بن الحميّر بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل.
أخبرني ببعض أخبارهما أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ ومحمد بن حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد الورّاق قال حدّثنا محمد بن عليّ أبو المغيرة قال حدّثنا أبي عن أبي عبيدة قال حدّثني أنيس بن عمرو العامريّ قال: كان توبة بن الحميّر أحد بني الأسديّة، وهي عامرة بنت والبة بن الحارث، وكان يتعشّق ليلى بنت عبد اللّه بن الرحّالة ويقول فيها الشعر، فخطبها إلى أبيها فأبى أن يزوّجه إيّاها وزوّجها في بني الأدلع. فجاء يوما كما كان يجيء لزيارتها، فإذا هي سافرة ولم ير منها إليه بشاشة، فعلم أنّ ذلك لأمر ما كان، فرجع إلى راحلته فركبها ومضى، وبلغ بني الأدلع أنّه أتاها فتبعوه ففاتهم. فقال توبة في ذلك:
نأتك بليلى دارها لا تزورهاوشطّت نواها واستمرّ مريرها
وهي طويلة، يقول فيها:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعتفقد رابني منها الغداة سفورها
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: كان توبة بن الحميّر إذا أتى ليلى الأخيليّة خرجت إليه في برقع. فلمّا شهر أمره شكوه إلى السّلطان، فأباحهم دمه إن أتاهم. فمكثوا له في الموضع الذي كان يلقاها فيه. فلمّا علمت به خرجت سافرة حتى جلست في طريقه فلمّا رآها سافرة فطن لما أرادت وعلم أنه قد رصد، وأنها سفرت لذلك تحذّره، فركض فرسه فنجا. وذلك قوله:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعتفقد رابني منها الغداة سفورها
قال أبو عبيدة وحدّثني غير أنيس أنه كان يكثر زيارتها، فعاتبه أخوها وقومها فلم يعتب، وشكوه إلى قومه فلم يقلع، فتظلّموا منه إلى السّلطان فأهدر دمه إن أتاهم. وعلمت ليلى بذلك، وجاءها زوجها وكان غيورا فحلف لئن لم تعلمه بمجيئه ليقتلنّها، ولئن أنذرته بذلك ليقتلنّها. قالت ليلى: وكنت أعرف الوجه الذي يجيئني منه، فرصدوه بموضع ورصدته بآخر، فلمّا أقبل لم أقدر على كلامه لليمين، فسفرت وألقيت البرقع عن رأسي. فلمّا رأى ذلك أنكره فركب راحلته ومضى ففاتهم.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن معاوية بن بكر قال حدّثني أبو زياد الكلابيّ قال: خرج رجل من بني كلاب ثم من بني الصحمة يبتغي إبلا له حتى أوحش وأرمل، ثم أمسى بأرض فنظر إلى بيت بواد، فأقبل حتى نزل حيث ينزل الضيف، فأبصر امرأة وصبيانا يدورون بالخباء فلم يكلّمه أحد. فلمّا كان بعد هدأة من الليل سمع جرجرة إبل رائحة، وسمع فيها صوت رجل حتى جاء بها فأناخها على البيت، ثم تقدّم فسمع الرجل يناجي المرأة ويقول: ما هذا السّواد حذآءك؟ قالت: راكب أناخ بنا حين غابت الشمس ولم أكلّمه.
فقال لها: كذبت، ما هو إلا بعض خلّانك، ونهض يضربها وهي تناشده، قال الرجل: فسمعته يقول: واللّه لا أترك ضربك حتى يأتي ضيفك هذا فيغيثك. فلمّا عيل صبرها قالت: يا صاحب البعير يا رجل! وأخذ الصحميّ هرواته ثم أقبل يحضر حتى أتاها وهو يضربها، فضربه ثلاث ضربات أو أربعا، ثم أدركته المرأة فقالت: يا عبد اللّه، ما لك ولنا! نحّ عنّا نفسك، فانصرف فجلس على راحلته وأدلج ليلته كلّها وقد ظنّ أنه قتل الرجل وهو لا يدري من الحيّ بعد، حتى أصبح في أخبية من الناس، ورأى غنما فيها أمة مولّدة، فسألها عن أشياء حتى بلغ به الذكر، فقال: أخبريني عن أناس وجدتهم بشعب كذا. فضحكت وقالت: إنك لتسألني عن شيء وأنت به عالم. فقال: وما ذاك للّه بلادك؟ فو اللّه ما أنا به عالم. قالت: ذاك خباء ليلى الأخيليّة، وهي أحسن الناس وجها، وزوجها رجل غيور فهو يعزب بها عن الناس فلا يحلّ بها معهم، واللّه ما يقربها أحد ولا يضيفها، فكيف نزلت أنت بها؟ قال.
إنما مررت فنظرت إلى الخباء ولم أقربه، وكتمها الأمر. وتحدّث الناس عن رجل نزل بها فضربها زوجها فضربه الرجل ولم يدر من هو. فلمّا أخبر باسم المرأة وأقرّ على نفسه تغنّى بشعر دلّ فيه على نفسه وقال:
ألا يا ليل أخت بني عقيلأنا الصّحميّ إن لم تعرفيني
دعتني دعوة فحجزت عنهابصكّات رفعت بها يميني
فإن تك غيرة أبرئك منهاوإن تك قد جننت فذا جنوني
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا رشد بن خنتم الهلاليّ قال حدّثني أيّوب بن عمرو عن رجل يقال له ورقاء قال: سمعت الحجّاج يقول لليلى الأخيليّة: إنّ شبابك قد ذهب، واضمحلّ أمرك وأمر توبة؛ فأقسم عليك إلّا صدقتني، هل كانت بينكما ريبة قطّ أو خاطبك في ذلك قطّ؟ فقالت: لا واللّه أيّها الأمير إلا أنّه قال لي ليلة وقد خلونا كلمة ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر، فقلت له.
وذي حاجة قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى فارغ وحليل
فلا واللّه ما سمعت منه ريبة بعدها حتى فرّق بيننا الموت. قال لها الحجاج: فما كان منه بعد ذلك؟
قالت: وجّه صاحبا له إلى حاضرنا فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاعل شرفا ثم اهتف بهذا البيت:
عفا اللّه عنها هل أبيتنّ ليلةمن الدهر لا يسري إليّ خيالها
فلمّا فعل الرجل ذلك عرفت المعنى فقلت له:
وعنه عفا ربّي وأحسن حفظهعزيز علينا حاجة لا ينالها
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء، وهو أجمع في قصيدة توبة.
صوت
حمامة بطن الواديين ترنّميسقاك من الغرّ الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعماولا زلت في خضراء دان بريرها
وأشرف بالقوز اليفاع لعلّنيأرى نار ليلى أو يراني بصيرها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعتفقد رابني منها الغداة سفورها
عليّ دماء البدن إن كان بعلهايرى لي ذنبا غير أنّي أزورها
وأنّي إذا ما زرتها قلت يا اسلميوما كان في قولي اسلمي ما يضيرها
وغيّرني إن كنت لمّا تغيّريهواجر تكتنّينها وأسيرها
وأدماء من سرّ المهاري كأنّهامهاة صوار غير ما مسّ كورها
قطعت بها أجواز كلّ تنوفةمخوف رداها كلّما استنّ مورها
ترى ضعفاء القوم فيها كأنّهمدعاميص ماء نشّ عنها غديرها
غنّى في الأربعة الأبيات الأول فليح بن أبي العوراء ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وغنّى في الثالث والرابع ابن سريح رملا بالوسطى عن الهشاميّ وعليّ بن يحيى المنجّم، وذكر غيرهما أنه لمحمد بن إسحاق بن عمرو بن بزيع.
وغنّى فيها الهذليّ ثقيلا أوّل بالبنصر عن حبش. وغنّى ابن محرز في «عليّ دماء البدن» والذي بعده خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وعن ابن مسجح في:
وغيّرني إن كنت لمّا تغيّري
وما بعده لحن ذكر أنّ عبد اللّه بن جعفر روّاه الأبيات وأمره أن يغنّي بها، أخبرني بذلك إسماعيل بن يونس الشّيعيّ عن عمر بن شبّة عن إسحاق الموصليّ عن ابن الكلبيّ في خبر قد ذكرته في أخبار ابن مسجح، وذكر الهشاميّ أن اللحن ثقيل أوّل بالوسطى.
حدّثنا أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال حدّثني محمد بن يعقوب بالأنبار قال حدّثني من أنشد الأصمعيّ:
عليّ دماء البدن إن كان زوجهايرى لي ذنبا غير أنّي أزورها
وأنّي إذا ما زرتها قلت يا اسلمىفهل كان من قولي اسلمي ما يضيرها
فقال الأصمعيّ: شكوى مظلوم، وفعل ظالم.
أخبرني بالسبب في مقتل توبة محمد بن الحسن بن دريد إجازة عن أبي حاتم السّجستانيّ عن أبي عبيدة، والحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا محمد بن عليّ بن المغيرة عن أبيه عن أبي عبيدة، وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أخبرنا أبو سعيد السّكّري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي، ورواية أبي عبيدة أتمّ واللّفظ له. قال أبو عبيدة: كان الذي هاج مقتل توبة بن الحميّر بن حزم بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أنّه كان بينه وبين بني عامر بن عوف بن عقيل لحاء، ثم إنّ توبة شهد بني خفاجة وبني عوف وهم يختصمون عند همّام بن مطرف العقيليّ في بعض أمورهم. قال: وكان مروان بن الحكم يومئذ أميرا على المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان، فاستعمله على صدقات بني عامر. قال: فوثب ثور بن أبي سمعان بن كعب بن عامر بن عوف بن عقيل على توبة بن الحميّر فضربه بجرز وعلى توبة الدرع والبيضة، فجرح أنف البيضة وجه توبة. فأمر همام بثور بن أبي سمعان فأقعد بين يدي توبة، فقال: خذ بحقّك يا توبة. فقال له توبة: ما كان هذا إلّا عن أمرك، وما كان ليجترىء عليّ عند غيرك. وأمّ همّام صوبانة بنت جون بن عامر بن عوف بن عقيل، فاتّهمه توبة لذلك، فانصرف ولم يقتصّ منه. فمكثوا غير كثير، وإنّ توبة بلغة أنّ ثور بن أبي سمعان خرج في نفر من رهطه إلى ماء من مياه قومه يقال له قوباء يريدون مالهم بموضع يقال له جرير بتثليث - قال: وبينهما فلاة - فاتّبعه توبة في ناس من أصحابه، فسأل عنه وبحث حتى ذكر له أنه عند رجل من بني عامر بن عقيل يقال له سارية بن عمير بن أبي عديّ وكان صديقا لتوبة. فقال توبة: واللّه لا نطرقهم عند سارية الليلة حتى يخرجوا عنه. فأرادوا أن يخرجوا حين يصبحون. فقال لهم سارية. ادّرعوا الليل؛ فإنّي لا آمن توبة عليكم الليلة فإنه لا ينام عن طلبكم. قال: فلمّا تعشّوا ادّرعوا الليل في الفلاة. وأقعد له توبة رجلين فغفل صاحبا توبة.
فلمّا ذهب الليل فزع توبة وقال: لقد اغتررت إلى رجلين ما صنعا شيئا، وإنّي لأعلم أنهم لم يصبحوا بهذا البلاد، فاقتصّ آثارهم، فإذا هو بأثر القوم قد خرجوا، فبعث إلى صاحبيه فأتياه، فقال: دونكما هذا الجمل فأوقراه من الماء في مزادتيه ثم اتّبعها أثري، فإن خفي عليكما أن تدركاني فإني سأنوّر لكما إن أمسيتما دوني.
وخرج توبة في أثر القوم مسرعا، حتى إذا انتصف النهار جاوز علما يقال له أفيح في الغائط. فقال لأصحابه: هل ترون سمرات إلى جنب قرون بقر؟ - وقرون بقر مكان هنالك - فإنّ ذلك مقيل القوم لم يتجاوزوه فليس وراءه ظلّ. فنظروا فقال قائل: أرى رجلا يقود بعيرا كأنه يقوده لصيد. قال توبة: ذلك ابن الحبتريّة، وذلك من أرمى من رمى. فمن له يختلجه دون القوم فلا ينذرون بنا؟ قال: فقال عبد اللّه أخو توبة: أنا له.
قال: فاحذر لا يضربنّك، وإن استطعت أن تحول بينه وبين أصحابه فافعل. فخلّي طريق فرسه في غمض من الأرض، ثم دنا منه فحمل عليه، فرماه لابن الحبتريّة - قال: وبنو الحبتر ناس من مذحج في بني عقيل - فعقر فرس عبد اللّه أخي توبة واختلّ السهم ساق عبد اللّه، فانحاز الرجل حتى أتى أصحابه فأنذرهم، فجمعوا ركابهم وكانت متفرّقة. قال: وغشيهم توبة ومن معه، فلمّا رأوا ذلك صفّوا رحالهم وجعلوا السّمرات في نحورهم وأخذوا سلاحهم ودرقهم، وزحف إليهم توبة، فارتمى القوم لا يغني أحد منهم شيئا في أحد. ثم إنّ توبة وكان يترّس له أخوه عبد اللّه، قال: يا أخي لا تترّس لي؛ فإني رأيت ثورا كثيرا ما يرفع التّرس، عسى أن أوافق منه عند رفعه مرمى فأرميه. قال: ففعل، فرماه توبة على حلمة ثديه فصرعه. وجال القوم فغشيهم توبة وأصحابه فوضعوا فيهم السّلاح حتى تركوهم صرعى وهم سبعة نفر. ثم إنّ ثورا قال انتزعوا هذا السهم عنّي. قال توبة: ما وضعناه لننتزعه. فقال أصحاب توبة: انج بنا نأخذ آثارنا ونلحق راويتنا، فقد أخذنا ثأرنا من هؤلاء وقد متنا عطشا. قال توبة: كيف بهؤلاء القوم الذي لا يمنعون ولا يمتنعون!. فقالوا: أبعدهم اللّه. قال توبة: ما أنا بفاعل وما هم إلّا عشيرتكم، ولكن تجيء الراوية فأضع لهم ماء وأغسل عنهم دماءهم وأخيل عليهم من السّباع والطير لا تأكلهم حتى أوذن قومهم بهم بعمق. فأقام توبة حتّى أتته الراوية قبل اللّيل، فسقاهم من الماء وغسل عنهم الدماء، وجعل في أساقيهم ماء، ثم خيّل لهم بالثّياب على الشجر، ثم مضى حتى طرق من اللّيل سارية بن عويمر بن أبي عديّ العقيليّ فقال: إنّا قد تركنا رهطا من قومكم بسمرات من قرون بقر، فأدركوهم، فمن كان حيّا فداووه، ومن كان ميّتا فادفنوه، ثم انصرف فلحق بقومه. وصبّح سارية القوم فاحتملهم وقد مات ثور بن أبي سمعان ولم يمت غيره. فلم يزل توبة خائفا. وكان السّليل بن ثور المقتول راميا كثير البغي والشرّ، فأخبر بغرّة من توبة وهو بقنّة من قنان الشّرف يقال لها قنّة بني الحميّر، فركب في نحو ثلاثين فارسا حتى طرقه؛ فترقّى توبة ورجل من إخوته في الجبل، فأحاطوا بالبيوت، فناداهم وهو في الجبل: هأنذا من تبغون فاجتنبوا البيوت. فقالوا: إنكم لن تستطيعوه وهو في الجبل، ولكن خذوا ما استدفّ لكم من ماله، فأخذوا أفراسا له ولإخوته وانصرفوا. ثم إنّ توبة غزاهم، فمرّ على أفلت بن حزن بن معاوية بن خفاجة ببطن بيشة. فقال: يا توبة أين تريد؟ قال: أريد الصبيان من بني عوف بن عقيل. قال: لا تفعل فإنّ القوم قاتلوك، فمهلا. قال: لا أقلع عنهم ما عشت، ثم ضرب بطن فرسه فاستمرّ به يحضر وهو يرتجز ويقول:
تنجو إذا قيل لها يعاطتنجو بهم من خلل الأمشاط
حتى انتهى إلى مكان، يقال له حجر الرّاشدة، ظليل، أسفله كالعمود، وأعلاه منتشر، فاستظلّ فيه هو وأصحابه. حتى إذا كان بالهاجرة مرّت عليه إبل هبيرة بن السّمين أخي بني عوف بن عقيل واردة ماء لهم يقال له طلوب، فأخذها وخلّى طريق راعيها، وقال له: إذا أتيت صدغ البقرة مولاك فأخبره أنّ توبة أخذ الإبل، ثم انصرف توبة يطرد الإبل. قال: فلمّا ورد العبد على مولاه فأخبره نادى في بني عوف وقال: حتّام هذا!.
فتعاقدوا بينهم نحوا من ثلاثين فارسا ثم اتّبعوه. ونهضت امرأة من بني خثعم من بني الهرّة كانت في بني عوف وكانت تؤخّذ لهم، فقالت: أروني أثره، فخرجوا بها فأروها أثره، فأخذت من ترابه فسافته فقالت: اطلبوه فإنّه سيحبس عليكم. فطلبوه فسبقهم، فتلاوموا بينهم وقالوا: ما نرى له أثرا، وما نراه إلا وقد سبقكم. قال: وخرج توبة حتى إذا كان بالمضجع من أرض بني كلاب جعل نذارته وحبس أصحابه. حتى إذا كان بشعب من هضبة قال لها هند من كبد المضجع جعل ابن عمّ له يقال له قابض بن عبد اللّه ربيئة له على رأس الهضبة فقال: انظر فإن شخص لك شيء فأعلمنا. فقال عبد اللّه بن الحميّر: يا توبة إنّك حائن، أذكّرك اللّه، فو اللّه ما رأيت يوما أشبه بسمرات بني عوف يوم أدركناهم في ساعتهم التي أتيناهم فيها منه، فانج إن كان بك نجاة.
قال: دعني، فقد جعلت ربيئة ينظر لنا. قال: ويرجع بنو عوف بن عقيل حين لم يجدوا أثر توبة فيلقون رجلا من غنيّ، فقالوا له: هل أحسست في مجيئك أثر خيل أو أثر إبل؟ قال: لا واللّه. قالوا: كذبت وضربوه. فقال: يا قوم لا تضربوني، فإني لم أجد أثرا، ولقد رأيت زهاء كذا وكذا إبلا شخوصا في هاتيك الهضبة، وما أدري ما هو. فبعثوا رجلا منهم يقال له يزيد بن رويبة لينظر حتّى ما في الهضبة. فأشرف على القوم، فلما رآهم ألوى بثوبه لأصحابه حتّى جاءوا، فحمل أوّلهم على القوم حتى غشي توبة، وفزع توبة وأخوه إلى خيلهما، فقام توبة إلى فرسه فغلبته لا يقدر على أن يلجمها ولا وقفت له، فخلّى طريقها، وغشيه الرّجل فاعتنقه، فصرعه توبة وهو مدهوش وقد لبس الدّرع على السيف فانتزعه ثم أهوى به ليزيد بن رويبة فاتّقاه بيده فقطع منها، وجعل يزيد يناشده رحم صفيّة، وصفيّة أمّ له من بني خفاجة. وغشي القوم توبة من ورائه فضربوه فقتلوه، وعلقهم عبد اللّه بن الحمّير يطعنهم بالرّمح حتى انكسر. قال: فلمّا فرغوا من توبة لووا على عبد اللّه بن الحميّر فضربوا رجله فقطعوها. فلمّا وقع بالأرض أشرع سيفه وحده ثم جثا على ركبتيه وجعل يقول: هلمّوا، ولم يشعر القوم بما أصابه. وانصرف بنو عوف بن عقيل، وولّى قابض منهزما حتى لحق بعبد العزيز بن زرارة الكلابيّ فأخبره الخبر. قال: فركب عبد العزيز حتى أتى توبة فدفنه وضمّ أخاه. ثم ترافع القوم إلى مروان بن الحكم، فكافأ بين الدّمين وحملت الجراحات.
ونزل بنو عوف بن عقيل البادية ولحقوا بالجزيرة والشام.
قال أبو عبيدة: وقد كان توبة أيضا يغير زمن معاوية بن أبي سفيان على قضاعة وخثعم ومهرة وبني الحارث بن كعب. وكانت بينهم وبين بني عقيل مغاورات، فكان توبة إذا أراد الغارة عليهم حمل الماء معه في الرّوايا ثم دفنه في بعض المفازة على مسيرة يوم منها؛ فيصيب ما قدر عليه من إبلهم فيدخلها المفازة فيطلبه القوم، فإذا دخل المفازة أعجزهم فلم يقدروا عليه فانصرفوا عنه. قال: فمكث كذلك حينا. ثم إنه أغار في المرّة الأولى التي قتل فيها هو وأخوه عبد اللّه بن الحميّر ورجل يقال له قابض بن أبي عقيل، فوجد القوم قد حذروا فانصرف توبة مخفقا لم يصب شيئا. فمرّ برجل من بني عوف بن عامر بن عقيل متنحّيا عن قومه، فقتله توبة وقتل رجلا كان معه من رهطه واطّرد إبلهما، ثم خرج عامدا يريد عبد العزيز بن زرارة بن جزء بن سفيان بن عوف بن كلاب، وخرج ابن عمّ لثور بن أبي سمعان المقتول، فقال له خزيمة: صر إلى بني عوف بن عامر بن عقيل فأخبرهم الخبر. فركبوا في طلب توبة فأدركوه في أرض بني خفاجة، وقد أمن في نفسه فنزل، وقد كان أسرى يومه وليلته، فاستظلّ ببرديه وألقى عنه درعه وخلّى عن فرسه الخوصاء تتردّد قريبا منه، وجعل قابضا ربيئة له ونام، فأقبلت بنو عوف بن عامر متقاطرين لئلّا يفطن لهم أحد، فنظر قابض فأبصر رجلا منهم فأقبل إلى توبة فأنبهه. فقال توبة: ما رأيت؟
قال: رأيت شخص رجل واحد، فنام ولم يكترث له، وعاد قابض إلى مكانه فغلبته عيناه فنام. قال: فأقبل القوم على تلك الحال فلم يشعر بهم قابض حتى غشوه، فلما رآهم طار على فرسه. وأقبل القوم إلى توبة، وكان أوّل من تقدّم غلام أمرد على فرس عري يقال له يزيد بن رويبة بن سالم بن كعب بن عوف بن عامر بن عقيل؛ ثم تلاه ابن عمّه عبد اللّه بن سالم ثم تتابعوا. فلمّا سمع توبة وقع الخيل نهض وهو وسنان فلبس درعه على سيفه ثم صوّت بفرسه الخوصاء فأتته، فلمّا أراد أن يركبها أهوت ترمحه، ثلاث مرّات، فلمّا رأى ذلك لطم وجهها فأدبرت، وحال القوم بينه وبينها. فأخذ رمحه وشدّ على يزيد بن رويبة فطعنه فأنفذ فخذيه جميعا. وشدّ على توبة ابن عمّ الغلام عبد اللّه بن سالم فطعنه فقتله، وقطعوا رجل عبد اللّه. فلمّا رجع عبد اللّه بعد ذلك إلى قومه لاموه وقالوا له: فررت عن أخيك، فقال عبد اللّه بن الحميّر في ذلك. قال أبو عبيدة وحدّثني أيضا مزرّع بن عبد اللّه بن همّام بن مطرّف بن الأعلم قال: كان أهل دار من بني جشم بن بكر بن هوازن يقال لهم بنو الشّريد حلفاء لبني عداد بن خفاجة في الإسلام، فكان بينهم وبين خميس بن ربيعة رهط قومه قتال على ماءة تدعى الحليفة وعامّتها لجدّ بن همّام. قال وشهد عبد اللّه بن الحميّر ذلك وهو أعرج، عرج يوم قتل توبة فلم يغن كثير غناء. فقالت بنو عقيل: لو توبة تلقّاهم لبلوا منه بغير أفوق ناصل. فقال عبد اللّه بن الحميّر يعتذر إليهم:
تأوّبني بعارمة الهمومكما يعتاد ذا الدّين الغريم
كأنّ الهمّ ليس يريد غيريولو أمسى له نبط وروم
علام تقوم عاذلتي تلومتؤرّقني وما إنجاب الصّريم
فقلت لها رويدا كي تجلّىغواشي النّوم والليل البهيم
ألمّا تعلمي أنّي قديماإذا ما شئت أعصي من يلوم
وأنّ المرء لا يدري إذا مايهمّ علام تحمله الهموم
وقد تعدي على الحاجات حرفكركن الرّعن ذعلبة عقيم
مداخلة الفقار وذات لوثعلى الحزّان مقحمة غشوم
كأنّ الرّحل منها فوق جأببذات الحاذ معقله الصّريم
طباه برجلة البقّار برقفبات الليل منتصبا يشيم
فبينا ذاك إذ هبطت عليهدلوح المزن واهية هزيم
تهبّ لها الشّمال فتمتريهاويعقبها بنافحة نسيم
يكبّ إذا الرّذاذ جرى عليهكما يصغي إلى الآسي الأميم
إذا ما قال أقشع جانباهنشت من كلّ ناحية غيوم
فأشعر ليلة أرقا وقرّايسهّره كما أرق السليم
ألا من يشتري رجلا برجلتخوّنها السّلاح فما تسوم
تلومك في القتال بنو عقيلوكيف قتال أعرج ولا يقوم
ولو كنت القتيل وكان حيّالقاتل لا ألفّ ولا سئوم
ولا جثّامة ورع هيوبولا ضرع إذا يمسي جثوم
قال: ثم إنّ خفاجة رهط توبة جمعوا لبني عوف بن عامر عقيل الذين قتلوا توبة، فلمّا بلغهم الخبر لحقوا ببني الحارث بن كعب، ثم افترقت بنو خفاجة. فلمّا بلغ ذلك بني عوف رجعوا، فجمعت لهم بنو خفاجة أيضا قبائل عقيل. فلمّا رأت كذلك بنو عوف بن عامر بن عقيل لحقوا بالجزيرة فنزلوها؛ وهم رهط إسحاق بن مسافر بن ربيعة بن عاصم بن عمرو بن عامر بن عقيل. ثمّ إنّ بني عامر بن صعصعة صاروا في أمرهم إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، فقالوا: ننشدك اللّه أن تفرّق جماعتنا، فعقل توبة وعقل الآخرين معاقل العرب مائة من الإبل، فأدّتها بنو عامر. قال: فخرجت بنو عوف بن عامر قتله توبة فلحقوا بالجزيرة، فلم يبق بالعالية منهم أحد، وأقامت بنو ربيعة بن عقيل وعروة بن عقيل وعبادة بن عقيل بمكانهم بالبادية.
قال أبو عبيدة وحدّثنا مزرّع بن عمرو بن همّام - قال أبو عبيدة: وكان مع أبو الخطّاب وغيره - قال: توبة ابن حميّر بن ربيعة بن كعب بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، وأمّه زبيدة. فهاج بينه وبين السّليل بن ثور بن أبي سمعان بن عامر ابن عوف بن عقيل كلام، وكان شرّيرا ونظير توبة في القوّة والبأس، فبلغ الحور (وهو الكلام) إلى أن أوعد كلّ واحد منهما صاحبه، فالتقى بعد ذلك توبة والسّليل على غدير من ماء السماء، فرمى توبة السليل فقتله. ثم إنّ توبة أغار ثانية على إبل بني السّمين بن كعب بن عوف بن عقيل واردة ماءهم فاطّردها. واتبعوه وهم سبعة نفر: يزيد بن رويبة، وعبد اللّه بن سالم، ومعاوية بن عبد اللّه - قال أبو عبيدة: ولم يذكر غير هؤلاء - فانصرفوا يجنبون الخيل يحملون المزاد، فقصّوا أثر توبة وأصحابه فوجدوهم وقد أخذوا في المضجع من أرض بني كلاب في أرض دمثة تربة، فضلّت فرس توبة الخوصاء من اللّيل، فأقام واضطجع حتى أصبح، وساق أصحابه الإبل، وهم ثلاثة نفر سوى توبة: المحرز أحد بني عمرو بن كلاب، وقابض بن أبي عقيل أحد بني خفاجة، وعبد اللّه بن حميّر أخو توبة لأمّه وأبيه. فلمّا أصبح توبة أذا فرسه الخوصاء راتعة أدنى ظلم قريبة منه ليس دونها وجاح فأشلاها حتى أتته، ثم خرج يعدو حتى لحق بأصحابه، فانتهوا إلى هضبة بكبد المضجع، فارتقى توبة فوقها ينظر الطّلب، فرآه القوم ولم يرهم عند طلوع الشمس، وبالت الخوصاء حين انتهت إلى الهضبة، فقال القوم: إنه لطائر أو إنسان. فركب يزيد بن رويبة وكان أحدث القوم سنّا، وأمّه بنت عمّ توبة، فأغار ركضا حتى انتهى إلى الهضبة، فإذا بول الفرس وعليه بقيّة من رغوته، وإذا أثر توبة يعرفونه، فرجع فخبّر أصحابه. واندفع توبة وأصحابه حتى نزلوا إلى طرف هضبة يقال لها الشّجر من أرض بني كلاب، فقالوا بالظّهيرة، فلم يشعر شعره إلّا والإبل قد نفرت، وكانت بركا بالهاجرة، من وئيد الخيل. فوثب توبة، وكان لا يضع السيف، فصبّ الدّرع على السيف متقلّده وهلا، وداجت القوم، فطلب قائم السيف فلم يقدر عليه تحت الدّرع فلم يستطع سلّه، فطار إلى الرّمح فأخذه، فأهوى به طعنا إلى يزيد بن رويبة، وقد كان يزيد عاهد اللّه ليقتلنّه أو ليأخذنّه، فأنفذ فخذ يزيد، واعتنقه يزيد فعضّ بوجنتيه، واستدبره عبد اللّه بالسيف ففلق رأس توبة. وهيّت توبة حين اعتوره الرجلان بقابض: يا قابض فلم يلو عليه، وفرّ قابض والكلابيّ، وذبّ عبد اللّه بن حميّر عن أخيه؛ فأهوى له معاوية بن عبد اللّه بالسيف فأصاب ركبته فاختلعت (أي سقطت). فأتى قابض من فوره ذلك عبد العزيز بن زرارة أحد بين أبي بكر بن كلاب فقال: قتل توبة. فنادى في قومه، فجاءه أبوه زرارة فقال: أين تريد؟ فقال: قتل توبة. فقال أبوه طوط سحقا لك! أتطلب بدم توبة أن قتلته بنو عقيل ظالما لها باغيا عاديا عليها! قال لكنّي أجنّه إذا. قال أبوه. أمّا هذه فنعم. فألقى السّلاح وانطلق حتى أجنّه، وحمل أخاه عبد اللّه بن حميّر. قال: فأهل البادية يزعمون أنّ محرزا سحر فأخذ عن سيفه. فقالت ليلى الأخيلية بنت عبد اللّه بن الرحّالة بن شدّاد بن كعب بن معاوية فارس الهرّار ابن عبادة بن عقيل:
نظرت وركن من ذقانين دونهمفاوز حوضي أيّ نظرة ناظر
لأونس إن لم يقصر الطّرف عنهمفلم تقصر الأخبار والطّرف قاصري
فوارس أجلي شأوها عن عقيرةلعاقرها فيها عقيرة عاقر
شأوها: سرعتها وهو الطّلق وجريها، وقال غيره: غايتها. عقيرة: تعني توبة. لعاقرها: تعني لعاقر توبة، تريد يزيد بن رويبة. ووجه آخر: في عقيرة عاقر معنى مدح أي عقيرة كريمة لعاقرها. ووجه آخر: عقيرة لعاقرها: فيها الهلاك بعقرها -
فآنست خيلا بالرّقيّ مغيرةسوابقها مثل القطا المتواتر
قتيل بني عوف وأيصر دونهقتيل بني عوف قتيل يحابر
توارده أسيافهم فكأنّماتصادرن عن أقطاع أبيض باتر
من الهندوانيات في كلّ قطعةدم زلّ عن أثر من السيف ظاهر
أتته المنايا دون زغف حصينةوأسمر خطّيّ وخوصاء ضامر
على كلّ حرداء السّراة وسابحدرأن بشبّاك الحديد زوافر
عوابس تعدو الثّعلبيّة ضمّراوهنّ شواح بالشّكيم الشواجر
فلا يبعدنك اللّه يا توب إنّمالقاء المنايا دارعا مثل حاسر
فإلّا تك القتلى بواء فإنّكمستلقون يوما ورده غير صادر
وإنّ السليل إذ يباوي قتيلكمكمرحومة من عركها غير طاهر
فإن تكن القتلى بواء فإنكمفتى ما قتلتم آل عوف بن عامر
فتى لا تخطّاه الرّفاق ولا يرىلقذر عيالا دون جار مجاور
ولا تأخذ الكوم الجلاد رماحهالتوبة في نحس الشّتاء الصّنابر
إذا ما رأته قائما بسلاحهتقته الخفاف بالثّقال البهازر
إذا لم يجد منها برسل فقصرهذرى المرهفت والقلاص التّواجر
قرى سيفه منها مشاشا وضيفهسنام المهاريس السّباط المشافر
وتوبة أحيا من فتاة حييّةوأجرأ من ليث بخفّان خادر
ونعم الفتى إن كان توبة فاجراوفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
فتى ينهل الحاجات ثم يعلّهافيطلعها عنه ثنايا المصادر
صوت
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص يفحصن الحصا بالكراكر
ولم يبن أبرادا عتاقا لفتيةكرام ويرحل قبل فيء الهواجر
- في هذين البيتين لحن من الثّقيل الأوّل لمحمد بن إبراهيم قريض وهو من خاصّ صنعته وغنائه -
ولم يتجلّ الصّبح عنه وبطنهلطيف كطيّ السّبّ ليس بحادر
فتى كان للمولى سناء ورفعةوللطارق الساري قرى غير باسر
ولم يدع يوما للحفاظ وللنّداوللحرب يرمي نارها بالشرائر
وللبازل الكوماء يرغو حوارهاوللخيل تعدو بالكماة المساعر
كأنّك لم تقطع فلاة ولم تنخقلاصا لدى فأو من الأرض غائر
وتصبح بموماة كأنّ صريفهاصريف خطاطيف الصّرى في المحاور
طوت نفعها عنّا كلاب وآسدتبنا أجهليها بين غاو وشاعر
وقد كان حقّا أن تقول سراتهملعا لأخينا عاليا غير عاثر
ودوّيّة قفر يحار بها القطاتخطّيتها بالنّاعجات الضّوامر
فتا للّه تبني بيتها أمّ عاصمعلى مثله أخرى الليالي الغوابر
فليس شهاب الحرب توبة بعدهابغاز ولا غاد بركب مسافر
وقد كان طلّاع النّجاد وبيّن اللسان ومدلاج السّرى غير فاتر
وقد كان قبل الحادثات إذا انتحىوسائق أو معبوطة لم يغادر
وكنت إذا مولاك خاف ظلامةدعاك ولم يهتف سواك بناصر
فإن يك عبد اللّه آسى ابن أمّهوآب بأسلاب الكميّ المغاور
وكان كذات البوّ تضرب عندهسباعا وقد ألقينه في الجراجر
فإنك قد فارقته لك عاذراوأنّي لحيّ عذر من في المقابر
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاوأحفل من نالت صروف المقادر
على مثل همّام ولابن مطرّفلتبك البواكي أو لبشر بن عامر
غلامان كانا استوردا كلّ سورةمن المجد ثم استوثقا في المصادر
ربيعي حيا كانا يفيض نداهماعلى كلّ مغمور نداة وغامر
كأنّ سنا ناريهما كلّ شتوةسنا البرق يبدو للعيون النواظر
وقالت أيضا ترثي توبة - عن أمّ حميّر، وأمّها ابنة أخي توبة، عن أمّها. قال أبو عبيدة: أم حميّر أخت أبي الجرّاح العقيليّ. قال: وأمها بنت أخي توبة بن حميّر. قال: وكان الأصمعيّ يعجب بها -:
أيا عين بكّي توبة ابن حميّربسحّ كفيض الجدول المتفجّر
لتبك عليه من خفاجة نسوةبماء شؤون الغبرة المتحدّر
سمعن بهيجا أرهقت فذكرنهولا يبعث الأحزان مثل التذكّر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم يسربنجد ولم يطلع مع المتغوّر
ولم يرد الماء السّدام إذا بداسنا الصّبح في بادي الحواشي منوّر
ولم يغلب الخصم الضّجاج ويملأ الجفان سديفا يوم نكباء صرصر
ولم يعل بالجرد الجياد يقودهابسرّة بين الأشمسات فايصر
وصحراء موماة يحار القطاقطعت على هول الجنان بمنسر
يقودون قبّا كالسّراحين لاحهاسراهم وسير الراكب المتهجّر
فلمّا بدت أرض العدوّ سقيتهامجاج بقيّات المزاد المقيّر
ولمّا أهابوا بالنّهاب حويتهابخاظي البضيع كرّه غير أعسر
ممرّ ككرّ الأندريّ مثابرإذا ما ونين مهلب الشّدّ محضر
فألوت بأعناق طوال وراعهاصلاصل بيض سابغ وسنوّر
ألم تر أنّ العبد يقتل ربّهفيظهر جدّ العبد من غير مظهر
قتلتم فتى لا يسقط الرّوع رمحهإذا الخيل جالت في قنا متكسّر
فيا توب للهيجا ويا توب للنّدىويا توب للمستنبح المتنوّر
ألا ربّ مكروب أجبت ونائلبذلت ومعروف لديك ومنكر
وقالت ترثيه:
أقسمت أرثي بعد توبة هالكاوأحفل من دارت عليه الدوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتىإذا لم تصبه في الحياة المعاير
وما أحد حيّ وإن عاش سالمابأخلد ممن غيّبته المقابر
ومن كان مما يحدث الدهر جازعافلا بدّ يوما أن يرى وهو صابر
وليس لذي عيش عن الموت مقصروليس على الأيّام والدهر غابر
ولا الحيّ مما يحدث الدهر معتبولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ شباب أو جديد إلى بلىوكلّ امرىء يوما إلى اللّه صائر
وكلّ قريني ألفة لتفرّقشتاتا وإن ضنّا وطال التّعاشر
فلا يبعدنك اللّه حيّا وميّتاأخا الحرب إن دارت عليك الدوائر
ويروى:
(فلا يبعدنك اللّه يا توب هالكاأخا الحرب إن دارت عليك الدوائر)
فآليت لا أنفكّ أبكيك ما دعتعلى فنن ورقاء أو طار طائر
قتيل بني عوف فيا لهفتا لهوما كنت أيّاهم عليه أحاذر
ولكنما أخشى عليه قبيلةلها بدروب الروم باد وحاضر
وقالت ترثيه:
كم هاتف بك من باك وباكيةيا توب للضيف إذ تدعى وللجار
وتوب للخصم إن جاروا وإن عدلوا وبدّلوا الأمر نقضا بعد إمرار
إن يصدروا الأمر تطلعه مواردهأو يوردوا الأمر تحلله بإصدار
وقالت ترثيه:
هراقت بنو عوف دما غير واحدله نبأ نجديّه سيغور
تداعت له أفناء عوف ولم يكنله يوم هضب الرّدهتين نصير
وقالت ترثيه:
يا عين بكّي بدمع دائم السّجموأبكي لتوبة عند الرّوع والبهم
على فتى من بني سعد فجعت بهماذا أجنّ به في الحفرة الرّجم
من كلّ صافية صرف وقافيةمثل السّنان وأمر غير مقتسم
ومصدر حين يعيي القوم مصدرهموجفنة عند نحس الكوكب الشّبم
وقالت تعيّر قابضا:
جزى اللّه شرّا قابضا بصنيعهوكلّ امرىء يجزى بما كان ساعيا
دعا قابضا والمرهفات يردنهفقبّحت مدعوّا ولبّيك داعيا
وقالت لقابض وتعذر عبد اللّه أخا توبة:
دعا قابضا والموت يخفق ظلّهوما قابض إذ لم يجب بنجيب
وآسى عبيد اللّه ثمّ ابن أمّهولو شاء نجّى يوم ذاك حبيبي
أخبرني الحسن بن عليّ عن عبد اللّه بن أبي سعد عن أحمد بن معاوية بن بكر قال حدّثني أبو الجرّاح العقيليّ عن أمّه دينار بنت خيبريّ بن الحميّر عن توبة بن الحمّير قال: خرجت إلى الشام، فبينا أنا أسير ليلة في بلاد لا أنيس بها ذات شجر نزلت لأريح، وأخذت ترسي فألقيته فوقي، وألقيت نفسي بين المضطجع والبارك. فلمّا وجدت طعم النّوم إذا شيء قد تجلّلني عظيم ثقيل قد برك عليّ، ونشزت عنه ثم قمصت منه قماصا فرميت به على وجهه، وجلست إلى راحلتي فانتضيت السيف، ونهض نحوي فضربته ضربة انخزل منها، وعدت إلى موضعي وأنا لا أدري ما هو أإنسان أم سبع، فلمّا أصبحت إذا هو أسود زنجيّ يضرب برجليه وقد قطعت وسطه حتى كدت أبريه، وانتهيت إلى ناقة مناخة موقرة ثيابا من سلبه، وإذا جارية شابة ناهد وقد أوثقها وقرنها بناقته. فسألتها عن خبرها، فأخبرتني أنه قتل مولاها وأخذها منه. فأخذت الجميع وعدت إلى أهلي. قال أبو الجرّاح قالت أمّي: وأنا أدركتها في الحيّ تخدم أهلنا.
أخبرنا اليزيديّ عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال أخبرنا عطاء بن مصعب القرشيّ عن عاصم اللّيثيّ عن يونس بن حبيب الضّبيّ عن أبي عمرو بن العلاء قال: سأل معاوية بن أبي سفيان ليلى الأخيليّة عن توبة بن الحميّر فقال: ويحك يا ليلى! أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين ليس كل ما يقول الناس حقّا، والناس شجرة بغي يحسدون أهل النّعم حيث كانوا وعلى من كانت. ولقد كان يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللّسان، شجا للأقران، كريم المخبر، عفيف المئزر، جميل المنظر. وهو يا أمير المؤمنين كما قلت له. قال: وما قلت له؟ قالت قلت ولم أتعدّ الحقّ وعلمي فيه:
بعيد الثّرى لا يبلغ القوم قعرهألدّ ملدّ يغلب الحقّ باطله
إذا حلّ ركب في ذراه وظلّهليمنعهم مما تخاف نوازله
حماهم بنصل السّيف من كلّ فادحيخافونه حتى تموت خصائله
فقال لها معاوية: ويحك! يزعم الناس أنه كان عاهرا خاربا. فقالت من ساعتها:
معاذ إلهي كان واللّه سيّداجوادا على العلّات جمّا نوافله
أغرّ خفاجيّا يرى البخل سبّةتحلّب كفّاه النّدى وأنامله
عفيفا بعيد الهمّ صلبا قناتهجميلا محيّاه قليلا غوائله
وقد علم الجوع الذي بات سارياعلى الضّيف والجيران أنّك قاتله
وأنك رحب الباع يا توب بالقرىإذا ما لئيم القوم ضاقت منازله
يبيت قرير العين من بات جارهويضحي بخير ضيفه ومنازله
فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جزت بتوبة قدره. فقالت: واللّه يا أمير المؤمنين لو رأيته وخبرته لعرفت أنّي مقصّرة في نعته وأنّي لا أبلغ كنه ما هو أهله. فقال لها معاوية: من أيّ الرجال كان؟ قالت:
أتته المنايا حين تمّ تمامهوأقصر عنه كلّ قرن يطاوله
وكان كليث الغاب يحمي عرينهوترضى به أشباله وحلائله
غضوب حليم حين يطلب حلمهوسمّ زعاف لا تصاب مقاتله
قال: فأمر لها بجائزة عظيمة وقال لها: خبّريني بأجود ما قلت فيه من الشعر. قالت: يا أمير المؤمنين، ما قلت فيه شيئا إلّا والذي فيه من خصال الخير أكثر منه. ولقد أجدت حين قلت:
جزى اللّه خيرا والجزاء بكفهفتى من عقيل ساد غير مكلّف
فتى كانت الدّنيا تهون بأسرهاعليه ولا ينفكّ جمّ التّصرّف
ينال عليّات الأمور بهونةإذا هي أعيت كلّ خرق مشرّف
هو الذّوب بل أري الخلايا شبيههبدرياقة من خمر بيسان قرقف
فياتوب ما في العيش خير ولا ندىيعدّ وقد أمسيت في ترب نفنف
وما نلت منك النّصف حتى ارتمت بك المنايا بسهم صائب الوقوع أعجف
فيا ألف ألف كنت حيّا مسلّمالألقاك مثل القسور المتطرّف
كما كنت إذ كنت المنحّى من الرّدىإذا الخيل جالت بالقنا المتقصّف
وكم من لهيف محجر قد أجبتهبأبيض قطّاع الضّريبة مرهف
فأنقذته والموت يحرق نابهعليه ولم يطعن ولم يتنسّف
أخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن ابن سعد قال حدّثت عن القحذميّ عن محارب بن غصين العقيليّ قال: كان توبة قد خرج إلى الشام، فمرّ ببني عذرة، فرأته بثينة فجعلت تنظر إليه، فشقّ ذلك على جميل، وذلك قبل أن يظهر حبّه لها. فقال له جميل: من أنت؟ قال: أنا توبة بن الحميّر. قال: هل لك في الصّراع؟ قال: ذلك إليك، فشدّت عليه بثينة ملحفة مورّسة فأتزر بها، ثم صارعه فصرعه جميل. ثم قال: هل لك في النّضال؟
قال نعم، فناضله فنضله جميل. ثم قال له: هل لك في السّباق؟ فقال نعم، فسابقه فسبقه جميل. فقال له توبة: يا هذا إنما تفعل هذا بريح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا الواديّ، فصرعه توبة ونضله وسبقه.
أخبرنا إبراهيم بن أيّوب عن ابن قتيبة قال: بلغني أنّ ليلى الأخيلية دخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنّت وعجزت، فقال لها: ما رأى توبة فيك حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولّوك. فضحك عبد الملك حتى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها.
وأخبرني الحسن بن عليّ عن ابن أبي سعد عن أحمد بن رشيد بن حكيم الهلاليّ عن أيّوب بن عمرو عن رجل من بني عامر يقال له ورقاء قال: كنت عند الحجاج بن يوسف، فدخل عليه الآذن فقال: أصلح اللّه الأمير، بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير النادّ. قال: أدخلها. فلمّا دخلت نسبها فانتسبت له. فقال: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النّجوم، وقلّة الغيوم، وكلب البرد، وشدّة الجهد، وكنت لنا بعد اللّه الرّدّ. قال: فأخبريني عن الأرض. قالت: الأرض مقشعرّة، والفجاج مغبرّة، وذو الغنى مختلّ، وذو الحدّ منفلّ. قال: وما سبب ذلك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا فصيلا ولا ربعا، ولم تبق عافطة؛ ولا ناقطة؛ فقد أهلكت الرجال، ومزّقت العيال، وأفسدت الأموال، ثم أنشدته الأبيات التي ذكرناها متقدّما. وقال في الخبر: قال الحجّاج: هذه التي تقول
نحن الأخايل لا يزال غلامناحتّى يدبّ على العصا مشهورا
تبكي الرّماح إذا فقدن أكفّناجزعا وتعرفنا الرّفاق بحورا
ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض شعرك في توبة، فأنشدته قولها:
لعمرك ما بالموت عار على الفتىإذا لم تصبه في الحياة المعاير
وما أحد حيّ وإن عاش سالمابأخلد ممن غيّبته المقابر
فلا الحيّ مما أحدث الدّهر معتبولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ جديد أو شباب إلى بلىوكلّ امرىء يوما إلى الموت صائر
قتيل بني عوف فيا لهفتا لهوما كنت إيّاهم عليه أحاذر
ولكنّني أخشى عليه قبيلةلها بدروب الشأم باد وحاضر
فقال الحجّاج لحاجبه: اذهب فاقطع لسانها. فدعا لها بالحجّام ليقطع لسانها، فقالت: ويلك! إنّما قال لك الأمير اقطع لسانها بالصّلة والعطاء، فارّجع إليه واستأذنه. فرجع إليه فاستأمره، فاستشاط عليه وهمّ بقطع لسانه، ثم أمر بها فأدخلت عليه، فقالت: كاد وعهد اللّه يقطع مقوليّ، وأنشدته:
حجّاج أنت الذي لا فوقه أحدإلّا الخليفة والمستغفر الصّمد
حجّاج أنت سنان الحرب إن نهجتوأنت للنّاس في الداجي لنا تقد
أخبرنا الحسن قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أبو الحسن ميمون الموصليّ عن سلمة بن أيّوب بن مسلمة الهمدانيّ قال: كان جديّ عند الحجّاج، فدخلت عليه امرأة برزة، فانتسبت له فإذا هي ليلى الأخيليّة.
وأخبرني بهذا الخبر محمد بن العبّاس اليزيديّ، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: كنت عند الحجاج.
وأخبرني وكيع عن إسماعيل بن محمد بن المدائني عن جويرية عن بشر بن عبد اللّه بن أبي بكر: أنّ ليلى دخلت على الحجّاج، ثم ذكر مثل الخبر الأوّل، وزاد فيه: فلمّا قالت:
غلام إذا هزّ القناة سقاها
قال لها: لا تقولي «غلام»، قولي «همام». وقال فيه: فأمر لها بمائتين. فقالت: زدني، فقال: اجعلوها ثلاثمائة.
فقال بعض جلسائه: إنّها غنم. فقالت: الأمير أكرم من ذلك وأعظم قدرا من أن يأمر لي إلّا بالإبل. قال: فاستحيا وأمر لها بثلاثمائة بعير، وإنما كان أمر لها بغنم لا إبل.
وأخبرنا وكيع عن إبراهيم بن إسحاق الصالحيّ عن عمر بن شبّة عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه، وقال فيه: ألا قلت مكان غلام همام! وذكر باقي الخبر الذي ذكره من تقدّم، وقال فيه: فقال لها: أنشدينا ما قلت في توبة، فأنشدته قولها:
فإن تكن القتلى بواء فإنكمفتى ما قلتم آل عوف بن عامر
فتى كان أحيا من فتاة حييّةوأشجع من ليث بخفّان خادر
أتته المنايا دون درع حصينةوأسمر خطّيّ وجرداء ضامر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجراوفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخقلائص يفحصن الحصا بالكراكر
فقال لها أسماء بن خارجة: أيتها المرأة إنك لتصفين هذا الرجل بشيء ما تعرفه العرب فيه. فقالت: أيها الرجل هل رأيت توبة قطّ؟ قال لا. فقالت: أما واللّه لو رأيته لوددت أنّ كلّ عاتق في بيتك حامل منه؛ فكأنّما فقيء في وجه أسماء حبّ الرّمّان. فقال له الحجاج: وما كان لك ولها!.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد عن محمد بن عليّ بن المغيرة قال سمعت أبي يقول سمعت الأصمعيّ يذكر أنّ الحجّاج أمر لها بعشرة آلاف درهم، وقال لها: هل لك من حاجة؟ قالت: نعم أصلح اللّه الأمير، تحملني إلى ابن عمّي قتيبة بن مسلم، وهو على خراسان يومئذ فحملها إليه، فأجازها وأقبلت راجعة تريد البادية، فلمّا كانت بالرّيّ ماتت، فقبرها هناك. هكذا ذكر الأصمعيّ في وفاتها وهو غلط. وقد أخبرني عمّي عن الحزنبل الأصبهانيّ عمّن أخبره عن المدائنيّ، وأخبرني الحسن بن عليّ عن ابن مهديّ عن ابن أبي سعد عن محمد بن الحسن النّخعيّ عن ابن الخصيب الكاتب، واللّفظ في الخبر للحزنبل، وروايته أتمّ: أنّ ليلى الأخيليّة أقبلت من سفر، فمرّت بقبر توبة ومعها زوجها وهي في هودج لها. فقالت: واللّه لا أبرح حتى أسلّم على توبة، فجعل زوجها يمنعها من ذلك وتأبى إلّا أن تلمّ به. فلمّا كثر ذلك منها تركها، فصعدت أكمة عليها قبر توبة، فقالت: السلام عليك يا توبة، ثم حوّلت وجهها إلى القوم فقالت: ما عرفت له كذبة قطّ قبل هذا.
قالوا: وكيف؟ قالت: أليس القائل:
صوت
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمتعليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بما لا أنالهألا كلّ ما قرّت به العين صالح
فما باله لم يسلّم عليّ كما قال!. وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلمّا رأت الهودج واضطرابه فزعت وطارت في وجه الجمل، فنفر فرمى بليلى على راسها، فماتت من وقتها، فدفنت إلى جنبه. وهذا هو الصحيح من خبر وفاتها.
غنّى في الأبيات المذكورة آنفا حكم الواديّ لحنين، أحدهما رمل بالوسطى عن عمرو، والآخر خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن حبش، وقال حبش: وفيها لحنان لجميلة والميلاء رملان بالبنصر، وذكر أبو العبيس بن حمدون أنّ الرمل لعمر الواديّ.
قال أبو عبيدة: كان توبة شرّيرا كثير الغارة على بني الحارث بن كعب وخثعم وهمدان، فكان يزور نساء منهن يتحدّث إليهن، وقال:
أيذهب ريعان الشّباب ولم أزرغرائر من همدان بيضا نحورها
قال أبو عبيدة: وكان توبة ربّما ارتفع إلى بلاد مهرة فيغير عليهم، وبين بلاد مهرة وبلاد عقيل مفازة منكرة لا يقطعها الطّير، وكان يحمل مزاد الماء فيدفن منه على مسيرة كلّ يوم مزادة ثم يغير عليهم فيطلبونه فيركب بهم المفازة، وإنما كان يتعمّد حمارّة القيظ وشدّة الحرّ، فإذا ركب المفازة رجعوا عنه.
أخبرني حرميّ عن الزّبير عن يحيى بن المقدام الرّبعيّ عن عمّه موسى بن يعقوب قال: دخل عبد الملك بن مروان على زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فرأى عندها امرأة بدويّة أنكرها، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا الوالهة الحرّى ليلى الأخيليّة. قال: أنت التي تقولين:
أريقت جفان ابن الخليع فأصبحتحياض النّدى زالت بهنّ المراتب
فعفاته لهفى يطوفون حولهكما انقضّ عرش البئر والورد عاصب
قالت: أنا الّتي أقول ذلك. قال: فما أبقيت لنا؟ قالت: الذي أبقاه اللّه لك. قال: وما ذاك؟ قالت: نسبا قرشيّا، وعيشا رخيّا، وإمرة مطاعة. قال: أفردته بالكرم! قالت: أفردته بما أفرده اللّه به. فقالت عاتكة: إنها قد جاءت تستعين بنا عليك في عين تسقيها وتحميها لها. ولست ليزيد إن شفّعتها في شيء من حاجاتها، لتقديمها أعرابيا جلفا على أمير المؤمنين. قال: فوثبت ليلى فقامت على رجلها واندفعت تقول:
ستحملني ورحلي ذات وخدعليها بنت آباء كرام
إذا جعلت سواد الشّأم جنباوغلّق دونها باب اللّئام
فليس بعائد أبدا إليهمذوو الحاجات في غلس الظّلام
أعاتك لو رأيت غداء بنّاعزاء النّفس عنكم واعتزامي
إذا لعلمت واستيقنت أنّيمشيّعة ولم ترعي ذمامي
أأجعل مثل توبة في نداهأبا الذّبّان فوه الدّهر دامي
معاذ اللّه ما عسفت برحليتغذّ السّير للبلد التّهامي
أقلت خليفة فسواه أحجىبإمرته وأولى باللّثام
لثام الملك حين تعدّ كعبذوو الأخطار والخطط الجسام
فقيل لها: أيّ الكعبين عنيت؟ قالت: ما أخال كعبا ككعبي.
أخبرنا اليزيديّ عن الخليل بن أسد عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن أبي يعقوب الثّقفيّ عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن الحجّاج بن يوسف قال: بينا الأمير جالس إذ استؤذن لليلى. فقال الحجّاج: ومن ليلى؟ قيل: الأخيليّة صاحبة توبة. قال: أدخلوها.
فدخلت امرأة طويلة دعجاء العينين حسنة المشية إلى الفوه ما هي، حسنة الثّغر، فسلّمت فردّ الحجّاج عليها ورحّب بها فدنت، فقال الحجّاج: دراك ضع لها وسادة يا غلام، فجلست. فقال: ما أعملك إلينا؟ قالت: السلام على الأمير، والقضاء لحقّه، والتعرّض لمعروفه. قال: وكيف خلفت قومك؟ قالت: تركتهم في حال خصب وأمن ودعة. أمّا الخصب ففي الأموال والكلأ. وأمّا الأمن فقد أمّنهم اللّه عزّ وجلّ بك. وأمّا الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك؟ فقال: إذا شئت. فقالت:
أحجّاج إنّ اللّه أعطاك غايةيقصّر عنها من أراد مداها
أحجّاج لا يفلل سلاحك إنّما المنايا بكفّ اللّه حيث تراها
إذا هبط الحجّاج أرضا مريضةتتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضال الّذي بهاغلام إذا هزّ القناة سقاها
سقاها دماء المارقين وعلّهاإذا جمحت يوما وخيف أذاها
إذا سمع الحجّاج رزّ كتيبةأعدّ لها قبل النّزول قراها
أعدّ لها مصقولة فارسيّةبأيدي رجال يحلبون صراها
أحجّاج لا تعط العصاة مناهمولا اللّه يعطي للعصاة مناها
ولا كلّ حلّاف تقلّد بيعةفأعظم عهد اللّه ثم شراها
فقال الحجّاج ليحيى بن منقذ، للّه بلادها ما أشعرها!. فقال: ما لي بشعرها علم. فقال: عليّ بعبيدة بن موهب وكان حاجبه، فقال: أنشديه فأنشدته، فقال: عبيدة: هذه الشاعرة الكريمة، قد وجب حقّها. قال: ما أغناها عن شفاعتك! يا غلام مر لها بخمسمائة درهم؛ وأكسها خمسة أثواب أحدها كساء حّر، وأدخلها على ابنة عمّها هند بنت أسماء فقل لها: حلّيها. فقالت: أصلح اللّه الأمير. أضرّ بنا العريف في الصدقة، وقد خربت بلادنا، وانكسرت قلوبنا، فأخذ خيار المال. قال: اكتبوا لها إلى الحكم بن أيّوب فليبتع لها خمسة أجمال وليجعل أحدها نجيبا، واكتبوا إلى صاحب اليمامة بعزل العريف الذي شكته. فقال ابن موهب: أصلح اللّه الأمير، أأصلها؟ قال نعم، فوصلها بأربعمائة درهم، ووصلتها هند بثلاثمائة درهم، ووصلها محمد بن الحجّاج بوصيفتين.
قال الهيثم: فذكرت هذا الحديث لإسحاق بن الجصّاص فكتبه عنّي، ثم حدّثني عن حمّاد الراوية قال: لمّا فرغت ليلى من شعرها أقبل الحجّاج على جلسائه فقال لهم: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا! واللّه ما رأينا امرأة أفصح ولا أبلغ منها ولا أحسن إنشادا. قال: هذه ليلى صاحبة توبة. ثم أقبل عليها فقال لها: باللّه يا ليلى أرأيت من توبة أمرا تكرهينه أو سألك شيئا يعاب؟ قالت: لا واللّه الذي أسأله المغفرة ما كان ذلك منه قطّ. فقال: إذا لم يكن فيرحمنا اللّه وإيّاه.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبّة عن عبد اللّه بن محمد ابن حكيم الطائيّ عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: كنت عند الحجّاج فدخلت عليه ليلى الأخيليّة، ثم ذكر مثل الخبر الأوّل، وزاد فيه: فلمّا قالت:
غلام إذا هزّ القناة سقاها
قال: لا تقولي غلام، قولي همام.
صوت
سالني الناس أين يعمد هذاقلت أتي في الدّار قرما سريّا
ما قطعت البلاد أسري ولا يمّمت إلّا إيّاك يا زكريّا
كم عطاء ونائل وجزيلكان لي منكم هنيّا مريّا
عروضه من الخفيف، الشّعر للأقيشر الأسديّ. والغناء لدحمان، وله فيه لحنان، أحدهما خفيف ثقيل من أصوات قليلة الأشباه عن إسحاق، والآخر ثقيل أوّل بالبنصر في الثالث والثاني عن عمرو، وذكر يونس أنه للأبجر ولم يجنّسه، وذكر الهشاميّ أنّ لحن الأبجر خفيف ثقيل، وأنّ لحن ابن بلوع في الثالث ثاني ثقيل. وليحيى ابن واصل ثقيل أوّل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع