من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابراهيم بن سيابة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
إبراهيم بن سيابة مولى بني هاشم.، وكان يقال: إنّ جدّه حجّام أعتقه بعض الهاشميين. وهو من مقاربي شعراء وقته، ليست له نباهة ولا شعر شريف، وإنّما كان يميل بمودّته ومدحه إلى ابراهيم الموصليّ وابنه إسحاق، فغنّيا في شعره ورفعا منه، وكانا يذكرانه للخلفاء والوزراء ويذكّرانهم به إذا غنّيا في شعره، فينفعانه بذلك. وكان خليعا ماجنا، طيّب النادرة، وكان يرمى بالأبنة.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدّثني أبو زائدة عن جعفر بن زياد قال: عشق ابن سيابة جارية سوداء، فلامه أهله على ذلك وعاتبوه؛ فقال:
يكون الخال في وجه قبيحفيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام معشوق على منيراها كلّها في العين خالا
أخبرني محمد بن مزيد وعيسى بن الحسين والحسين بن يحيى قالوا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: لقي إبراهيم بن سيابة وهو سكران ابنا لسوّار بن عبد اللّه القاضي أمرد، فعانقه وقبّله، وكانت معه داية يقال لها رحاص، فقيل لها: إنّه لم يقبّله تقبيل السلام، إنّما قبّله قبلة شهوة فلحقته الدّاية فشتمته وأسمعته كلّ ما يكره، وهجره الغلام بعد ذلك. فقال له:
قل للّذي ليس لي منيدي هواه خلاص
أأن لثمتك سرافأبصرتني رحاص
وقال في ذاك قومعلى انتقاصي حراص
هجرتني وأتتني شتيمة وانتقاص
فهاك فاقتصّ منّيإنّ الجروح قصاص
ويروى أنّ رحاص هذه مغنّية كان الغلام يحبّها، وأنه سكر ونام؛ فقبّله ابن سيابة. فلمّا انتبه قال للجارية: ليت شعري ما كان خبرك مع ابن سيابة؟ فقالت له: سل عن خبرك أنت معه، وحدّثته بالقصّة؛ فهجره الغلام؛ فقال هذا الشعر.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا بن مهروية قال حدّثنا علي بن الصّبّاح قال: عاتبنا ابن سيابة على مجونه، فقال: ويلكم! لأن ألقى اللّه تبارك وتعالى بذلّ المعاصي فيرحمني، أحبّ إليّ من أن ألقاه أتبختر إدلالا بحسناتي فيمقتني.
قال: ورأيت ابن سيابة يوما وهو سكران وقد حمل في طبق يعبرون به على الجسر، فسألهم إنسان ما هذا؟
فرفع رأسه من الطبق وقال: هذا بقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة يا كشخان.
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا أبو الشّبل البرجمي قال: ولع يوما أبو الحارث جمّيز بابن سيابة حتى أخجله. فقال عند ذلك ابن سيابة يهجوه:
بنى أبو الحارث الجمّيز في وسطمن ظهره وقريبا من ذراعين
ديرا لقسّ إذا ما جاء يدخلهألقى على باب دير القسّ خرجين
يعدو على بطنه شدّا على عجللا ذو يدين ولا يمشي برجلين
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إبراهيم تينة قال: كتب ابن سيابة إلى صديق له يقترض منه شيئا؛ فكتب إليه يعتذر له ويحلف أنّه ليس عنده ما سأله. فكتب إليه: «إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا. وإن كنت ملوما فجعلك اللّه معذورا».
أخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: كان ابن سيابة الشاعر عندنا يوما مع جماعة نتحدّث ونتناشد وهو ينشدنا شيئا من شعره، فتحرّك فضرط، فضرب بيده على استه غير مكترث، ثم قال: إمّا أن تسكتي حتّى أتكلّم، وإمّا أن تتكلّمي حتى أسكت.
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ الكاتب قال حدّثني أبو هفّان قال: غمز ابن سيابة غلاما أمرد ذات يوم فأجابه، ومضى به إلى منزله، فأكلا وجلسا يشربان. فقال له الغلام: أنت ابن سيابة الزّنديق؟ قال نعم. قال: أحبّ أن تعلّمني الزّندقة. قال: أفعل وكرامة. ثم بطحه على وجهه، فلمّا تمكّن منه أدخل عليه؛ فصاح الغلام أوّه! أيش هذا ويحك؟ قال سألتني أن أعلّمك الزندقة، وهذا أوّل باب من شرائعها.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني محرز بن جعفر الكاتب قال: قال لي إبراهيم بن سيابة الشاعر: إذا كانت في جيرانك جنازة وليس في بيتك دقيق فلا تحضر الجنازة، فإنّ المصيبة عندك أكبر منها عند القوم، وبيتك أولى بالمأتم من بيتهم.
أخبرني جعفر بن قدّامة ومحمد بن مزيد قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: سخط الفضل بن الرّبيع على ابن سيابة، فسألته أن يرضى عنه فامتنع. فكتب إليه ابن سيابة بهذه الأبيات وسألني إيصالها:
إن كان جرمي قد أحاط بحرمتيفأحط بجرمي عفوك المأمولا
فكم ارتجيتك في الّتي لا يرتجىفي مثلها أحد فنلت السّولا
وضللت عنك فلم أجد لي مذهباووجدت حلمك لي عليك دليلا
هبني أسأت وما أسأت أقرّ كييزداد عفوك بعد طولك طولا
فالعفو أجمل والتّفضّل بامرىءلم يعدم الرّاجون منه جميلا
فلمّا قرأها الفضل دمعت عيناه ورضي عن ابن سيابة، وأوصله إليه وأمر له بعشرة آلاف درهم.
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا الحسن بن الفضل قال سمعت ابن عائشة يقول: جاء إبراهيم بن سيابة إلى بشّار فقال له: ما رأيت أعمى قطّ إلّا وقد عوّض من بصره إمّا الحفظ والذّكاء وإمّا حسن الصوت، فأيّ شيء عوّضت أنت؟ قال: ألّا أرى ثقيلا مثلك، ثم قال له: من أنت ويحك؟ قال: إبراهيم بن سبابة. فتضاحك ثم قال: لو نكح الأسد في استه لذلّ. وكان إبراهيم يرمى بذلك. ثم تمثّل بشّار:
لو نكح اللّيث في استه خضعاومات جوعا ولم ينل شبعا
كذلك السيف عند هزّتهلو بصق النّاس فيه ما قطعا
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن أبي نصر المروزي قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الطّلحي قال حدّثني سليمان بن يحيى بن معاذ قال: قدم إبراهيم بن سيابة نيسابور فأنزلته عليّ؛ فجاءني ليلة من اللّيالي وهو مهرب، فجعل يصيح بي. يا أبا أيّوب. فخشيت أن يكون قد غشيه شيء يؤذيه، فقلت: ما تشاء؟ فقال:
أعياني الشّادن الرّبيب
فقلت بماذا؟ فقال:
أكتب أشكو لا يجيب
قال فقلت له: داره وداوه؛ فقال:
من أين أبغي شفاء ما بيوإنّما دائي الطّبيب
فقلت: لا دواء إذا إلّا أن يفرّج اللّه تعالى. فقال:
يا ربّ فرّج إذا وعجّلفإنّك السّامع المجيب
ثم انصرف.
في هذا الشعر رمل طنبوريّ لجحظة.
صوت
أيا شجر الخابور مالك مورقاكأنّك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقىولا المال إلّا من قنّا وسيوف
الشعر لأخت الوليد بن طريف الشاريّ. والغناء لعبد اللّه بن طاهر ثقيل أوّل بالوسطى، من رواية ابنه عبيد اللّه عنه. وأوّل هذه الأبيات كما أنشدنا محمد بن العبّاس اليزيديّ عن أحمد بن يحيى ثعلب:
بتلّ بناثا رسم قبر كأنّهعلى علم فوق الجبال منيف
تضمّن جودا حاتميّا ونائلاوسورة مقدام وقلب حصيف
ألا قاتل اللّه الجثا حيث أضمرتفتى كان بالمعروف غير عفيف
فإن يك أراده يزيد بن مزيدفيا ربّ خيل فضّها وصفوف
ألا يا لقوم للنّوائب والرّدىودهر ملحّ بالكرام عنيف
وللبدر من بين الكواكب إذ هوىوللشّمس همّت بعده بكسوف
أيا شجر الخابور مالك مورقاكأنّك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقىولا المال إلّا من قنا وسيوف
ولا الخيل إلّا كلّ جرداء شطبةوكلّ حصان باليدين غروف
فلا تجزعا يا ابنى طريف فإنّنيأرى الموت نزّالا بكلّ شريف
فقدناك فقدان الرّبيع وليتنافديناك من دهمائنا بألوف
وهذه الأبيات تقولها أخت الوليد بن طريف ترثيه، وكان يزيد بن مزيد قتله.
ذكر الخبر في ذلك
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد عن عمّه عن جماعة من الرّواة قال: كان الوليد بن طريف الشّيبانيّ رأس الخوارج وأشدّهم بأسا وصولة وأشجعهم؛ فكان من بالشّمّاسيّة لا يأمن طروقه إياه، واشتدّت شوكته وطالت أيّامه. فوجّه إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشّيبانيّ، فجعل يخاتله ويماكره. وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد بن مزيد، فأغروا به أمير المؤمنين، وقالوا: إنما يتجافى عنه للرّحم، وإلّا فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره. فوجّه إليه الرشيد كتاب مغضب يقول فيه: «لو وجّهت بأحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنّك مداهن متعصّب. وأمير المؤمنين يقسم باللّه لئن أخّرت مناجزة الوليد ليوجّهنّ إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين». فلقي الوليد عشيّة خميس في شهر رمضان. فيقال: إنّ يزيد جهد عطشا حتى رمى بخاتمه في فيه، فجعل يلوكه ويقول: اللّهمّ إنّها شدّة شديدة فاسترها. وقال لأصحابه: فداكم أبي وأمّي، إنما هي الخوارج ولهم حملة، فاثبتوا لهم تحت التّراس، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا؛ فإنّهم إذا انهزموا لم يرجعوا. فكان كما قال، حملوا حملة وثبت يزيد ومن معه من عشيرته وأصحابه، ثم حمل عليهم فانكشفوا. ويقال: إنّ أسد بن يزيد كان شبيها بأبيه جدّا؛ وكان لا يفصل بينهما إلّا المتأمّل، وكان أكثر ما يباعده منه ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره ومنحرفة على جبهته؛ فكان أسد يتمنّى مثلها. فهوت له ضربة فأخرج وجهه من التّرس فأصابته في ذلك الموضع. فيقال: إنّه لو خطّت على مثال ضربة أبيه ما عدا، جاءت كأنّها هي. واتبع يزيد الوليد بن طريف فلحقه بعد مسافة بعيدة فأخذ رأسه. وكان الوليد خرج إليهم حيث خرج وهو يقول:
أنا الوليد بن طريف الشّاريقسورة لا يصطلى بناري
فلمّا وقع فيهم السّيف وأخذ رأس الوليد، صبّحتهم أخته ليلى بنت طريف مستعدّة عليها الدّرع والجوشن، فجعلت تحمل على الناس فعرفت. فقال يزيد: دعوها، ثم خرج إليها فضرب بالرّمح قطاة فرسها، ثم قال اغربي غرّب اللّه عليك! فقد فضحت العشيرة؛ فاستحيت وانصرفت وهي تقول:
أيا شجر الخابور مالك مورقاكأنّك لم تحزن على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقىولا المال إلّا من قناّ وسيوف
ولا الذّخر إلّا كلّ جرداء صلدموكلّ رقيق الشّفرتين خفيف
فلمّا انصرف يزيد بالظّفر حجب برأي البرامكة، وأظهر الرشيد السخط عليه. فقال: وحقّ أمير المؤمنين لأصفّينّ وأشتونّ على فرسي أو أدخل. فارتفع الخبر بذلك فأذن له فدخل. فلمّا رآه أمير المؤمنين ضحك وسرّ وأقبل يصيح: مرحبا بالأعرابيّ! حتى دخل وأجلس وأكرم وعرف بلاؤه ونقاء صدره.
ومدّحه الشعراء بذلك. فكان أحسنهم مدحا مسلم بن الوليد؛ فقال فيه قصيدته التي أولها:
أجررت حبل خليع في الصّبا غزلوشمّرت همم العذّال في عذلي
هاج البكاء على العين الطّموح هوىمفرّق بين توديع ومحتمل
كيف السّلوّ لقلب بات مختبلايهذي بصاحب قلب غير مختبل
وفيها يقول:
يفترّ عند افترار الحرب مبتسماإذا تغيّر وجه الفارس البطل
موف على مهج في يوم ذي رهجكأنّه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرّفق ما يعيا الرّجال بهكالموت مستعجلا يأتي على مهل
لا يرحل النّاس إلّا نحو حجرتهكالبيت يفضي إليه ملتقى السّبل
يقري المنيّة أرواح العداة كمايقري الضّيوف شحوم الكوم والبزل
يكسو السّيوف رؤوس الناكثين بهويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكهمسالك الموت في الأبدان والقلل
لا تكذبنّ فإنّ المجد معدنهوراثة في بني شيبان لم تزل
إذا الشّريكيّ لم يفخر على أحدتكلّم الفخر عنه غير منتحل
الزّائديّون قوم في رماحهمخوف المخيف وأمن الخائف الوجل
كبيرهم لا تقوم الرّاسيات لهحلما وطفلهم في هدي مكتهل
اسلم يزيد فما في الملك من أودإذا سلمت ولا في الدّين من خلل
لو لا دفاعك بأس الرّوم إذ مكرتعن بيضة الدّين لم تأمن من الثّكل
والمارق ابن طريف قد دلفت لهبعارض للمنايا مسبل هطل
لو أنّ غير شريكيّ أطاف بهفاز الوليد بقدح النّاضل الخصل
ما كان جمعهم لمّا دلفت لهمإلّا كمثل جراد ريع منجفل
كم آمن لك نائي الدّار ممتنعأخرجته من حصون الملك والخول
تراه في الأمن في درع مضاعفةلا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل
لا يعبق الطّيب خدّيه ومفرقهولا يمسّح عينيه من الكحل
يأبى لك الذّمّ في يوميك إن ذكراعضب حسام وعرض غير مبتذل
فافخر فما لك في شيبان من مثلكذاك ما لبني شيبان من مثل
وقال محمد بن يزيد: يعني بقوله: تراه في الأمن في درع مضاعفة
خبر يزيد بن مزيد. وذاك أنّ امرأة معن بن زائدة عاتبت معنا في يزيد وقالت: إنك لتقدّمه وتؤخّر بنيك، وتشيد بذكره وتحمل ذكرهم، ولو نبّهتهم لانتبهوا، ولو رفعتهم لآرتفعوا. فقال معن: إن يزيد قريب لم تبعد رحمه، وله عليّ حكم الولد إذ كنت عمّه. وبعد فإنّهم ألوط بقلبي وأدنى من نفسي على ما توجبه واجبة الولادة للأبوّة من تقديمهم، ولكنّي لا أجد عندهم ما أجده عنده. ولو كان ما يضطلع به يزيد في بعيد لصار قريبا، وفي عدوّ لصار حبيبا. وسأريك في ليلتي هذه ما ينفسح به اللّوم عني ويتبيّن به عذري. يا غلام إذهب فادع جسّاسا وزائدة وعبد اللّه وفلانا وفلانا، حتى أتى على أسماء ولده؛ فلم يلبث أن جاءوا في الغلائل المطيّبة والنّعال السّندية، وذلك بعد هدأة من اللّيل، فسلّموا وجلسوا. ثم قال: يا غلام ادع لي يزيد وقد أسبل سترا بينه وبين المرأة، وإذا به قد دخل عجلا وعليه السّلاح كلّه، فوضع رمحه بباب المجلس ثم أتى يحضر. فلمّا رآه معن قال: ما هذه الهيئة أبا الزّبير؟ - وكان يزيد يكنى أبا الزّبير وأبا خالد - فقال: جاءني رسول الأمير فسبق إلى نفسي أنه يريدني لوجه، فقلت: إن كان مضيت ولم أعرّج، وإن يكن الأمر على خلاف ذلك فنزع هذه الآلة أيسر الخطب. فقال لهم: انصرفوا في حفظ اللّه. فقالت المرأة: قد تبيّن عذرك. فأنشد معن متمثّلا:
نفس عصام سوّدت عصاماوعوّدته الكرّ والإقداما
وأخبرني محمد بن الحسن الكندي قال حدثنا الرّياشيّ قال: أنشدني الأصمعي لأخت الوليد بن طريف ترثيه:
ذكرت الوليد وأيّامهإذ الأرض من شخصه بلقع
فأقبلت أطلبه في السّماءكما يبتغي أنفه الأجدع
أضاعك قومك فليطلبواإفادة مثل الذي ضيّعوا
لو أنّ السّيوف التي حدّهايصيبك تعلم ما تصنع
نبت عنك أو جعلت هيبةوخوفا لصولك لا تقطع
فأمّا خبر عبد اللّه بن طاهر في صنعته هذا الصوت، فإنّ عبد اللّه كان بمحلّ من علوّ المنزلة وعظم القدر ولطف مكان من الخلفاء، يستغني به عن التقريظ له والدّلالة عليه. وأمره في ذلك مشهور عند الخاصّة والعامّة، وله في الأدب مع ذلك المحلّ الذي لا يدفع، وفي السماحة والشجاعة ما لا يقاربه فيه كبير أحد.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد المبرّد أنّ المأمون أعطى عبد اللّه بن طاهر مال مصر لسنة خراجها وضياعها، فوهبه كلّه وفرّقه في الناس، ورجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله. فدخل إليه يوم مقدمه فأنشده أبياتا قالها في هذا المعنى، وهي:
نفسي فداؤك والأعناق خاضعةللنّائبات أبيّا غير مهتضم
إليك أقبلت من أرض أقمت بهاحولين بعدك في شوق وفي ألم
أقفو مساعيك الّلاتي خصصت بهاحذو الشّراك على مثل من الأدم
فكان فضلي فيها أنّني تبعلما سننت من الإنعام والنّعم
ولو وكلت إلى نفسي غنيت بهالكن بدأت فلم أعجز ولم ألم
فضحك المأمون وقال: واللّه ما نفست عليك مكرمة نلتها ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عوّدته نفسك افتقرت ولم تقدر على لمّ شعثك وإصلاح حالك. وزال ما كان في نفسه.
أخبرني وكيع قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني عبد اللّه بن فرقد قال أخبرني محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قال: لمّا افتتح عبد اللّه بن طاهر مصر ونحن معه، سوّغه المأمون خراجها. فصعد المنبر فلم يزل حتّى أجاز بها كلّها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها. فأتاه معلىّ الطائيّ وقد أعلموه ما قد صنع عبد اللّه بن طاهر بالنّاس في الجوائز، وكان عليه واحدا، فوقف بين يديه تحت المنبر فقال: أصلح اللّه الأمير! أنا معلّى الطائيّ، وقد بلغ منّي ما كان منك إليّ من جفاء وغلظ. فلا يغلظنّ عليّ قلبك، ولا يستخفّنّك الذي بلغك، أنا الذي أقول:
يا أعظم النّاس عفوا عند مقدرةوأظلم الناس عند الجود للمال
لو أصبح النّيل يجري ماؤه ذهبالما أشرت إلى خزن بمثقال
تغلي بما فيه رقّ الحمد تملكهوليس شيء أعاض الحمد بالغالي
تفكّ باليسر كفّ العسر من زمنإذا استطال على قوم بإقلال
لم تخل كفّك من جود لمختبطأومرهف قاتل في رأس قتّال
وما بثثت رعيل الخيل في بلدإلّا عصفن بأرزاق وآجال
إن كنت منك على بال مننت بهفإن شكرك من قلبي على بال
ما زلت منقضبا لو لا مجاهرةمن ألسن خضن في صدري بأقوال
قال فضحك عبد اللّه وسرّ بما كان منه، وقال: يا أبا السّمراء أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها؛ فأقرضه فدفعها إليه.
أخبرني عليّ بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه قال: كان موسى بن خاقان مع عبد اللّه بن طاهر بمصر، وكان نديمه وجليسه، وكان له مؤثرا مقدّما؛ فأصاب منه معروفا كثيرا وأجازه بجوائز سنيّة هناك وقبل ذلك. ثم إنّه وجد عليه في بعض الأمر، فجفاه وظهر له منه بعض ما لم يحبّه، فرجع حينئذ إلى بغداد وقال:
صوت
إن كان عبد اللّه خلّانالا مبدئا عرفا وإحسانا
فحسبنا اللّه رضينا بهثم بعبد اللّه مولانا
يعني بعبد اللّه الثاني المأمون، وغنّت فيه جاريته ضعف لحنا من الثقيل الأوّل، وسمعه المأمون فاستحسنه ووصله وإيّاها. فبلغ ذلك عبد اللّه بن طاهر، فغاظه ذلك وقال: أجل! صنعنا المعروف إلى غير أهله فضاع.
وكانت ضعف إحدى المحسنات. ومن أوائل صنعتها وصدور أغانيها وما برّزت فيه وقدّمت فاختيرت، صنعتها في شعر جميل:
أمنك سرى يا بثن طيف تأوّباهدوءا فهاج القلب شوقا وأنصبا
عجبت له أن زار في النوم مضجعيولو زارني مستيقظا كان أعجبا
الشعر لجميل، والغناء لضعف ثقيل أوّل بالبنصر.
أخبرني عمّي قال حدّثني أبو جعفر بن الدّهقانة النديم قال حدّثني العباس بن الفضل الخراسانيّ، وكان من وجوه قوّاد طاهر وابنه عبد اللّه، وكان أديبا عاقلا فاضلا، قال: لمّا قال عبد اللّه بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وأهله ويفخر بقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصني، وكان رجلا من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السّبّ وتجاوز الحدّ في قبح الردّ، وتوسّط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسّط والتعصّب. فكان مما قال فيه:
يابن بيت النّار موقدهاما لحاذيه سراويل
من حسين من أبوك ومنمصعب! غالتكم غول
نسب في الفخر مؤتشبوأبوّات أراذيل
قاتل المخلوع مقتولودم المقتول مطلول
وهي قصيدة طويلة. فلمّا ولّي عبد اللّه مصر وردّ إليه تدبير أمر الشام، علم الحصنيّ أنّه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حلّ؛ فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابّه وكلّ ما كان يملكه في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه، ونحن نتوقّع من عبد اللّه بن طاهر أن يوقع به. فلما شارفنا بلده وكنّا على أنّ نصبّحه، دعاني عبد اللّه في الليل فقال لي: بت عندي الليلة، وليكن فرسك معدّا عندك لا يردّ، ففعلت. فلمّا كان في السّحر أمر غلمانه وأصحابه ألّا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السّحر وأنا وخمسة من خواصّ غلمانه معه، فسار حتّى صبّح الحصنيّ، فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلّم عليه ونزل عنده وقال له: ما أجلسك ها هنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل ولم تتنحّ عن عبد اللّه بن طاهر مع ما في نفسه عليك وما بلغه عنك؟ فقال: إنّ ما قلت لم يذهب عليّ، ولكنّي تأمّلت أمري وعلمت أنّي أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشبّاب وغرّة الحداثة، وأنّي إن هربت منه لم أفته، فباعدت البنات والحرم، واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك؛ فإنّا أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي بمن مضى أسوة؛ فإنّي أثق بأنّ الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهنّ أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته.
قال: فو اللّه ما اتّقاه عبد اللّه إلّا بدموعه تجري على لحيته. ثم قال له: أتعرفني؟ قال: لا واللّه! قال: أنا عبد اللّه بن طاهر، وقد أمّن اللّه تعالى روعتك، وحقن دمك، وصان حرمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك. وما تعجّلت إليك وحدي إلّا لتأمن من قبل هجوم الجيش، ولئلّا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك. فبكى الحصنيّ وقام فقبّل رأسه؛ وضمّه إليه عبد اللّه وأدناه، ثم قال له: إمّا لا فلا بدّ من عتاب. يا أخي جعلني اللّه فداك! قلت شعرا في قومي أفخر بهم لم أطعن فيه على حسبك ولا ادّعيت فضلا عليك. وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك، فهم القوم الذين ثأرك عندهم؛ فكان يسعك السكوت، أو إن لم تسكت لا تغرق ولا تسرف. فقال: أيها الأمير، قد عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخلطه تثريب، ولا يكدّر صفوه تأنيب. قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل إلى منزلك حتّى نوجب عليك حقّا بالضّيافة. فقام مسرورا فأدخلنا، فأتى بطعام كان قد أعدّه، فأكلنا وجلسنا نشرب في مستشرف له. وأقبل الجيش، فأمرني عبد اللّه أن أتلقّاهم فأرحّلهم، ولا ينزل أحد منهم إلّا في المنزل، وهو على ثلاثة فراسخ؛ فنزلت فرّحلتهم. وأقام عنده إلى العصر. ثم دعا بدواة فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين، وقال له: إن نشطت لنا فالحق بنا، وإلّا فأقم بمكانك. فقال: فأنا أتجهّز وألحق بالأمير. ففعل فلحق بنا بمصر.
ولم يزل مع عبد اللّه لا يفارقه حتى رحل إلى العراق، فودّعه وأقام ببلده.
فأمّا الأصوات التي غنّى فيها عبد اللّه بن طاهر فكثيرة. وكان عبيد اللّه بن عبد اللّه إذا ذكر شيئا منها قال:
الغناء للدّار الكبيرة، وإذا ذكر شيئا من صنعته قال: الغناء للدار الصغيرة فمنها ومن مختارها وصدورها ومقدّمها لحنه في شعر أخت عمرو بن عاصية - وقيل: إنه لّاخت مسعود بن شدّاد - فإنه صوت نادر جيّد. قال أبو العبيس بن حمدون وقد ذكره ففضّله: جاء به عبد اللّه بن طاهر صحيح العمل مزدوج النّغم بين لين وشدّة على رسم الحذّاق من القدماء، وهو:
صوت
هلّا سقيتم بني سهم أسيركمنفسي فداؤك من ذي غلّة صادى
الطاعن الطّعنة النّجلاء يتبعهامضرّج بعد ما جادت بإزباد
الشعر لأخت عمرو بن عاصية السّلميّ ترثيه. وكان بنو سهم، وهم بطن من هذيل، أسروه في حرب كانت بينهم ولم يعرفوه، فلمّا عرفوه قتلوه. وكان قد عطش فاستسقاهم، فمنعوه وقتلوه على عطشه. وقيل: إنّ هذا الشعر للفارعة أخت مسعود بن شدّاد. ولحن عبد اللّه بن طاهر خفيف ثقيل أوّل بالوسطى ابتداؤه استهلال.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبي قالا حدّثنا عمر بن شبة قال: قتلت بنو سهم، وهم بطن من هذيل، عمرو بن عاصية السّلميّ، وكان رجلان منهم أخذاه أخذا، فاستسقاهما ماء فمنعاه ذلك، ثم قتلاه. فقالت أخته ترثيه، وتذكر ما صنعوا به:
شبّت هذيل وبهز بينها إرةفلا تبوخ ولا يرتدّ صاليها
ويروى: «شبت هذيل وسهم»، وهو الصحيح، ولكن كذا قال عمر بن شبّة.
إنّ ابن عاصية المقتول بينكماخلّى عليّ فجاجا كان يحميها
وقالت أيضا ترثيه:
يا لهف نفسي لهفا دائما أبداعلى ابن عاصية المقتول بالوادي
هلّا سقيتم بني سهم أسيركمنفسي فداؤك من ذي غلّة صادي
قال: فغزا عرعرة بن عاصية هذيلا يطلبهم بدم أخيه، فقتل منهم نفرا وسبى امرأة فجرّدها، ثم ساقها معه عارية إلى بلاد بني سليم؛ فقالت عند ذلك:
ألامت سليم في السّياق وأفحشتوأفرط في السّوق العنيف إسارها
لعلّ فتاة منهم أن يسوقهافوارس منا وهي باد شوارها
فإن سبقت عليا سليم بذحلهاهذيلا فقد باءت فكيف اعتذارها
ألا ليت شعري هل أرى الخيل شزّباتثير عجاجا مستطيرا غبارها
فترقا عيون بعد طول بكائهاويغسل ما قد كان بالأمس عارها
هذه رواية عمر بن شبّة. فأمّا أبو عبيدة فإنه خالفه في ذلك، وذكر في مقتله، فيما أخبرني به محمد بن الحسن بن دريد إجازة عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: خرج عمرو بن عاصية السّلميّ ثم البهزيّ في جماعة من قومه، فأغاروا على هذيل بن مدركة، فصادفوا حيّا من هذيل يقال لهم بنو سهم بن معاوية. وكانت امرأة من هذيل تحت رجل من بني بهز، فقالت لابن لها معه: أي بني انطلق إلى أخوالك فأنذرهم بأنّ ابن عاصية السّلمي قد أمسى يريدهم، وذلك حين عزم ابن عاصية على غزوهم وأراد المسير إليهم. فانطلق الغلام من تحت ليلته حتى أتى أخواله فأنذرهم، فقال: ابن عاصية السّلميّ يريدكم، فخذوا حذركم؛ فبدر القوم واستعدّوا. وأصبح عمرو بن عاصية قريبا من الحيّ، فنزل فربأ لأصحابه على جبل مشرف على القوم، فإذا هم حذرون. فقال لأصحابه: أرى القوم حذرين، إنّ لهم لشأنا، ولقد أنذروا علينا.
فكمن في الجبل يطلب غفلتهم، فأصابه وأصحابه عطش شديد، فقال ابن عاصية لأصحابه: هل فيكم من يرتوي لأصحابه؟ فقال أصحابه: نخاف القوم، وأبى أحد منهم أن يجيبه إلى ذلك. قال: فخرج على فرس له ومعه قربته.
وقد وضعت هذيل على الماء رجلا منهم رصدا، وعلموا أنّهم لابدّ لهم من أن يردوا الماء. فمرّ بهم عمرو بن عاصية وقد كمن له شيخ وفتيان من هذيل، فلما نظروا إليه همّ الفتيان أن يثاوراه. فقال الشيخ: مهلا! فإنه لم يركما، فكفّا. فانتهى ابن عاصية إلى البئر، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا والآخرون يرمقونه من حيث لا يراهم.
فوثب نحو قربته فأخذها ثم دخل البئر فطفق يملأ القربة ويشرب. وأقبل الفتيان والشيخ معهما حتى أشرفوا عليه وهو في البئر، فرفع رأسه فأبصر القوم؛ فقالوا: قد أخزاك اللّه يابن عاصية وأمكن منك! قال: ورمى الشيخ بسهم فأصاب أخمصه فأنفذه فصرعه، وشغل الفتيان بنزع السهم من قدم الشيخ، ووثب ابن عاصية من البئر شدّا نحو أصحابه، وأدركه الفتيان قبل وصوله فأسراه. فقال لهما حين أخذاه: أروياني من الماء ثم اصنعا ما بدا لكما. فلم يسقياه وتعاوراه بأسيافهما حتى قتلاه. فقالت أخت عمرو بن عاصية ترثي أخاها:
يا لهف نفسي يوما ضلّة جزعاعلى ابن عاصية المقتول بالوادي
إذ جاء ينفض عن أصحابه طفلامشي السّبنتي أمام الأيكة العادي
هلّا سقيتم بني سهم أسيركمنفسي فداؤك من مستورد صادي
قال أبو عبيدة: وآب غزيّ بني سليم بعد مقتل ابن عاصية. قال: فبلغ أخاه عرعرة بن عاصية قتل هذيل أخاه وكيف صنع به، فجمع لهم جمعا من قومه فيهم فوارس من بني سليم منهم عبيدة بن حكيم الشّريديّ وعمر بن الحارث الشّريديّ وأبو مالك البهزيّ وقيس بن عمرو أحد بني مطرود من بني سليم وفوارس من بني رعل. قال: فسرى إليهم عرعرة، فالتقوا بموضع يقال له الجرف فاقتتلوا قتالا شديدا، فظفرت بهم بنو سليم فأوجعوا فيهم وقتلوا منهم قتلى عظيمة، وأسروا أسرى، وأصابوا امرأة من هذيل فعرّوها من ثيابها واستاقوها مجرّدة فأفحشوا في ذلك. وقال عرعرة بن عاصية في ذلك يذكر من قتل:
ألا أبلغ هذيلا حيث حلّتمغلغلة تخبّ مع الشّفيق
مقامكم غداة الجرف لمّاتواقفت الفوارس بالمضيق
غداة رأيتم فرسان بهزورعل ألبدت فوق الطريق
تراميتم قليلا ثم ولّتفوارسكم توقّل كلّ نيق
بضرب تسقط الهامات منهوطعن مثل إشعال الحريق
وقال لي: إنّ هذا الشعر الذي فيه صنعة عبد اللّه بن طاهر لمسعود بن شدّاد يرثي أخاه، وزعم أنّ جرما كانت قتلته وهو عطشان، فقال:
يا عين جودي لمسعود بن شدّادبكل ذي عبرات شجوه بادي
هلّا سقيتم بنى جرم أسيركمنفسي فداؤك من ذي غلّة صادى
فأنشدنيها بعض أصحابنا قال أنشدني أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال أنشدني أبو حاتم عن أبي عبيدة لفارعة المرّية أخت مسعود بن شدّاد ترثيه، فذكر من الأبيات البيت الأوّل، وبعده:
يا من رأى بارقا قد بتّ أرمقهجودا على الحرّة السوداء بالوادي
أسقي به قبر من أعني وحبّ بهقبرا إليّ ولو لم يفده فادي
شهّاد أندية رفّاع أبنيةشدّاد ألوية فتّاح أسداد
نحّار راغية قتّال طاغيةحلّال رابية فكّاك أقياد
قوّال محكمة نقّاض مبرمةفرّاج مبهمة حبّاس أوراد
حلّال ممرعة حمّال مضلعةقرّاع مفظعة طلّاع أنجاد
جمّاع كلّ خصال الخير قد علموازين القرين وخطم الظالم العادي
أبا زرارة لا تبعد فكلّ فتىيوما رهين صفيحات وأعواد
والغناء في هذا الشعر لعبد اللّه بن طاهر خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. قال عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر: لمّا صنع أبي هذا الصوت لم يحبّ أن يشيع عنه شيء من هذا ولا ينسب إليه؛ لأنّه كان يترفّع عن الغناء، وما جسّ بيده وترا قطّ ولا تعاطاه، ولكنه كان يعلم من هذا الشأن بطول الدّربة وحسن الثقافة ما لا يعرفه كبير أحد. وبلغ من علم ذلك إلى أن صنع أصواتا كثيرة، فألقاها على جواريه، فأخذتها عنه وغنّين بها، وسمعها النّاس منهنّ وممن أخذ عنهنّ. فلما أن صنع هذا الصوت:
هلّا سقيتم بني جرم أسيركمنفسي فداؤك من ذي غلّة صادى
نسبه إلى مالك بن أبي السّمح. وكان لآل الفضل بن الربيع جارية يقال لها داحة، فكانت ترغب إلى عبد اللّه بن طاهر لمّا ندبه المأمون إلى مصر في أن يأخذها معه، وكانت تغنيه، وأخذت هذا الصوت عن جواريه، وأخذه المغنّون عنها ورووه لمالك مدّة. ثم قدم عبد اللّه العراق فحضر مجلس المأمون، وغنّي الصوت بحضرته ونسب إلى مالك، فضحك عبد اللّه ضحكا كثيرا. فسئل عن القصّة فصدق فيها واعترف بصنعة الصوت. فكشف المأمون عن ذلك. فلم يزل كلّ من سئل عنه يخبر عمن أخذه عنه، فتنتهي القصّة إلى داحة ثم تقف ولا تعدوها.
فأحضرت داحة وسئلت فأخبرت بقصته؛ فعلم أنّه من صنعته حينئذ بعد أن جاز على إسحاق وطبقته أنّه لمالك.
ويقال: إنّ إسحاق لم يعجب من شيء عجبه من عبد اللّه وحذقه بمذاهب الأوائل وحكاياتهم.
قال: ومن غنائه أيضا:
صوت
راح صحبي وعاود القلب داءمن حبيب طلابه لي عناء
حسن الرأي والمواعيد لا يلفى لشييء مما يقول وفاء
من تعزّى عمن يحبّ فإنّيليس لي ما حييبت عنه عزاء
الغناء لابن طنبورة خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى. ولحن عبد اللّه بن طاهر ثاني ثقيل بالبنصر.
ومنها:
فمن يفرح ببينهمفغيري إذ غدوا فرحا
صوت
يا خليليّ قد مللت ثوائيبالمصلّى وقد شنئت البقيعا
بلّغني ديار هند وسلمىوارجعا بي فقد هويت الرجوعا
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض خفيف ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق، وذكر الهشاميّ أنّه لابن سريح. وذكر حبش أنّ فيه رملا بالبنصر لإبراهيم. وفيه لحن لمعبد ذكره حمّاد بن إسحاق عن أبيه ولم يجنّسه.
أخبرني بخبر عمر بن أبي ربيعة في هذا الشعر وقوله إيّاه الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا سليمان بن عيّاش السّعديّ قال أخبرني السائب بن ذكوان راوية كثيّر قال: قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن عثمان بن حفص قال: وأخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن عثمان بن حفص والزّبيريّ والمسيّبيّ، وأخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة موقوفا عليه. وجمعت رواياتهم، وأكثر اللّفظ للزّبير بن بكّار وخبره أتمّ: أن عمر بن أبي ربيعة قدم المدينة؛ فزعموا أنّه قدمها من أجل امرأة من أهلها، فأقام بها شهرا؛ فذلك قوله:
يا خليليّ قد مللت ثوائيبالمصلّى وقد شنئت البقيعا
قال: ثمّ خرج إلى مكة، فخرج معه الأحوص واعتمرا.
قال الزّبير في خبره عن سائب راوية كثيّر إنّه قال: لمّا مرّا بالرّوحاء استتلياني فخرجت أتلوهما، حتى لحقتهما بالعرج عند رواحهما. فخرجنا جميعا حتى وردنا ودّان، فحبسهما النّصيب وذبح لهما وأكرمهما، وخرجنا وخرج معنا النّصيب. فلمّا جئنا كليّة عدلنا جميعا إلى منزل كثيّر، فقيل لنا: هبط قديدا، فذكر لنا أنّه في خيمة من خيامها. فقال لي ابن أبي ربيعة: اذهب فادعه لي. فقال النّصيب: هو أحمق وأشدّ كبرا من أن يأتيك.
فقال لي عمر: اذهب كما أقول لك فادعه لي. فجئته، فهشّ لي وقال: «اذكر غائبا تره»، لقد جئت وأنا أذكرك. فأبلغته رسالة عمر؛ فحدّد إليّ نظرة وقال: أما كان عندك من المعرفة ما يردعك عن إتياني بمثل هذه الرسالة! قلت: بلى واللّه! ولكنّي سترت عليك فأبى اللّه إلّا أن يهتك سترك. فقال لي: إنّك واللّه يابن ذكوان ما أنت من شكليّ؛ فقل لابن أبي ربيعة: إن كنت قرشيّا فأنا قرشيّ. فقلت له: لا تترك هذا التّلصّق وأنت تقرف عنهم كما تقرف الصّمغة! فقال: واللّه لأنا أثبت فيهم منك في سدوس. ثم قال: وقل له: إن كنت شاعرا فأنا أشعر منك.
فقلت له: هذا إذا كان الحكم إليك. فقال: وإلى من هو ومن أولى بالحكم منّي! وبعد هذا يا بن ذكوان فاحمد اللّه على لومك؛ فقد منعك منّي اليوم؟ فرجعت إلى عمر، فقال: ما وراءك؟ فقلت: ما قال لك نصيب. فقال: وإن. فأخبرته فضحك وضحك صاحباه ظهرا لبطن، ثم نهضوا معي إليه. فدخلنا عليه في خيمة، فوجدناه جالسا على جلد كبش، فو اللّه ما أوسع للقرشيّ. فلمّا تحدثوا مليّا فأفاضوا في ذكر الشّعر، أقبل على عمر فقال له: أنت تنعت المرأة فتنسب بها ثم تدعها وتنسب بنفسك. أخبرني يا هذا عن قولك:
قالت تصدّى له ليعرفناثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبىثم اسبطرّت تشتدّ في أثري
وقولها والدّموع تسبقهالنفسدنّ الطّواف في عمر
أتراك لو وصفت بهذا هرّة أهلك ألم تكن قد قبّحت وأسأت وقلت الهجر. إنما توصف الحرّة بالحياء والإباء والالتواء والبخل والامتناع، كما قال هذا - وأشار إلى الأحوص -:
أدور ولو لا أن أرى أمّ جعفربأبياتكم ما درت حيث أدور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوىإذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفها أمّ جعفروإنّي إلى معروفها لفقير
قال: فدخلت الأحوص أبّهة وعرفت الخيلاء فيه. فلما استبان كثيّر ذلك فيه قال: أبطل آخرك أوّلك. أخبرني عن قولك:
فإن تصلي أصلك وإن تبينيبصرمك بعد وصلك لا أبالي
ولا ألفى كمن إن سيم صرماتعرّض كي يردّ إلى الوصال
أمّا واللّه لو كنت فحلا لباليت ولو كسرت أنفك. ألا قلت كما قال هذا الأسود - وأشار إلى نصيب -:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الرّكبوقل إن تملّينا فما ملّك القلب
قال: فانكسر الأحوص، ودخلت النّصيب أبهة. فلمّا نظر أنّ الكبرياء قد دخلته، قال له: يابن السّوداء، فأخبرني عن قولك:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمتفواكبدي من ذا يهيم بها بعدي
أهمّك من ينيكها بعدك! فقال نصيب: استوت القوق، قال: وهي لعبة مثل المنقلة. ومن هذا الموضع ينفرد الزّبير بروايته دون الباقين. قال سائب: فلّما أمسك كثيّر أقبل عليه عمر فقال له: قد أنصتنا لك فاسمع يا مذبوب إليّ! أخبرني عن تخيّرك لنفسك لمن تحبّ حيث تقول:
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذي غنىبعيرين نرعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدي وأجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهلهعلينا فما ننفكّ نرمى ونضرب
وددت وبيت اللّه أنّك بكرةهجان وأنّي مصعب ثم نهرب
نكون بعيري ذي غنى فيضيعنافلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
وقال: تمنّيت لها ولنفسك الرّقّ والجرب والرّمي والطّرد والمسخ، فأيّ مكروه لم تمنّ لها ولنفسك! لقد أصابها منك قول القائل: «معاداة عاقل خير من مودّة أحمق». قال؛ فجعل يختلج جسده كله. ثم أقبل عليه الأحوص فقال: إليّ يا ابن استها أخبرك بخبرك وتعرّضك للشرّ وعجزك عنه وإهدافك لمن رماك. أخبرني عن قولك:
وقلن - وقد يكذبن - فيك تعيّفوشؤم إذا ما لم تطع صاح ناعقه
وأعييتنا لا راضيا بكرامةولا تاركا شكوى الذي أنت صادقه
فأدركت صفو الودّ منّا فلمتناوليس لنا ذنب فنحن مواذقه
وألفيتنا سلما فصدّعت بينناكما صدّعت بين الأديم خوالقه
واللّه لو احتفل عليك هاجيك ما زاد على ما بؤت به على نفسك. قال: فخفق كما يخفق الطائر. ثم أقبل عليه النّصيب فقال: أقبل عليّ يا زبّ الذّباب! فقد تمنّيت معرفة غائب عندي علمه فيك حيث تقول:
وددت - وما تغني الودادة - أنّنيبما في ضمير الحاجبيّة عالم
فإن كان خيرا سرّني وعلمتهوإن كان شرّا لم تلمني اللّوائم
انظر في مرآتك واطّلع في جيبك واعرف صورة وجهك، تعرف ما عندها لك. فاضطرب اضطراب العصفور، وقام القوم يضحكون. وجلست عنده؛ فلّما هدأ شأوه قال لي: أرضيتك فيهم؟ فقلت له: أمّا في نفسك فنعم! فقد نحس يومك معهم، وقد بقيت أنا عليك. فما عذرك - ولا عذر لك - في قولك:
سقى دمنتين لم نجد لهما أهلابحقل لكم يا عزّ قد رابنا حقلا
نجاء الثّريّا كلّ آخر ليلةيجودهما جودا ويتبعه وبلا
ثم قلت في آخرها
وما حسبت ضمريّة حدريّةسوى التّيس ذي القرنين أنّ لها بعلا
أهكذا يقول الناس ويحك! ثم تظنّ أنّ ذلك قد خفي ولم يعلم به أحد، فتسبّ الرجال وتعيبهم! فقال: وما أنت وهذا؟ وما علمك بمعنى ما أردت؟ فقلت: هذا أعجب من ذاك. أتذكر امرأة تنسب بها في شعرك وتستغزر لها الغيث في أوّل شعرك، وتحمل عليها التّيس في آخره! قال: فأطرق وذلّ وسكن. فعدت إلى أصحابي فأعلمتهم ما كان من خبره بعدهم. فقالوا: ما أنت بأهون حجارته التي رمي بها اليوم منّا. قال فقلت لهم: إنّه لم يترني فأطلبه بذحل، ولكنّي نصحته لئلّا يخلّ هذا الإخلال الشديد، ويركب هذه العروض التي ركب في الطّعن على الأحرار والعيب لهم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وإسماعيل بن يونس قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال حدّثني ابن جامع عن السّعيديّ عن سهل بن بركة وكان يحمل عود ابن سريج قال: كان على مكّة نافع بن علقمة الكنانيّ، فشدّد في الغناء والمغنّين والنبيذ، ونادى في المخنّثين. فخرج فتية من قريش إلى بطن محسّر وبعثوا برسول لهم فأتاهم برواية من الشراب الطائفيّ. فلمّا شربوا وطربوا قالوا: لو كان معنا ابن سريج تمّ سرورنا. فقلت: هو عليّ لكم. فقال لي بعضهم: دونك تلك البغلة فاركبها وامض إليه. فأتيته فأخبرته بمكان القوم وطلبهم إيّاه. فقال لي: ويحك! وكيف لي بذاك مع شدّة السلطان في الغناء وندائه فيه؟ فقلت له: أفتردّهم؟ قال: لا واللّه! فكيف لي بالعود؟ فقلت له: أنا أخبؤه لك فشأنك. فركب وسترت العود وأردفني.
فلمّا كنّا ببعض الطريق إذا أنا بنافع بن علقمة قد أقبل، فقال لي: يا بن بركة هذا الأمير! فقلت: لا بأس عليك، أرسل عنان البغلة وامض ولا تخف، ففعل. فلمّا حاذيناه عرفني ولم يعرف ابن سريج، فقال لي بابن بركة: من هذا أمامك؟ فقلت: ومن ينبغي أن يكون! هذا ابن سريج. فتبسّم ابن علقمة ثم تمثّل:
فإن تنج منها يا أبان مسلّمافقد أفلت الحجّاج خيل شبيب
ثم مضى ومضينا. فلمّا كنّا قريبا من القوم نزلنا إلى شجرة نستريح، فقلت له: غنّ مرتجلا؛ فرفع صوته فخيّل إليّ أنّ الشجرة تنطق معه، فغنّى:
صوت
كيف الثّواء ببطن مكّة بعد ماهمّ الذين تحبّ بالإنجاد
أمّ كيف قلبك إذ ثويت مخمّراسقما خلافهم وكربك بادي
هل أنت إن ظعن الأحبّة غاديأم قبل ذلك مدلج بسواد
- الشعر للعرّجيّ. وذكر إسحاق في مجردّة أنّ الغناء فيه لابن عائشة ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى.
وحكى حماد ابنه عنه أن اللحن لابن سريج - قال سهل: فقلت: أحسنت والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، ولو أنّ كنانة كلّها سمعتك لاستحسنتك فكيف بنافع بن علقمة! المغرور من غرّه نافع. ثم قلت: زدني وإن كان القوم متعلّقة قلوبهم بك. فغنّى وتناول عودا من الشجرة فأوقع به على الشجرة؛ فكان صوت الشجرة أحسن من خفق بطون الضّأن على العيدان إذا أخذتها قضبان الدّفلى. قال: والصوت الذي غنّى:
صوت
لا تجمعي هجرا علي وغربةفالهجر في تلف الغريب سريع
من ذا - فديتك - يستطيع لحبّهدفعا إذا اشتملت عليه ضلوع
فقلت: بنفسي أنت واللّه من لا يملّ ولا يكدّ، واللّه ما جهل من فهمك! اركب - فدتك نفسي - بنا. فقال: أمهلني كما أمهلتك اقض بعض شأني. فقلت: وهل عما تريد مدفع! فقام فصلّى ركعتين، ثم ضرب بيده على الشجرة وقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، ثم قال: يا حبيبتي إذا شهدت بذاك الشيء فاشهدي بهذا. ثم مضينا والقوم متشوّقون. فلما دنونا أحسّت الدوابّ بالبغلة فصهلت، وشحجت البغلة، وإذا الغريض يغنّيهم لحنه:
من خيل حيّ ما تزال مغيرةسمعت على شرف صهيل حصان
فبكى ابن سريج حتى ظننت أنّ نفسه قد خرجت، فقلت: ما يبكيك يا أبا يحيى؟ جعلت فداك! لا يسوءك اللّه ولا يريك سوءا! قال: أبكاني هذا المخنّث بحسن غنائه وشجا صوته؛ واللّه ما ينبغي لأحد أن يغنّي وهذا الصبيّ حيّ. ثم نزل فاستراح وركب. فلمّا سار هنيهة اندفع الغريض فغنّاهم لحنه:
يا خليليّ قد مللت ثوائيبالمصلّى وقد شنئت البقيعا
قال: ولصوته دويّ في تلك الجبال. فقال ابن سريج: ويلك يا بن بركة! أسمعت أحسن من هذا الغناء والشعر قطّ؟ قال: ونظروا إلينا فأقبلوا نشاوى يسحبون أعطافهم، وجعلوا يقبّلون وجه ابن سريج. فنزل فأقام عندهم ثلاثا والغريض لا ينطق بحرف واحد، وأخذوا في شرابهم وقالوا: يا حبيب النفس وشقيقها أعطها بعض مناها؛ فضرب بيده إلى جيبه فأخرج منه مضرابا، ثم أخذه بيده ووضع العود في حجره، فما رأيت يدا أحسن من يده، ولا خشبة تخيّلت إليّ أنّها جوهرة إلّا هي، ثم ضرب فلقد سبّح القوم جميعا ثم غنّى فكلّ قال: لبّيك لبّيك! فكان مما غنّى فيه - واللحن له هزج -:
صوت
لبّيك يا سيّدتيلبّيك ألفا عددا
لبّيك من ظالمةأحببتها مجتهدا
قوموا إلى ملعبنانحك الجواري الخرّدا ضوضع يد فوق يد
ترفعها يدا يدا
فكلّ قال: نفعل ذاك. فلقد رأيتنا نستبق أينّا تقع يده على يده. ثم غنّى:
صوت
ما هاج شوقك بالصّرائمربع أحال لأمّ عاصم
ربع تقادم عهدههاج المحبّ على التّقادم
فيه النّواعم والشّباب الناعمون مع النّواعم
من كل واضحة الجبين عميمة ريّا المعاصم
ثم إنه غنّى:
صوت
شجانيّ مغاني الحيّ وانشقّت العصاوصاح غراب البين أنت مريض
ففاضت دموعي عند ذاك صبابةوفيهن خود كالمهاة غضيض
وولّيت محزون الفؤاد مروّعاكتيبا ودمعي في الرّداء يفيض
- الغناء لابن محرز خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر، وفيه خفيف ثقيل آخر لابن جندب - قال: فلقد
رأيت جماعة طير وقعن بقربنا وما نحسّ قبل ذلك منها شيئا؛ فقالت الجماعة: يا تمام السّرور وكمال المجلس! لقد سعد من أخذ بحظّه منك، وخاب من حرمك، يا حياة القلوب ونسيم النفوس جعلنا اللّه فداءك! غنّنا؛ فغنّى واللحن له.
صوت
يا هند إنّك لو علمت بعاذلين تتابعا
- وهذا الصوت يأتي خبره مفردا لأنّ فيه طولا - فبدرت من بينهم فقبّلت بين عينيه، فتهافت القوم عليه يقبّلونه؛ فلقد رأيتني وأنا أرفعهم عنه شفقة عليه.
وفي هذه الأشعار التي تناشدها كثيّر وعمر ونصيب والأحوص أغان.
منها:
صوت
أبصرتها ليلة ونسوتهايمشين بين المقام والحجر
ما إن طمعنا بها ولا طمعتحتّى التقينا ليلا على قدر
بيضا حسانا خرائدا قطفايمشين هونا كمشية البقر
الشعر لعمر. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن الهشاميّ وحبش. وذكر عمرو أنّ فيه لابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. ولأبي سعيد مولى فائد ثقيل أوّل، وقيل: إنه لسنان الكاتب. ومن هذه القصيدة أيضا، وهذا أوّلها:
صوت
يا من لقلب متيّم كمديهذي بخود مريضة النّظر
تمشي رويدا إذا مشت فضلاوهي كمثل العسلوج البسر
ما زال طرفي يحار إذ برزتحتّى عرفت النّقصان في بصري
غنّاه ابن محرز، ولحنه من خفيف الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.
ومنها:
صوت
قالت لترب لها تحدّثهالنفسدنّ الطّواف في عمر
قالت تصدّي له ليعرفناثمّ اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبىثم استطيرت تشتدّ في أثري
غناء يونس خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن حبش. وقيل: إنّ فيه لعبد اللّه بن العبّاس لحنا جيّدا.
ومنها ما لم يمض ذكره في الكتاب:
صوت
ألا ليتنا يا عزّ من غير بغضهبعيرين نرعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدي وأجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهلهعلينا فما ننفكّ نرمى ونضرب
الغناء لإبراهيم، رمل بالوسطى عن حبش.
أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أبي عبيدة عن عوانة وعيسى بن يزيد: أن كثيّرا دخل على عزّة ذات يوم، فقالت له: ما ينبغي لنا أن نأذن لك في الجلوس. قال: ولم؟ قالت: لأنّي رأيت الأحوص ألين جانبا في شعره منك في شعرك وأضرع خدّا للنساء، وإنّه لأشعر منك حين يقول:
يأيّها اللّائمي فيها لأصرمهاأكثرت لو كان يغني منك إكثار
ارجع فلست مطاعا إذ وشيت بهالا القلب سال ولا في حبّها عار
وإنّي استرققت قوله:
وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوىإذا لم يزر لابدّ أن سيزور
وأعجبني قوله:
كم من دنيّ لها قد صرت أتبعهولو صحا القلب عنها كان لي تبعا
وزادني كلفا بالحبّ أن منعتأحب شيء إلى الإنسان ما منعا
وقوله أيضا:
وما العيش إلّا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
فقال كثيّر: قد واللّه أجاد! فما الذي استجفيت من قولي؟ قالت: أخزاك اللّه! أما استحييت حين تقول:
يحاذرن مني غيرة قد عرفنهالديّ فما يضحكن إلّا تبسّما
فقال كثيّر:
وددت وبيت اللّه أنّك بكرةهجان وأنّي مصعب ثم نهرب
كلانا به عرّ فمن يرنا يقلعلى حسنها جرباء تعدي وأجرب
نكون لذي مال كثير مغفّلفلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
فقالت لي: ويحك! لقد أردت بي الشقاء الطويل، ومن المنى ما هو أعفى من هذا وأطيب.
صوت
قد كنت في منظر ومستمععن نصر بهراء غير ذي فرس
لا ترة عندهم فتطلبهاولا هم نهزة لمختلس
بكفّ حرّان ثائر بدمطلّاب وتر في الموت منغمس
إمّا تقارش بك الرّماح فلاأبكيك إلا للدّلو والمرس
تذبّ عنه كفّ بها رمقطيرا عكوفا كزوّر العرس
عما قليل يصبحن مهجتهفهنّ من والغ ومنتهس
الشعر لأبي زبيد الطائيّ. والغناء لابن محرز في الأوّل والثاني خفيف ثقيل الأوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنّ في الأربعة الأوّل خفيفي ثقيل كلاهما بالبنصر لمعبد وابن محرز، ووافقه الهشاميّ في لحن معبد في الأول والثاني وذكر أنّه بالوسطى. وفي كتاب ابن مسجح عن حمّاد له؛ فيه لحن يقال إنّه
لابن محرز. ولابن سريج في الأوّل والخامس والسادس والسابع رمل بالوسطى عن عمرو. وذكر لنا حبش أنّ الرمل لمعبد، وذكر إسحاق أنّه لابن سريج أيضا، وأوّله:
تذبّ عنه كفّ بها رمق
وفيه لمالك في السادس والسابع خفيف ثقيل آخر. وفيه لابن عائشة رمل. وفيه لحنين ثاني ثقيل. هذه الحكايات الثلاث عن يونس، وطرائقها عن الهشاميّ. ولمخارق في الرابع والأوّل خفيف رمل. ولمتيّم في الأوّل والثاني خفيف رمل آخر. وذكر حبش أنّ لإبراهيم في الأوّل والثاني ثاني ثقيل بالوسطى، ولابن مسجح خفيف ثقيل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع