تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر عبد اللّه بن معاوية ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عبد اللّه بن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وأمّ عبد اللّه بن جعفر وسائر بني جعفر أسماء بنت عميس بن معد بن تميم بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشر بن وهب اللّه بن شهران بن عفرس بن أفتل، وهو خماعة بن خثعم بن أنمار.

وأمّها هند بنت عوف، امرأة من جرش. هذه الجرشيّة أكرم الناس أحماء، أحماؤها: رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعليّ وجعفر وحمزة والعباس وأبو بكر رضى اللّه تعالى عنهم، وإنما صار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من أحمائها أنه كان لها أربع بنات: ميمونة زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأمّ الفضل زوجة العباس وأم بنته، وسلمى زوجة حمزة بن عبد المطلب، بنات الحارث، وأسماء بنت عميس أختهنّ لأمّهنّ، كانت عند جعفر بن أبي طالب، ثم خلف عليها أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه ثم خلف عليها عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وولدت من جميعهم. وهنّ اللواتي قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهنّ: «إنهنّ مؤمنات».

حدّثني بذلك أحمد بن محمد بن سعيد قال حدّثني يحيى بن الحسن العلويّ قال حدّثنا هارون بن محمد بن موسى الفرويّ قال: حدّثنا داود بن عبد اللّه قال: حدّثني عبد العزيز الدّراورديّ عن إبراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «الأخوات المؤمنات: ميمونة، وأمّ الفضل، وسلمى، وأسماء بنت عميس أختهنّ لأمّهن».

حدّثني أحمد قال حدّثني يحيى قال حدّثنا الحسن بن علي قال حدّثني عبد الرزاق قال أخبرني يحيى بن العلاء البجليّ عن عمه شعيب بن خالد عن حنظلة بن سمرة بن المسيّب عن أبيه عن جدّه عن ابن عباس قال: دخل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على فاطمة وعليّ، عليهما السلام - ليلة بنى بها - فأبصر خيالا من وراء السّتر؛ فقال: «من هذا؟» فقالت: أسماء؛ قال: «بنت عميس»؟ قالت: نعم، أنا التي أحرس بنتك يا رسول اللّه؛ فإنّ الفتاة ليلة بنائها لابدّ لها من امرأة تكون قريبا منها، إن عرضت لها حاجة أفضت بذلك إليها؛ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «فإني أسأل إلهي أن يحرسك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك من الشيطان».

وقد أدرك عبد اللّه بن جعفر رحمه اللّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وروى عنه.

فمّما روى عنه ما حدّثنيه حامد بن محمد بن شعيب البلخيّ وأحمد بن محمد بن الجعد قالا حدّثنا محمد بن بكّار قال حدّثني إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عبد اللّه بن جعفر قال: رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يأكل البطّيخ بالرّطب.

حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدّثنا يحيى بن الحسن قال حدّثنا سلمة بن شبيب قال حدّثنا عبد الرزاق قال أخبرني ابن يحيى وعثمان بن أبي سليمان قالا: مرّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعبد اللّه بن جعفر وهو يصنع شيئا من طين من لعب الصبيان فقال: «ما تصنع بهذا»؟ قال: أبيعه، قال: «ما تصنع بثمنه»؟ قال: أشتري به رطبا فآكله؛ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «اللهم بارك له في صفقة يمينه». فكان يقال: ما اشترى شيئا إلا ربح فيه.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء والطّوسيّ قالا حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عمي مصعب عن جدّي عبد اللّه بن مصعب: أنّ الحزين قمر في العقيق في غداة باردة ثيابه، فمرّ به عبد اللّه بن جعفر وعليه مقطّعات خزّ؛ فاستعار الحزين من رجل ثوبا، ثم قال إليه فقال:

أقول له حين واجهتهعليك السلام أبا جعفر
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة

فقال: وعليك السلام؛ فقال:

فأنت المهذّب من غالبوفي البيت منها الذي تذكر
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة

فقال: كذبت يا عدوّ اللّه؛ ذاك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال:

فهذي ثيابي قد أخلقتوقد عضّني زمن منكر
للشاعر الحزين الديلي، اقرأ القصيدة

قال: هاك ثيابي، فأعطاه ثيابه.

قال الزبير قال عميّ: أما البيت الثاني فحدثنيه عميّ عن الفضل بن الربيع عن أبي، وما بقي فأنا سمعته من أبي.

حدّثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال أخبرنا يحيى بن الحسن قال: بلغني أن أعرابيا وقف على مروان بن عبد الحكم أيام الموسم بالمدينة فسأله، فقال: يا أعرابيّ، ما عندنا ما نصلك؛ ولكن عليك بابن جعفر. فأتى الأعرابيّ باب عبد اللّه بن جعفر فإذا ثقله قد سار نحو مكة، وراحلته بالباب عليها متاعها وسيف معلّق، فخرج عبد اللّه من داره وأنشأ الأعرابي يقول:

أبو جعفر من أهل بيت نبوّةصلاتهم للمسلمين طهور
أبا جعفر إن الحجيج ترحّلواوليس لرحلي فاعلمنّ بعير
أبا جعفر ضنّ الأمير بمالهوأنت على ما في يديك أمير
وأنت امرؤ من هاشم في صميمهاإليك يصير المجد حيث تصير

فقال: يا أعرابي، سار الثّقل فدونك الراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السّيف فإني أخذته بألف دينار.

فأنشأ الأعرابيّ يقول:

حباني عبد اللّه، نفسى فداؤهبأعيس موّار سباط مشافزه
وأبيض من ماء الحديد كأنهشهاب بدا والليل داج عساكره
وكل امرىء يرجو نوال ابن جعفرسيجري له باليمن والبشر طائره
فيا خير خلق اللّه نفسا ووالداوأكرمه للجار حين يجاوره
سأثني بما أوليتني يا بن جعفروما شاكر عرفا كمن هو كافره

وحدّثني أحمد بن يحيى عن رجل قال حدّثني شيخ من بني تميم بخراسان قال: جاء شاعر إلى عبد اللّه بن جعفر فأنشده:

رأيت أبا جعفر في المنامكساني من الخزّ درّاعة
شكوت إلى صاحبي أمرهافقال ستؤتى بها الساعة
سيكسوكها الماجد الجعفريّومن كفّه الدهر نفّاعه
ومن قال للجود لا تعدنيفقال لك السمع والطاعة

فقال عبد اللّه لغلامه: ادفع إليه درّاعتي الخزّ ثم قال له: كيف لو ترى جبتي المنسوجة بالذهب التي اشتريتها بثلاثمائة دينار! فقال له الشاعر: بأبي دعني اغفى إغفاءة أخرى فلعلي أرى هذه الجبة في المنام، فضحك منه وقال: يا غلام ادفع إليه جبّتي الوشى.

حدّثنا أحمد قال قال يحيى قال ابن دأب: وسمع قول الشمّاخ بن ضرار الثعلبيّ في عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رحمه اللّه:

إنك يا بن جعفر نعم الفتىونعم مأوى طارق إذا أتى
وجار ضيف طرق الحيّ سرىصادف زادا وحديثا يشتهى
إن الحديث طرف من القرى

فقال ابن دأب: العجب للشمّاخ يقول مثل هذا القول لابن جعفر ويقول لعرابة الأوسي:

إذا ما رأية رفعت لمجدتلقّاها عرابة باليمين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

عبد اللّه بن جعفر كان أحقّ بهذا من عرابة.

قال يحيى بن الحسن وكان عبد اللّه بن الحسن يقول كان أهل المدينة يدّانون بعضهم من بعض إلى أن يأتي عطاء عبد اللّه بن جعفر.

جوده على رجل جلب إلى المدينة سكرا كسد عليه.

أخبرني أحمد قال حدّثني يحيى قال: حدّثني أبو عبيد قال حدّثني يزيد بن هارون عن هشام عن ابن سيرين قال: جلب رجل إلى المدينة سكّرا فكسد عليه فقيل له: لو أتيت ابن جعفر قبله منك وأعطاك الثّمن، فأتى ابن جعفر فأخبره، فأمره بإحضاره وبسط له، ثم أمر به فنثر، فقال: للناس إنتبهوا، فلما رأى الناس ينتبهون قال: جعلت فداءك! آخذ معهم؟ قال: نعم، فجعل الرجل يهيل في غرائره، ثم قال لعبد اللّه: أعطني الثمن فقال: وكم ثمن سكّرك؟ قال: أربعة آلاف درهم، فأمر له بها.

أخبرنا أحمد قال حدّثني يحيى بن علي، وحدّثني ابن عبد العزيز قال حدّثنا أبو محمد الباهليّ حسن بن سعيد عن الأصمعيّ نحوه وزاد فيه، قال: فقال الرجل: ما يدري هذا وما يعقل أخذ أم أعطى! لأطلبنّه بالثمن ثانية، فغدا عليه فقال: ثمن سكّري، فأطرق عبد اللّه مليّا ثم قال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف درهم؛ فأعطاه إياها، فقال الرجل: قد قلت لكم: إن هذا الرجل لا يعقل: أخذ أم أعطى! لأطلبنّه بالثمن. فغدا عليه فقال: أصلحك اللّه! ثمن سكّري، فأطرق عبد اللّه مليا، ثم رفع رأسه إلى رجل، قال: إدفع إليه أربعة آلاف درهم فلما ولّى ليقبضها قال له ابن جعفر: يا أعرابي، هذه تمام اثنى عشر ألف درهم، فانصرف الرجل وهو يعجب من فعله.

وأخبرني أبو الحسن الأسديّ عن دماذ عن أبي عبيدة: أن أعرابيّا باع راحلة من عبد اللّه بن جعفر، ثم غدا عليه فاقتضى ثمنها فأمر له به، ثم عاوده ثلاثا، وذكر في الخبر مثل الذي قبله وزاد فيه: فقال فيه:

لا خير في المجتدى في الحين تسألهفاستمطروا من قريش خير مختدع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
تخال فيه إذا حاورته بلهامن جوده وهو وافي العقل والورع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وهذا الشعر يروي لابن قيس الرّقيّات.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء والطوسيّ قالا حدّثنا الزبير قال حدّثني مصعب بن عثمان قال: لما ولي عبد الملك الخلافة جفا عبد اللّه بن جعفر، فراح يوما إلى الجمعة وهو يقول: اللهمّ إنك عوّدتني عادة جريت عليها، فإن كان ذلك قد أنقضى فاقبضني إليك، فتوفّي في الجمعة الأخرى. قال يحيى: توفّي عبد اللّه وهو ابن سبعين سنة في سنة ثمانين وهو عام الجحاف لسيل كان بمكّة جحف الحاجّ فذهب بالإبل عليها الحمولة، وكان الوالي على المدينة يومئذ أبان بن عثمان في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو الذي صلّى عليه.

حدّثني أحمد بن محمد قال أخبرنا يحيى قال حدّثنا الحسين بن محمد قال أخبرني محمد بن مكرم قال أخبرني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود قال أخبرني الأصمعي عن الجعفريّ قال: لمّا مات عبد اللّه بن جعفر شهده أهل المدينة كلّهم، وإنما كان عبد اللّه بن جعفر مأوى المساكين وملجأ الضعفاء، فما تنظر إلى ذي حجّا إلّا رأيته مستعبرا قد أظهر الهلع والجزع، فلما فرغوا من دفنه قام عمرو بن عثمان فوقف على شفير القبر فقال: رحمك اللّه يابن جعفر! إن كنت لرحمك لواصلا، ولأهل الشر لمبغضا، ولأهل الرّيبة لقاليا، ولقد كنت فيما بيني وبينك كما قال الأعشى:

رعيت الذي كان بيني وبينكممن الودّ حتى غيّبتك المقابر

فرحمك اللّه! يوم ولدت ويوم كنت رجلا ويوم متّ ويوم تبعث حيّا؛ واللّه لئن كانت هاشم أصيبت بك لقد عمّ قريشا كلّها هلكك، فما أظنّ أن يرى بعدك مثلك.

فقام عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق فقال: لا إله إلا اللّه الذي يرث الأرض ومن عليها وإليه ترجعون، ما كان أحلى العيش بك يابن جعفر! وما أسمج ما أصبح بعدك! واللّه لو كانت عيني دامعة على أحد لدمعت عليك، كان واللّه حديثك غير مشوب بكذب، وودّك غير ممزوج بكدر.

فوثب ابن للمغيرة بن نوفل - ولم يثبت الأصمعيّ اسمه - فقال: يا عمرو، بمن تعرّض بمزج الودّ وشوب الحديث؟ أفبابني فاطمة؟ فهما واللّه خير منك ومنه، فقال: على رسلك يا لكع! أردت أن أدخلك معهم؟ هيهات لست هناك، واللّه لو متّ أنت ومات أبوك ما مدحت ولا ذممت، فتكلم بما شئت فلن تجد لك مجيبا؛ فما هو إلا أن سمعهما الناس يتكلمان حتى حجزوا بينهما وانصرفوا.

قال يحيى وقال عبد اللّه بن قيس الرّقيّات في علة عبد اللّه بن جعفر التي مات فيها:

بات قلبي تشفّه الأوجاعمن هموم تجنّها الأضلاع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
من حديث سمعته منع النوم فقلبي مما سمعت يراع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
إذ أتانا بما كرهنا أبو اللّسلاس، كانت بنفسه الأوجاع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
قال ما قال ثم راح سريعاأدركت نفسه المنايا السّراع
قال يشكو الصّداع وهو ثقيلبك لا بالذي عنيت الصّداع
ابن أسماء لا أبا لك تنعىأنه غيرهالك نفّاع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
هاشميّا بكفّه من سجال المجد سجل يهون فيه القباع
نشر الناس كلّ ذلك منهشيمة المجد ليس فيه خداع
لم أجد بعدك الأخلّاء إلّاكثماد به قذى أو نقاع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
بيته من بيوت عبد منافمدّ أطنابه المكان اليفاع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
منتهى الحمد والنبوة والمجد إذا قصّر اللئام الوضاع
فستأتيك مدحة من كريمناله من ندى سجالك باع
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

من هذا الشعر الذي قاله ابن قيس في عبد اللّه بن جعفر بيتان يغنّى فيهما، وهما:

صوت

قد أتانا بما كرهنا أبو الّلسلاس كانت بنفسه الأوجاع
قال يشكو الصداع وهو ثقيلبك لا بالّذي ذكرت الصّداع

غنّاه عمرو بن بانه خفيف ثقيل، الأوّل بالوسطى على مذهب إسحاق. ويقال إن عمرو بن بانة صاغ هذا اللحن في هذا الشعر وغنّى به الواثق بعقب علّة نالته وصداع تشكّاه؛ قال: فاستحسنه وأمر له بعشرة آلاف درهم. وأمّ معاوية ابن عبد اللّه بن جعفر أمّ ولد. وكان من رجالات قريش، ولم يكن في ولد عبد اللّه مثله.

حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ عن أبي عبد الرحمن القرشيّ: أنّ معاوية بن عبد اللّه بن جعفر ولد وأبوه عبد اللّه عند معاوية، فأتاه البشير بذلك وعرف معاوية الخبر فقال: سمّه معاوية ولك مائة ألف درهم، ففعل، فأعطاه المال، وأعطاه عبد اللّه للّذي بشّره به. قال المدائنيّ: وكان عبد اللّه بن جعفر لا يؤدّب ولده، ويقول: إن يرد اللّه جلّ وعزّ بهم يتأدّبوا، فلم ينجب فيهم غير معاوية.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا هرون بن محمّد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال هارون وحدّثني محمد بن عبد اللّه بن موسى بن خالد بن الزبير بن العوّام قال حدّثني عمرو بن الحكم السّعيديّ وإبراهيم بن محمد ومحمد بن معن بن عنبسة قالوا: كان معاوية بن عبد اللّه بن جعفر قد عوّد ابن هرمة البرّ، فجاءه يوما وقد ضاقت يده وأخذ خمسين دينارا بدين، فرفع إليه مع جاريته رقعة فيها مديح له يسأله فيه أيضا برّا، فقال للجارية: قولي له: أيدينا ضيّقة، وما عندنا شيء إلّا شيء أخذناه بكلفة، فرجعت جاريته بذلك، فأخذ الرقعة فكتب فيها:

فإني ومدحك غير المصيب كالكلب ينبح ضوء القمر
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فاني ومدحك غير المصيى»
مدحتك أرجو لديك الثوابفكنت كعاصر جنب الحجر
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فاني ومدحك غير المصيى»

وبعث بالرّقعة مع الجارية، فدفعتها إلى معاوية، فقال لها: ويحك قد علم بها أحد! قالت: لا واللّه إنما دفعها من يده إلى يدي؛ قال: فخذي هذه الدنانير فادفعيها إليه، فخرجت بها إليه، فقال: كلّا، أليس زعم أنه لا يدفع إليّ شيئا؟

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء والطوسيّ قالا حدّثنا الزبير قال حدّثني عمّي مصعب قال: سمّي عبد اللّه بن جعفر ابنه معاويّة بمعاويّة بن أبي سفيان. قال: وكان معاوية بن عبد اللّه بن جعفر صديقا ليزيد بن معاوية خاصة، فسمى ابنه بيزيد ابن معاوية.

قال الزبير: وحدّثني محمد بن إسحاق بن جعفر عن عمه محمد: أن عبد اللّه بن جعفر لما حضرته الوفاة دعا ابنه معاوية فنزع شنفا كان في أذنه وأوصى إليه - وفي ولده من هو أسنّ منه - وقال له: إني لم أزل أؤمّلك لها فلما توفى احتال بدين أبيه وخرج فطلب فيه حتى قضاه، وقسم أموال أبيه بين ولده، ولم يستأثر عليهم بدينار ولا درهم ولا غيرهما.

وأمّ عبد اللّه بن معاوية أمّ عون بنت عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب. ويقال: بنت عياش بن ربيعة. وقد روى عبّاس عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وكان معه يوم حنين، وهو أحد من ثبت معه يومئذ.

وكان عبد اللّه من فتيان بني هاشم وجودائهم وشعرائهم، ولم يكن محمود المذهب في دينه، وكان يرمى بالزندقة ويستولي عليه من يعرف ويشهر أمره فيها، وكان قد خرج بالكوفة في آخر أيام مروان بن محمد، ثم انتقل عنها إلى نواحي الجبل ثم إلى خراسان، فأخذه أبو مسلم فقتله هناك.

ويكنى عبد اللّه بن جعفر أبا معاوية، وله يقول ابن هرمه:

أحب مدحا أبا معاوية الماجد لا تلقه حصورا عيبّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
بل كريما يرتاح للمجد بسّامّا إذا هزّه السّؤال حييا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
إنّ لي عنده وإن رغم الأعداء حظّا من نفسه وقفيّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
قفيا: أثره، يقول: إن لي عنده لأثرة على غيري، وقال قوم آخرون: القفيّ: الكرامة-
إن أمت تبق مدحتي وإخائيوثنائي من الحياة مليّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
يأخذ السبق بالتقدّم في الجري إذا ما النّدى انتحاه عليا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
ذو وفاء عند العدات وأوصاه أبوه ألّا يزال وفيّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
فرعى عقدة الوصاة فأكرمبهما موصيا وهذا وصيّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
يابن أسماء فاسق دلوى فقد أوردتها منهلا يثجّ رويّا

يعني أمه أسماء، وهي أمّ عون بنت العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وأوّل هذه القصيدة:

عاتب النفس والفؤاد الغويّافي طلاب الصّبا فلست صبيّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»

قال يحيى بن عليّ فيما أجازه لنا: أخبرني أبو أيوب المدينيّ وأخبرناه وكيع عن هارون بن محمد بن عبد الملك عن حماد بن إسحاق عن أبيه قالا: مدح ابن هرمه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فأتاه، فوجد الناس بعضهم على بعض على بابه. قال ابن هرمة: ورآني بعض خدمه فعرفني، فسألته عن الذين رأيتهم ببابه فقال: عامّتهم غرماء له، فقلت: ذاك شرّ.

واستؤذن لي عليه فقلت: لم أعلم واللّه بهؤلاء الغرماء ببابك، قال: لا عليك أنشدني. قلت: أعيذك باللّه.

واستحييت أن أنشد، فأبى إلا أن أنشده قصيدتي التي أقول فيها:

حللت محلّ القلب من آل هاشمفعشّك مأوى بيضها المتفلّق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
ولم تك بالمعزى إليها نصابهلصاقا ولا ذا المركب المتعلّق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
فمن مثل عبد اللّه أو مثل جعفرومثل أبيك الأريحيّ المرهّق

فقال: من هاهنا من الغرماء؟ فقيل: فلان وفلان، فدعا باثنين منهم فسارّهما وخرجا، وقال لي: اتبعهما.

قال: فأعطياني مالا كثيرا. قال يحيى: ومن مختار مدحه فيه منها قوله:

فإلّا توات اليوم سلمى فربماشربنا بحوض اللهو غير المرنّق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
فدعها فقد أعذرت في ذكر وصلهاوأجريت فيها شأو غرب ومشرق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
ولكن لعبد اللّه فأنطق بمدحهتجيرك من عسر الزمان المطبّق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
أخ قلت للأدنين لمّا مدحتههلمّوا وساري الليل م الآن فاطرق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
شديد التأنّي في الأمور مجرّبمتى يعر أمر القوم يفر ويخلق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
ترى الخير يجري في أسرّة وجههكمالألأت في السيف جرية رونق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
كريم إذا ما شاء عدّ له أباله نسب فوق السّماك المحلّق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»
وأمّا لها فضل على كلّ حرّةمتى ما تسابق بابنها القوم تسبق
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «فإلا توات اليوم سلمى فربما»

ومما يغنى فيه من قصيدة ابن هرمة اليائية التي مدح بها ابن معاوية قوله:

صوت

عجبت جارتي لشيب علانيعمرك اللّه هل رأيت بديّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»
إنما يعذر الوليد ولا يعذر من عاش في الزمان عتيّا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «عاتب النفس والفؤاد الغويا»

غنىّ فيهما فليح رملا بالبنصر من رواية عمرو بن بانة ومن رواية حبش فيهما لابن محرز خفيف ثقيل بالبنصر.

حدّثنا بالسبب في خروجه أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال حدّثنا عليّ بن محمد النوفليّ عن أبيه وعمه عيسى، قال ابن عمار وأخبرنا أيضا ببعض خبره أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيريّ، قال ابن عمار وأخبرني أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ عن أبي اليقظان وشهاب بن عبد اللّه وغيرهما، قال ابن عمار وحدّثني به سليمان بن أبي شيخ عمن ذكره. قال أبو الفرج الأصبهاني: ونسخت أنا أيضا بعض خبره من كتاب محمد بن علي بن حمزة عن المدائنيّ وغيره فجمعت معاني ما ذكروه في ذلك كراهة الإطالة: أنّ عبد اللّه بن معاوية قدم الكوفة زائرا لعبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز ومستميحا له، فتزوج بالكوفة بنت الشرقيّ بن عبد المؤمن بن شبث بن ربعيّ الرياحيّ، فلما وقعت العصبية أخرجه أهل الكوفة على بني أمية، وقالوا له: أخرج فأنت أحقّ بهذا الأمر من غيرك، واجتمعت له جماعة، فلم يشعر به عبد اللّه بن عمر إلا وقد خرج عليه.

قال ابن عمار في خبره: إنه إنما خرج في أيام يزيد بن الوليد، ظهر بالكوفة ودعا إلى الرضا من آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولبس الصوف وأظهر سيمى الخير، فاجتمع إليه وبايعه بعض أهل الكوفة، ولم يبايعه كلّهم وقالوا: ما فينا بقيّة قد قتل جمهورنا مع أهل هذا البيت، وأشاروا عليه بقصد فارس وبلاد المشرق فقبل ذلك، وجمع جموعا من النواحي، وخرج معه عبد اللّه بن العباس التميميّ. قال محمد بن عليّ بن حمزة عن سليمان بن أبي شيخ عن محمد بن الحكم عن عوانة: إن ابن معاوية قبل قصده المشرق ظهر بالكوفة ودعا إلى نفسه، وعلى الكوفة يومئذ عامل ليزيد الناقص يقال له عبد اللّه بن عمر، فخرج إلى ظهر الكوفة مما يلي الحرّة، فقاتل ابن معاوية قتالا شديدا. قال محمد بن عليّ ابن حمزة عن المدائنيّ عن عامر بن حفص، وأخبرني به ابن عمار عن أحمد بن الحارث عن المدائنيّ: أن ابن عمر هذا دسّ إلى رجل من أصحاب ابن معاوية من وعده عنه مواعيد على أن ينهزم عنه وينهزم الناس بهزيمته، فبلغ ذلك ابن معاوية، فذكره لأصحابه وقال: إذا انهزم ابن حمزة فلا يهولنكم، فلما التقوا انهزم ابن حمزة وانهزم الناس معه فلم يبق غير ابن معاوية، فجعل يقاتل وحده ويقول:

تفرّقت الظباء على خداشفما يدري خداش ما يصيد

ثم ولى وجهه منهزما فنجا، وجعل يجمع من الأطراف والنواحي من أجابه، حتى صار في عدّة، فغلب على ماه الكوفة وماه البصرة وهمذان وقمّ والرّيّ وقومس وأصبهان وفارس، وأقام هو بأصبهان. قال: وكان الذي أخذ له البيعة بفارس محارب بن موسى مولى بني يشكر، فدخل دار الإمارة بنعل ورداء واجتمع الناس إليه، فأخذهم بالبيعة؛ فقالوا: علام نبايع؟ فقال: على ما أحببتم وكرهتم، فبايعوا على ذلك.

وكتب عبد اللّه بن معاوية فيما ذكر محمد بن عليّ بن حمزة عن عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن أبيه عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن جعفر بن الوليد مولى أبي هريرة ومحرز بن جعفر: أن عبد اللّه بن معاوية كتب إلى الأمصار يدعو إلى نفسه لا إلى الرضا من آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: واستعمل أخاه الحسن على إصطخر، وأخاه يزيد على شيراز، وأخاه عليا على كرمان، وأخاه صالحا على قم ونواحيها، وقصدته بنو هاشم جميعا منهم السّفاح والمنصور وعيسى بن عليّ. وقال ابن أبي خيثمة عن مصعب: وقصده وجوه قريش من بني أمية وغيرهم، فممّن قصده من بني أمية سليمان بن هشام بن عبد الملك وعمر بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان، فمن أراد منهم عملا قلّده، ومن أراد منهم صلة وصله.

فلم يزل مقيما في هذه النواحي التي غلب عليها حتى ولى مروان بن محمد الذي يقال له مروان الحمار، فوجّه إليه عامر بن ضبارة في عسكر كثيف، فسار إليه حتى إذا قرب من أصبهان ندب له ابن معاوية أصحابه وحضهم على الخروج إليه، فلم يفعلوا ولا أجابوه، فخرج على دهش هو وإخوته قاصدين لخرسان - وقد ظهر أبو مسلم بها ونفى عنها نصر ابن سيار - فلما صار في بعض الطريق نزل على رجل من التّنّاء ذي مروءة ونعمة وجاه، فسأله معونته، فقال له: من أنت من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ أأنت إبراهيم الإمام الذي يدعى له بخرسان؟

قال: لا، قال فلا حاجة لي في نصرتك.

فخرج إلى أبي مسلم وطمع في نصرته، فأخذه أبو مسلم وحبسه عنده، وجعل عليه عينا يرفع إليه أخباره، فرفع إليه أنه يقول: ليس في الأرض أحمق منكم يأهل خراسان في طاعتكم هذا الرجل وتسليمكم إليه مقاليد أموركم من غير أن تراجعوه في شيء أو تسألوه عنه، واللّه ما رضيت الملائكة الكرام من اللّه تعالى بهذا حتى راجعته في أمر آدم عليه السلام، فقالت: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ... حتى قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ

ثم كتب إليه عبد اللّه بن معاوية رسالته المشهورة التي يقول فيها: «إلى أبي مسلم، من الأسير في يديه، بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه. أما بعد، فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع؛ وإنّ الودائع مرعيّة، وإن الصنائع عاريّة؛ فاذكر القصاص، واطلب الخلاص؛ ونبّه للفكر قلبك، واتق اللّه ربّك؛ وآثر ما يلقاك غدا على ما لا يلقاك أبدا؛ فإنك لاق أما سلفت، وغير لاق ما خلّفت؛ وفقك اللّه لما ينجيك، وآتاك شكر ما يبليك».

قال: فلما قرأ كتابه رمى به. ثم قال: قد أفسد علينا أصحابنا وأهل طاعتنا وهو محبوس في أيدينا، فلو خرج وملك أمرنا لأهلكنا، ثم أمضى تدبيره في قتله. وقال آخرون: بل دسّ إليه سّما فمات منه، ووجّه برأسه إلى ابن ضبارة فحمله إلى مروان، فأخبرني عمر بن عبد اللّه العتكيّ قال: حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا محمد بن يحيى أنّ عبد العزيز بن عمران حدّثه عن عبد اللّه بن الربيع عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة أنه حضر مروان يوم الزاب وهو يقاتل عبد اللّه بن عليّ، فسأل عنه فقيل له: هو الشابّ المصفرّ الذي كان يسبّ عبد اللّه بن معاوية يوم جيء برأسه إليك فقال: واللّه لقد هممت بقتله مرارا، كلّ ذلك يحال بيني وبينه، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً كانت الزنادقة من خاصته

حدثني أحمد بن عبد اللّه بن عمار قال حدّثني النوفلّي عن أبيه عن عمه قال كان عمارة بن حمزة يرمى بالزندقة، فاستكتبه ابن معاوية، وكان له نديم يعرف بمطيع بن إياس، وكان زنديقا مأبونا، وكان له نديم آخر يعرف بالبقليّ وإنما سمي بذلك لأنه كان يقول: الإنسان كالبقلة فإذا مات لم يرجع، فقتله المنصور لما أفضت الخلافة إليه. فكان هؤلاء الثلاثة خاصّته، وكان له صاحب شرطة يقال له قيس، وكان دهريا لا يؤمن باللّه معروفا بذلك، فكان يعسّ باللّيل فلا يلقاه أحد إلا قتله، فدخل يوما على ابن معاوية فلما رآه قال:

إن قيسا وإن تقنّع شيبالخبيث الهوى على شمطة
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
ابن تسعين منظرا ومشيباوابن عشر يعدّ في سقطه
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وأقبل على مطيع فقال: أجز أنت، فقال:

وله شرطة إذا جنّه الليل فعوذوا باللّه من شرطه
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

قال ابن عمّار: أخبرني أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ عن أبي اليقظان وشباب بن عبد اللّه وغيرهما، قال ابن عمار وحدّثني به سليمان بن أبي شيخ عمن ذكره: أن ابن معاوية كان يغضب على الرجل فيأمر بضربه بالسياط وهو يتحدّث ويتغافل عنه حتى يموت تحت السياط، وأنه فعل ذلك برجل، فجعل يستغيث فلا يلتفت إليه، فناداه: يا زنديق، أنت الذي تزعم أنّه يوحى إليك! فلم يلتفت إليه وضربه حتى مات.

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال حدّثني النوفليّ عن أبيه عن عمه عيسى قال: كان ابن معاوية أقسى خلق اللّه قلبا، فغضب على غلام له وأنا جالس عنده في غرفة بأصبهان، فأمر بأن يرمى به منها إلى أسفل، ففعل ذلك به فتعلّق بدرابزين كان على الغرفة، فأمر بقطع يده التي أمسكه بها، فقطعت ومر الغلام يهوي حتى بلغ إلى الأرض فمات.

وكان مع هذه الأحوال من ظرفاء بني هاشم وشعرائهم، وهو الذي يقول:

ألا تزع القلب عن جهلهوعما تؤنّب من أجله!
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فأبدل بعد الصبا حلمهوأقصر ذو العذل عن عذله
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فلا تركبنّ الصنيع الذيتلوم أخاك على مثله
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
ولا يعجبنّك قول امرىءيخالف ما قال في فعله
ولا تتبع الطّرف ما لا تنالولكن سل اللّه من فضله
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فكم من مقلّ ينال الغنىويحمد في رزقه كلّه
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

أنشدنا هذا الشعر له ابن عمار عن أحمد بن خيثمة عن يحيى بن معين. وذكر محمد بن عليّ العلويّ عن أحمد بن أبي خيثمة أن يحيى بن معين أنشده أيضا لعبد اللّه بن معاوية:

إذا افتقرت نفسي قصرت افتقارهاعليها فلم يظهر لها أبدا فقري
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وإن تلقني في الدهر مندوحة الغنىيكن لأخلّائي التوسّع في اليسر
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فلا العسر يزري بي إذا هو نالنيولا اليسر يوما إن ظفرت به فخري
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وهذا الشعر الذي غنى به - أعني قوله:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

يقوله ابن معاوية للحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وكان الحسين أيضا سيء المذهب مطعونا في دينه.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن محمد بن سليمان النوفليّ قال حدّثني إبراهيم بن يزيد الخشاب قال: كان ابن معاوية صديقا للحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، وكان حسين هذا وعبد اللّه ابن معاوية يرميان بالزندقة. فقال الناس: إنما تصافيا على ذلك، ثم دخل بينهما شيء من الأشياء فتهاجرا من أجله، فقال عبد اللّه بن معاوية:

وإنّ حسينا كان شيئا ملفّقافمحّصه التكشيف حتى بداليا
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وعين الرضا عن كل عيب كليلة»
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا

وله في الحسين أشعار كلّها معاتبات، فمنها ما أخبرني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة. قال: أنشدني يحيى بن الحسن لعبد اللّه بن معاوية؛ يقوله في الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب:

قل لذي الودّ والصفاء حسينأقدر الودّ بيننا قدره
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
ليس للدابغ المقرّظ بدّمن عتاب الأديم ذي البشره

قال وقال له أيضا:

إنّ ابن عمك وابن أمك معلم شاكي السلاح
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
يقص العدوّ وليس يرضى حين يبطش بالجناح
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
لا تحسبن أذى ابن عمّك شرب ألبان اللّقاح
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
بل كالشجا تحت اللّهاة إذا يسوّغ بالقراح
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فانظر لنفسك من يجيبك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوءهبالغيب أن يلحاك لاحى

أخبرني الحرميّ والطوسيّ قالا حدّثنا الزبير وحدّثني أحمد بن محمد بن سعيد قال حدّثنا يحيى بن الحسن قال حدّثنا الزبير قال حدّثني محمد بن يحيى: أن عبد اللّه بن معاوية مرّ بجدّه عبد الحميد في مزرعته بصرام وقد عطش فاستسقاه، فخاض له سويق لوز فسقاه إياه، فقال عبد اللّه بن معاوية:

شربت طبرزذا بغريض مزنكذوب الثلج خالطه الرّضاب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

قال يحيى قال الزبير: الرضاب ماء المسك، ورضاب كل شي ء: ماؤه. فقال عبد الحميد بن عبيد اللّه يجيب عبد اللّه بن معاوية على قوله:

ما إن ماؤنا بغريض مزنولكنّ الملاح بكم عذاب
وما إن بالطبرزذ طاب لكنبمسّك لا به طاب الشراب
وأنت إذا وطئت تراب أرضيطيب إذا مشيت بها التراب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
لأن نداك يطفى المحل عنهاوتحييها أياديك الرّطاب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

قال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن جدّه إبراهيم الموصلي قال: بينا نحن عند الرشيد أنا وابن جامع وعمرو والغزال إذ قال صاحب السّتارة لابن جامع: تغنّ في شعر عبد اللّه ابن معاوية بن عبد اللّه بن جعفر، قال: ولم يكن ابن جامع يغني في شيء منه، وفطنت لما أراد من شعره، وكنت قد تقدّمت فيه، فأرتج على ابن جامع، فلما رأيت ما حلّ به اندفعت فغنيّت:

صوت

يهيم بجمل وما إن يرىله من سبيل إلى جمله
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
كأن لم يكن عاشق قبلهوقد عشق الناس من قبله
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فمنهم من الحب أودى بهومنهم من اشفى على قتله
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

فإذا يد قد رفعت الستارة، فنظر إليّ وقال: أحسنت واللّه! أعد، فأعدته فقال: أحسنت! حتى فعل ذلك ثلاث مرّات، ثم قال لصاحب الستارة كلاما لم أفهمه، فدعا صاحب الستارة غلاما فكلمه، فمرّ الغلام يسعى فإذا بدرة دنانير قد جاءت يحملها فرّاش، فوضعت تحت فخذي اليسرى وقيل لي: اجعلها تكأتك، قال: فلما انصرفنا قال لي ابن جامع: هل كنت وضعت لهذا الشعر غناء قبل هذا الوقت؟ فقلت: ما شعر قيل في الجاهلية ولا الإسلام يدخل فيه الغناء إلا وقد وضعت له لحنا خوفا من أن ينزل بي ما نزل بك. فلما كان المجلس الثاني وحضرنا قال صاحب الستارة: يا بن جامع، تغنّ في شعر عبد اللّه بن معاوية، فوقع في مثل الذي وقع فيه بالأمس، قال إبراهيم: فلما رأيت ما حلّ به اندفعت فغنيت:

صوت

يا قوم كيف سواغ عيش ليس تؤمن فاجعاته
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
ليست تزال مطلّةتغدو عليك منغّصاته
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
الموت هول داخليوما على كره أناته
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
لابدّ للحذر النّفور من أن تقنّصه رماته
قد أمنح الود الخليل بغير ما شيء رزاته
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وله أقيم قناة ودّي ما استقامت لي قناته
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

قال: فأومأ إلى صاحب الستارة أن أمسك، ووضع يده على عينه كأنه يومىء إليّ أنه يبكي، قال: فأمسكت ثم انصرفنا، فقال لي ابن جامع: ما صبّ أمير المؤمنين على ابن جعفر؟ قلت: صبه اللّه عليه لبدرة الدنانير التي أخذتها. قال ثم حضر بعد ذلك، فلما اطمأنّ بنا مجلسنا قال ابن جامع بكلام خفيّ: اللهم أنسه ذكر ابن جعفر، قال فقلت: اللهم لا تستجب، فقال صاحب الستارة: يا بن جامع تغنّ في شعر عبد اللّه بن معاوية، قال: فقال ابن جامع: لو كان عندهم في عبد اللّه بن معاوية خير لطار مع أبيه ولم يقبل على الشعر، قال إبراهيم: فسمعنا ضحكة من وراء الستارة. قال إبراهيم فاندفعت أغني في شعره:

صوت

سلا ربّة الخدر ما شأنهاومن أيّما شأننا تعجب؟
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
فلست بأوّل من فاتهعلى إربه بعض ما يطلب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وكائن تعرّض من خاطبفزوّج غير التي يخطب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وأنكحها بعده غيرهوكانت له قبلة تحجب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وكنا جديثا صفيّين لانخاف الوشاة وما سبّبوا
فإن شطّت الدار عنّا بهافبانت وفي الناس مستعتب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وأصبح صدع الذي بينناكصدع الزجاجة ما يشعب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة
وكالدّرّ ليست له رجعةإلى الضّرع من بعد ما يحلب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

غنى في البيتين الأوّلين إبراهيم الموصليّ خفيف ثقيل الأوّل بالوسطى من رواية أحمد بن يحيى المكّيّ ووجدتهما في بعض الكتب خفيف رمل غير منسوب. قال: فقال لي صاحب الستارة: أعد فأعدته، فأحسب أمير المؤمنين نظر إلى ابن جامع كاسف البال، فأمر له بمثل الذي أمر لي بالأمس، وجاءوني ببدرة دنانير فوضعت تحت فخذي اليسرى أيضا، وكان ابن جامع فيه حسد ما يستتر منه، فلما انصرفنا قال: اللهم أرحنا من ابن جعفر هذا، فما أشدّ بغضي له، لقد بغّض إليّ جدّه، فقلت: ويحك! تدري ما تقول! قال: فمن يدري ما يقول؟ إذا لوددت أني لم أر إقباله عليك وعلى غنائك في شعر هذا البغيض ابن البغيضة، وأني تصدّقت بها - يعني البدرة.

وهذا الصوت الأخير يقول شعره عبد اللّه بن معاوية في زوجته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام.

أخبرني الطوسي والحرميّ قالا حدّثنا الزبير بن بكار عن عمه قال: خطب عبد اللّه بن معاوية ربيحة بنت محمد بن عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر، وخطبها بكّار بن عبد الملك بن مروان، فتزوجت بكارا، فشمتت بعبد اللّه امرأته أمّ زيد بنت زيد بن علي بن الحسين، فقال في ذلك:

سلا ربّة الخدر ما شأنهاومن أيّما شأننا تعجب
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

فقال ابن أبي خيثمة في خبره عن مصعب قالت له: واللّه ما شمتّ ولكني نفست عليك، فقال لها: لا جرم! واللّه لا سؤتك أبدا ما حييت:

صوت

طاف الخيال من أمّ شيبة فاعترىوالقوم من سنة نشاوى بالكرى
طافت بخوص كالقسيّ وفتيةهجعوا قليلا بعدما ملّوا السّرى
للشاعر أبو وجزة السعدي، اقرأ القصيدة

الشعر لأبي وجزة السعديّ، والغناء لإسحاق، ثقيل أوّل بالبنصر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»