تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار خالد بن عبد اللّه

فيه ٨٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو خالد بن عبد اللّه بن يزيد بن أسد بن كرز بن عامر بن عبد اللّه بن عبد شمس بن غمغمة بن جرير بن شقّ بن صعب - وشقّ بن صعب هذا هو الكاهن المشهور - بن يشكر بن رهم بن أقزل - وهو سعد الصبح - بن زيد بن قسر ابن عبقر بن أنمار بن إراش بن عمرو بن لحيان بن الغوث بن القرز، ويقال: الفرز بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.

فأما غلبة بجيلة على هذا النسب في شهرته بها فإن بجيلة ليست برجل، إنما هي امرأة قد اختلف في نسبها، فقال ابن الكلبي: يقال لها بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة، تزوجها أنمار بن إراش فولدت له الغوث ووداعة وصهيبة وجذيمة وأشهل وشهلاء وطريفا والحارث ومالكا وفهما وشيبة. قال ابن الكلبي: ويقال: إن بجيلة إمرأة حبشيّة كانت قد حضنت بني أنمار جميعا غير خثعم، فإنه انفرد، فصار قبيلة على حدته، ولم تحضنه بجيلة، واحتج من قال هذا القول بقول شاعرهم:

وما قربت بجيلة منك دونيبشيء غير ما دعيت بجيلة
وما للغوث عندك أن نسبناعلينا في القرابة من فضيله
ولكنّا وإيّاكم كثرنافصرنا في المحلّ على جديله

جديلة ها هنا موضع لا قبيلة، وهم أهل بيت شرف في بجيلة، لو لا ما يقال في عبد اللّه بن أسد؛ فإن أصحاب المثالب ينفونه عن أبيه، ويقولون فيه أقوالا أنا ذاكرها في موضعها من أخبار خالد المذمومة في هذا الموضع من كتابنا - إن شاء اللّه - وعلى ما قيل فيه أيضا؛ فقد كان له ولابنه خالد سؤدد وشرف وجود.

وكان يقال لكرز كرز الأعنّة، وإياه عنى قيس بن الخطيم بقوله - لما خرج يطلب النصر على الخزرج -:

فإن تنزل بذي النّجدات كرزتلاق لديه شربا غير نزر
له سجلان سجل من صريحوسجل رثيئة بعتيق خمر
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
ويمنع من أراد ولا يعايامقاما في المحلة وسط قسر

وكان أسد بن كرز يدعى في الجاهلية ربّ بجيلة، وكان ممن حرّم الخمر في جاهليته تنزّها عنها، وله يقول القتّال السّحميّ:

فأبلغ ربّنا أسد بن كرزبأنّ النأي لم يك عن تقالي

وله يقول القتّال يعتذر:

فأبلغ ربّنا أسد بن كرزبأنّي قد ضللت وما اهتديت

وله يقول تأبّط شرّا:

وجدت ابن كرز تستهلّ يمينهويطلق أغلال الأسير المكبّل
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا»

وكان قوم من سحمة عرضوا لجار لأسد بن كرز، فأطردوا إبلا له، فأوقع بهم أسد وقعة عظيمة في الجاهلية، وتتبعهم حتى عاذوا به، فقال القتّال فيه عدة قصائد يعتذر إليه لقومه، ويستقيله فعلهم بجاره، ولم أذكرها ههنا لطولها، وأنّ ذلك ليس من الغرض المطلوب في هذا الكتاب، وإنما نذكر ها هنا لمعا وسائره مذكور في جمهرة أنساب العرب الذي جمعت فيه أنسابها وأخبارها، وسمّيته كتاب التعديل والانتصاف. ولبني سحمة يقول أسد بن كرز في هذه القصة، وكان شاعرا فاتكا مغوارا:

ألا أبلغا أبناء سحمة كلّهابني خثعم عني وذلّ لخثعم
فما أنتم منّي ولا أنا منكمفراش حريق العرفج المتضرّم
فلست كمن تزري المقالة عرضهدنيئا كعود الدوحة المترنّم
وما جار بيتي بالذليل فترتجىظلامته يوما ولا المتهضّم
وأقزل آبائي وقسر عمارتيهما ردّياني عزّتي وتكرّمي
وأحمس يوما إن دعوت أجابنيعرانين منهم أهل أيد وأنعم
فمن جار مولى يدفع الضيم جارهإذا ضاع جاري يا أميمة أو دمي
وكيف يخاف الضيم من كان جارهمع الشمس ما إن يستطاع بسلم

وهي قصيدة طويلة.

ولأسد أشعار كثيرة ذكرت هذه منها هاهنا لأن تعلم إعراقهم في العلم والشعر، وسائرها يذكر في كتاب النسب مع أخبار شعراء القبائل، إن شاء اللّه تعالى.

وأدرك أسد بن كرز الإسلام هو وابنه يزيد بن أسد، فأسلما، فأما أسد فلا أعلمه روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله رواية كثيرة، بل ما روى شيئا.

وأما يزيد ابنه فروى عنه رواية يسيرة، وذكر جرير بن عبد اللّه خبر إسلامه، حدّث بذلك عنه خالد بن يزيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد اللّه، قال: أسلم أسد بن كرز، ومعه رجل من ثقيف، فأهدى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قوسا، فقال له: يا أسد، من أين لك هذه النّبعة؟ فقال: يا رسول اللّه تنبت بجبلنا بالسراة، فقال الثّقفيّ: يا رسول اللّه، الجبل لنا أم لهم؟ فقال: بل الجبل جبل قسر، به سمى أبوهم قسر عبقر. فقال أسد: يا رسول اللّه، ادع لي. فقال: اللهم اجعل نصرك ونصر دينك في عقب أسد بن كرز. وما أدري ما أقول في هذا الحديث، وأكره أن أكذّب بما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولكن ظاهر الأمر يوجب أنه لو كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا له بهذا الدعاء لم يكن ابنه مع معاوية بصفّين على عليّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه. ولا كان ابن ابنه خالد يلعنه، على المنبر. ويتجاوز ذلك إلى ما ساء ذكره من شنيع أخباره - قبحه اللّه ولعنه - إلا أني أذكر الشيء كما روي، ومن قال على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله ما لم يقل فقد تبوّأ مقعده من النار. كما وعده عليه السلام.

وكان جرير بن عبد اللّه نافر قضاعة، فبلغ ذلك أسد بن عبد اللّه، وكان بينه وبينه - أعني جريرا - تباعد، فأقبل في فوارس من قومه ناصرا لجرير ومعاونا له ومنجدا، فزعموا أن أسدا لما أقبل في أصحابه، فرآه جرير، ورأى أصحابه في السلاح ارتاع، وخافه، فقيل له: هذا أسد جاءك ناصرا لك، فقال جرير: ليت لي بكل بلد ابن عم عاقّا مثل أسد، فقال جعدة بن عبد اللّه الخزاعي يذكر ذلك من فعل أسد:

تدارك ركض المرء من آل عبقرجريرا وقد رانت عليه حلائبه
فنفّس واسترخى به العقد بعد ماتغشّاه يوم لا توارى كواكبه
وقاك ابن كرز ذو الفعال بنفسهوما كنت وصّالا له إذ تحاربه
إلى أسد يأوي الذليل ببيتهويلجأ إذ أعيت عليه مذاهبه
فتى لا يزال الدهر يحمل معظماإذا المجتدى المسؤول ضنّت رواجبه

وأما يزيد بن أسد فقد ذكرت إسلامه وقدومه مع أبيه على النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقد روي عنه أيضا حديثا ذكره هشيم بن بشر الواسطيّ عن سنان بن أبي الحكم قال: سمعت خالد بن عبد اللّه القسريّ، وهو على المنبر يقول: حدثني أبي عن جدّي يزيد بن أسد، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: يا يزيد، أحبب للناس ما تحبّه لنفسك. وخرج يزيد بن أسد في أيام عمر بن الخطاب في بعوث المسلمين إلى الشام، فكان بها، وكان مطاعا في اليمن عظيم الشأن.

ولما كتب عثمان إلى معاوية حين حصر يستنجده بعث معاوية إليه بيزيد بن أسد في أربعة آلاف من أهل الشام، فوجد عثمان قد قتل. فانصرف إلى معاوية، ولم يحدث شيئا، ولما كان يوم صفّين قام في الناس فخطب خطبة مذكورة، حرضهم فيها. فذكر من روى عنه خبره في ذلك الموضع أنه قام وعليه عمامة خزّ سوداء، وهو متكى ءّ على قائم سيفه، فقال بعد حمد اللّه تعالى والصلاة على نبيه صلى اللّه عليه وسلم: وقد كان من قضاء اللّه جل وعز أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض، واللّه يعلم أني كنت لذلك كارها، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا، ولم يدعونا نرتاد لديننا وننظر لمعادنا، حتى نزلوا في حريمنا وبيضتنا. وقد علمنا أنّ بالقوم حلماء وطغاما. فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا، وقد كنا لا نحب أن نقاتل أهل ديننا، فأحرجونا حتى صارت الأمور إلى أن يصير غدا قتالنا حميّة، فإنا للّه وإنا إليه راجعون، والحمد للّه رب العالمين، والذي بعث محمدا بالحق لوددت أنّي متّ قبل هذا، ولكن اللّه تبارك وتعالى إذا أراد أمرا لم يستطع العباد ردّه، فنستعين باللّه العظيم، ثم انكفأ.

ولم تكن لعبد اللّه بن يزيد نباهة من ذكرت من آبائه، وأهل المثالب يقولون: إنه دعيّ، وكان مع عمرو بن سعيد الأشدق على شرطته أيام خلافة عبد الملك بن مروان، فلما قتل عمرو هرب حتى سألت اليمانية عبد الملك فيه لما أمّن الناس عام الجماعة، فأمّنه، ونشأ خالد بن عبد اللّه بالمدينة، وكان في حداثته يتخنّث، ويتتبع المغنين والمخنثين ويمشي بين عمر بن أبي ربيعة وبين النساء في رسائلهن إليه وفي رسائله إليهن، وكان يقال له خالد الخرّيت فقال مصعب الزبيري: كل ما ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره، فقال: أرسلت الخرّيت أو قال: أرسلت الجريّ فإنما يعني خالدا القسريّ، وكان يترسل بينه وبين النساء.

أخبرني بذلك الحرميّ ومحمد بن مزيد وغيرهما، عن الزبير، عن عمه، وأخبرني عمي: قال: حدثني الكراني، عن العمريّ، عن الهيثم بن عديّ، قال: بينما عمر بن أبي ربيعة ذات يوم يمشي ومعه خالد بن عبد اللّه القسري، وهو خالد الخزاعي الذي يذكره في شعره إذا هما بأسماء وهند اللتين كان عمر يشبّب بهما، وهما يتماشيان فقصداهما، وجلسا معهما مليّا، فأخذتهم السماء، ومطروا، فقام خالد وجاريتان المرأتين، فظلّلوا عليهم بمطرفة وبردين له، حتى كفّ المطر، وتفرقوا، وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

أفي رسم دار معك المترقرقسفاها وما استنطاق ما ليس ينطق؟
بحيث التقى جمع ومفضى محسّرمعالم قد كادت على الدهر تخلق
ذكرت بها ما قد مضى من زمانناوذكرك رسم الدّار مما يشوّق
مقاما لنا عند العشاء ومجلسالنا لم يكدّره علينا معوّق
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «أَفي رَسْمِ دَارٍ دَمْعُكَ المُتَرَقْرِقُ»
وممشى فتاة بالكساء يكنّهابه تحت عين برقها يتألّق
يبلّ أعالي الثوب قطر وتحتهشعاع بدا يعشي العيون ويشرق
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أفي رسم دار دمعك المترقرق»
فأحسن شيء بدء أول ليلةوآخرها حزن إذا نتفرق

الغناء في هذه الأبيات لمعبد خفيف ثقيل أول بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي؛ وذكر الهشامي أنه منحول.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو العباس المروزيّ، قال: حدثنا ابن عائشة قال: حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة يوما وهو ينشد قوله:

ومن كان محروبا لإهراق دمعةوهي غربها فليأتنا نبكه غدا
نعنه على الإثكال إن كان ثاكلاوإن كان محزونا وإن كان مقصدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ومن كان محزونا بإهراق عبرة»

قال: فلما أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالدا الخرّيت، وقال: قم بنا إلى عمر، فمضيا إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئنا لموعدك، وأي موعد بيننا؟ قال: قولك.

فليأتنا نبكه غدا.

قد جئناك لموعدك، واللّه لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا في قولك، أو ننصرف على أنّك غير صادق، ثم مضى وتركه.

قال ابن عائشة: خالد الخريت هو خالد القسري.

أخبرنا علي بن صالح بن الهيثم: قال: حدثنا أبو هفّان عن إسحاق، وأخبرنا محمد بن مزيد، عن حماد، عن أبيه، عن الحزاميّ والمثّنى ومحمد بن سلام، قالوا: خرجت هند والرّباب إلى متنزّه لهما بالعقيق في نسوة فجلستا هناك تتحدثنا مليّا، ثم أقبل إليهما خالد القسريّ، وهو يومئذ غلام مؤنث، يصحب المغنّين والمخنّثين، ويترسّل بين عمر بن أبي ربيعة وبين النساء. فجلس إليهما. فذكرتا عمر بن أبي ربيعة، وتشوقتاه، فقالتا لخالد: يا خرّيت - وكان يعرف بذلك - لك عندنا حكمك إن جئتنا بعمر بن أبي ربيعة من غير أن يعلم أنا بعثنا بك إليه، فقال: أفعل فكيف تريان أن أقول له؟ قالتا: تؤذنه بنا، وتعلمه أنا خرجنا في سرّ منه، ومره أن يتنكر، ويلبس لبسة الأعراب، ليرانا في أحسن صورة، ونراه في أسوإ حال، فنمزح بذلك معه، فجاء خالد إلى عمر، فقال له: هل لك في هند والرباب وصواحبات لهما قد خرجن إلى العقيق على حال حذر منك وكتمان لك أمرهما؟ قال: واللّه إني إلى لقائهن لمشتاق، قال: فتنكر، والبس لبسة الأعراب، وهلمّ نمض إليهن، ففعل ذلك عمر، ولبس ثيابا جافية، وتعمّم عمّة الأعراب، وركب قعودا له على رحل غير جيد، وصار إليهن، فوقف منهن قريبا، وسلّم، فعرفنه، فقلن: هلمّ إلينا يا أعرابيّ، فجاءهن، وأناخ قعوده، وجعل يحدثهن، وينشدهن، فقلن له: يا أعرابي: ما أظرفك، وأحسن إنشادك! فما جاء بك إلى هذه الناحية؟ قال: جئت أنشد ضالّة لي، فقالت له هند: انزل إلينا، واحسر عمامتك عن وجهك، فقد عرفنا ضالّتك، وأنت الآن تقدّر أنّك قد احتلت علينا، ونحن واللّه احتلنا عليك وبعثنا إليك بخالد الخرّيت، حتى قال لك ما قال، فجئتنا على أسوإ حالاتك، وأقبح ملابسك، فضحك عمر، ونزل إليهن، فتحدّث معهن، حتى أمسوا، ثم إنهم تفرقوا، ففي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة:

صوت

ألم تعرف الأطلال والمتربّعاببطن حليّات دوارس بلقعا
إلى السّرح من وادي المغمّس بدّلتمعالمه وبلا ونكباء زعزعا
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد مانكأن فؤادا كان قدما مفجّعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
لهند وأتراب لهند إذ الهوىجميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»

في هذه الأبيات ثقيل أول لمعبد:

تبالهن بالعرفان لمّا رأيننيوقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّميقيس ذراعا كلمّا قسن إصبعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائني، وذكر مثل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى: أنّ كرز بن عامر جدّ خالد بن عبد اللّه عبد كان آبقا عن مواليه عبد القيس من هجر، ويقال: إن أصله من يهود تيماء، وكان أبق، فظفرت به عبد شمس فكان فيهم عند غمغمة بن شقّ الكاهن، ثم وهبوه لقوم من بني طهيّة، فكان عندهم حتى أدرك، وهرب، فأخذته بنو أسد بن خزيمة، فكان فيهم، وتزوج مولاة لهم يقال لها زرنب، ويقال: إنها كانت بغيّا، فأصابها، فولدت له أسد بن كرز، سماه باسم أسد بن خزيمة لرقّة كانت فيهم، ثم أعتقوه، ثم إن نفرا من أهل هجر مرّوا به، فعرفوه، فلما رجعوا إلى هجر أخذوا فداءه، وصاروا إلى مواليه فاشتروه وابنه فلم يزل فيهم، حتى خرج معهم في تجارة إلى الطائف، فلما رأى دار بجيلة أعجبته، فاشترى نفسه وابنه، فجاء، فنزل فيهم، فأقام مدة، ثم ادّعى إليهم وعاونه على ذلك حيّ من أحمس يقال لهم: بنو منبّة، فنفاهم أبو عامر ذو الرقعة - سمّي بذلك لأن عينه أصيبت. فكان يغطيها بخرقة - وهو ابن عبد شمس بن جوين بن شقّ، فنزل كرز في بني سحمة هاربا من ذي الرّقعة، ثم وثب على ابن عم للقتّال بن مالك السّحميّ فقتله، وهرب إلى البحرين مع التجار، فأقام مدة، ثم مات، ونشأ ابنه يزيد بن أسد يدّعي في بجيلة، ولا تلحقه إلى أن مات، ونشأ ابنه عبد اللّه بن يزيد، ثم مضى إلى حبيب بن مسلمة الفهري، وكتب له، وكان كاتبا مفوّها، وذلك في إمارة عثمان بن عفان.

فنال حظا وشرفا، وكان يقال له: خطيب الشيطان، ووسم خيله: القسريّ، ثم تدسّس ليملك خيلا في بلاد قسر، فمنعته بجيلة ذلك أشدّ المنع، فلم يقدر عليه، حتى عظم أمره، ونشأ ابنه خالد، ومات هو، فكان خالد في مرتبته، ثم ولي العراق، وقال قيس بن القتال له في هذا المعنى:

ومن سمّاك باسمك يا بن كرز؟وأين المولد المعروف تدري؟

وقال بجير بن ربيعة السّحميّ:

نفته من الشّعبين قسر بعزّهاإلى دار عبد القيس نفى المزنّم

قال أبو عبيدة: وكان بين عبد اللّه بن يزيد بن أسد بن كرز وبين أبي موسى بن نصير كلام عند عبد الملك بن مروان. فقال له عبد اللّه: إنما أنت عبد لعبد القيس، فقال: اسكت، فقد عرفناك إن لم تعرف نفسك، فقال له عبد اللّه: أنا ابن أسد بن كرز، نحن الذين نضمن الشّهر، ونطعم الدهر، فقال له: تلك قسر، ولست منهم، وإنّما أنت عبد آبق، قد كنت أراك تروم مثل ذلك، فلا تقدر عليه، ثم نفاه جرير بن عبد اللّه إلى الشام، فأقام بها مدة، ثم مضى إلى حبيب، فقال له: دع ذكر البحرين لفرارك، أتراك منهم وأنت عبد، وأهلك من يهود تيماء فأسكتهما عبد الملك، ولم يسرّه ما قال عبد اللّه لأبي موسى بن نصير، لأنه كان على شرطة عمرو بن سعيد يوم قتله، فقال في ذلك أبو موسى بن نصير:

جاريت غير سئوم في مطاولةيا بن الوشائط من أبناء ذي هجر
لا من نزار ولا قحطان تعرفكمسوى عبيد لعبد القيس أو مضر

وقال أبو عبيدة: فأخبرني عبد اللّه بن عمر بن زيد الحكمي قال: كان يزيد بن أسد يلقب خطيب الشيطان، وكان أكذب الناس في كل شيء معروفا بذلك، ثم نشأ ابنه عبد اللّه فسلك منهاجه في الكذب، ثم نشأ خالد ففاق الجماعة إلا أن رياسة وسخاء كانا فيه سترا ذلك من أمره.

قال عمر بن زيد: فإني لجالس على باب هشام بن عبد الملك إذ قدم إسماعيل بن عبد اللّه أخو خالد بخبر المغيرة بن سعد وخروجه بالكوفة، فجعل يأتي بأحاديث أنكرها، فقلت له: من أنت يا بن أخي؟ قال إسماعيل بن عبد اللّه بن يزيد القسريّ. فقلت: يا بن أخي. لقد أنكرت ما جرى حتى عرفت نسبك. فجعل يضحك.

أخبرني اليزيديّ، عن سليمان بن أبي شيخ، عن محمد بن الحكم، وذكره أبو عبيدة - واللفظ له - قالا: كان خالد بن عبد اللّه من أجبن الناس، فلما خرج عليه المغيرة عرف ذلك وهو على المنبر، فدهش وتحيّر، فقال: أطعموني ماء، فقال الكميت في ذلك، ومدح يوسف بن عمر:

خرجت لهم تمشي البراح ولم تكنكمن حصنه فيه الرّتاج المضبّب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن»
وما خالد يستطعم الماء فاغرابعدلك والداعي إلى الموت ينعب

وقال ابن الكلبي: أول كذبة كذبتها في النسب أن خالد بن عبد اللّه سألني عن جدته أم كرز، وكانت أمة بغيّا لبني أسد يقال لها: زرنب. فقلت له: هي زينب بنت عرعرة بن جذيمة بن نصر بن قعين، فسرّ بذلك، ووصلني.

قال: قال خالد ذات يوم لمحمد بن منظور الأسدي: يا أبا الصباح، قد ولدتمونا، فقال: ما أعرف فينا ولادة لكم، وإن هذا لكذب. فقيل له: لو أقررت للأمير بولادة ما ضرّك، قال: أأفسد وأستنبط ما ليس مني، وأقرّ بالكذب على قومي؟ فأمر خالد خداشا الكنديّ - وكان عامله - بضرب مولى لعبّاد بن إياس الأسدّي، فقتله، فرفع إلى خالد، فلم يقده، فوثب عبّاد على خداش فقتله، وقال:

لعمري لئن جارت قضية خالدعن القصد ما جارت سيوف بني نصر

فأخبرني الحسن بن عليّ قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا المدائني، عن سحيم بن حصين قال: قتل خداش الكنديّ رجلا من بني أسد، وكان الكنديّ عاملا لخالد القسري، فطولب بالقود، وهو على دهلك، فقال: واللّه لئن أقدت من عاملي لأقيدنّ من نفسي، ولئن أقدت من نفسي ليقيدن أمير المؤمنين من نفسه، ولئن أقاد أمير المؤمنين من نفسه، ليقيدنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من نفسه ولئن أقاد رسول اللّه من نفسه هاه هاه! يعرّض باللّه عز وجل، لعنة اللّه على خالد.

أخبرني الحسن: قال: حدثنا الخراز، عن المدائني، عن عيسى بن يزيد وابن جعدبة وأبي اليقظان، قالوا: كانت أم خالد رومية نصرانية، فبنى لها كنيسة في ظهر قبلة المسجد الجامع بالكوفة، فكان إذا أراد المؤذن في المسجد أن يؤذن ضرب لها بالناقوس، وإذا قام الخطيب على المنبر رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم.

فقال أعشى همدان يهجوه، ويعيّره بأمه - وكان الناس بالكوفة إذا ذكروه في ذلك الوقت قالوا: ابن البظراء، فأنف من ذلك، فيقال: إنه ختن أمه وهي كارهة، فعيّره الأعشى بذلك حين يقوله -:

لعمرك ما أدري وإني لسائلأبظراء أم مختونة أمّ خالد
فإن كانت الموسى جرت فوق بظرهافما ختنت إلا ومصّان قاعد
يرى سوأة من حيث أطلع رأسهتمرّ عليها مرهفات الحدائد

وقال أيضا فيه، يرميه بالّلواط:

ألم تر خالدا يختار ميماويترك في النّكاح مشقّ صاد
ويبغض كلّ آنسة لعوبوينكح كلّ عبد مستقاد
ألا لعن الإله بني كريزفكرز من خنازير السواد

قال المدائني في خبره: وأخبرني ابن شهاب بن عبد اللّه قال: قال لي خالد بن عبد اللّه القسري: اكتب لي النسب فبدأت بنسب مضر فمكثت فيه أياما، ثم أتيته. فقال: ما صنعت؟ فقلت: بدأت بنسب مضر وما أتممته. فقال: اقطعه - قطعه اللّه مع أصولهم - واكتب لي السيرة، فقلت له: فإنه يمّر بي الشيء من سير علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - فأذكره، فقال: لا، إلا أن تراه في قعر الجحيم. لعن اللّه خالدا ومن ولاه، وقبحهم، وصلوات اللّه على أمير المؤمنين:

وقال أبو عبيدة: حدثني أبو الهذيل العلّاف، قال: صعد خالد القسري المنبر، فقال: إلى كم يغلب باطلنا حقّكم، أما آن لربكم أن يغضب لكم؟ وكان زنديقا، أمه نصرانية، فكان يولّي النصارى والمجوس على المسلمين، ويأمرهم بامتهانهم وضربهم، وكان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات ويطئونهن، فيطلق لهم ذلك، ولا يغيّر عليهم.

وقال المدائني: كان خالد يقول: لو أمرني أمير المؤمنين نقضت الكعبة حجرا حجرا، ونقلتها إلى الشام.

قال: ودخل عليه فراس بن جعدة بن هبيرة وبين يديه نبق، فقال له، العن عليّ بن أبي طالب ولك بكل نبقة دينار ففعل فأعطاه بكل نبقة دينارا.

قال المدائني: وكان له عامل يقال له: خالد بن أميّ. وكان يقول: واللّه لخالد بن أميّ أفضل أمانة من علي ابن أبي طالب صلوات اللّه عليه.

وقال له يوما: ايّما أعظم ركيتنا أم زمزم؟ فقال له: أيها الأمير: من يجعل الماء العذب النّقاخ مثل الملح الأجاج؟ وكان يسمي زمزم أم الجعلان.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة، قال: أتى الفرزدق خالد بن عبد اللّه القسري، يستحمله في ديات حملها، فقال له: إيه يا فرزدق، كأني بك قد قلت: آتي الحائك بن الحائك، فأخدعه عن ماله إن أعطاني، أو أذمّه إن منعني. فأنا حائك ابن حائك. ولست أعطيك شيئا. فأذممني كيف شئت، فهجاه الفرزدق بأشعار كثيرة منها:

ليتني من بجيلة اللؤم حتىيعزل العامل الذي بالعراق
فإذا عامل العراقين ولّيعدت في أسرة الكرام العتاق

قال: وإنما أراد خالد بقوله: الحائك بن الحائك تصحيح نسبه في اليمن، والانتفاء من العبودية لأهل هجر.

وكان خالد شديد العصبية على مضر. وبلغ هشاما أنه قال: ما ابني يزيد بن خالد بدون مسلمة بن هشام، فكان ذلك سبب عزله إياه عن العراق.

قال: وخطب بمكة وقد أخذ بعض التابعين، فحبسه في دور آل الحضرمي، فأعظم الناس ذلك وأنكروه، فقال: قد بلغني ما أنكرتم من أخذي عدوّ أمير المؤمنين ومن حاربه، واللّه لو أمرني أمير المؤمنين أن أنقض هذه الكعبة حجرا حجرا لنقضتها، واللّه لأمير المؤمنين أكرم على اللّه من أنبيائه عليهم السلام، ولعن اللّه تعالى خالدا وأخزاه.

أخبرني أبو عبيدة الصيّرفيّ، قال: حدّثنا الفضل بن الحسن المصريّ، قال: حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدّثني عبيد اللّه بن حباب، قال: حدثني عطاء بن مسلم قال: قال خالد بن عبد اللّه، وذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال: أيّما أكرم عندكم على الرجل: رسوله في حاجته أو خليفته في أهله؟ يعرّض بأنّ هشاما خير من النبي صلى اللّه عليه وسلم.

قال أبو عبيدة: خطب خالد يوما، فقال: إن إبراهيم خليل اللّه استسقى ماء، فسقاه اللّه ملحا أجاجا، وإن أمير المؤمنين استسقى اللّه ماء، فسقاه اللّه عذبا نقاخا، وكان الوليد حفر بئرا بين ثنيّة ذي طوى وثنيّة الحجون، فكان خالد ينقل ماءها، فيوضع في حوض إلى جنب زمزم. ليرى الناس فضلها. قال: فغارت تلك البئر، فلا يدرى أين هي إلى اليوم؟

أخبرني أبو الحسن الأسديّ: قال: حدثنا العباس بن ميمون طايع، عن ابن عائشة، قال: كان خالد بن عبد اللّه زنديقا، وكانت أمه رومية نصرانية وهبها عبد الملك لأبيه. فرأى يوما عكرمة، مولى ابن عباس، وعلى رأسه عمامة سوداء، فقال: إنه بلغني أنّ هذا العبد يشبه عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه وسلامه، وإني لأرجو أن يسوّد اللّه وجهه كما سوّد وجه ذاك.

قال: حدثني من سمعه، وقد لعن عليّا - صلوات اللّه عليه وسلامه - فقال في ذكره: عليّ بن أبي طالب بن عم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسن والحسين، هل كنّيت. اللهم العن خالدا واخزه، وجدّد على روحه العذاب.

وقال أبو عبيدة: ذكر إسماعيل بن خالد بن عبد اللّه القسريّ بني أمية عند أبي العباس السفاح في دولة بني هاشم، فذمهم وسبهم، وقال له حمّاس الشاعر مولى عثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين: أيسبّ بني عمك وعمّالهم وعماتك رجل اجتمع هو والخرّيت في نسب؟ إن بني أمية لحمك ودمك، فكلهم ولا تؤكّلهم. فقال له: صدقت. وأمسك إسماعيل فلم يحر جوابا.

وقال ابن الكلبي: كان خالد بن عبد اللّه أميرا على مكة فأمر رأس الحجبة أن يفتح له الباب وهو ينظر، فأبى فضربه مائة سوط. فخرج الشّيبيّ إلى سليمان بن عبد الملك يشكوه فصادف الفرزدق بالباب، فاسترفده.

فلما أذن للناس، ودخلا شكا الشيبيّ ما لحقه من خالد، ووثب الفرزدق، فأنشأ يقول:

سلوا خالدا لا أكرم اللّه خالدامتى وليت قسر قريشا تدينها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سلوا خالدا لا أكرم الله خالدا»
أقبل رسول اللّه أم ذاك بعده!فتلك قريش قد أغثّ سمينها
رجونا هداه لا هدى اللّه خالدافما أمّه بالأم يهدى جنينها
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «سلوا خالدا لا أكرم الله خالدا»

فحمي سليمان وأمر بقطع يد خالد، وكان يزيد بن المهلّب عنده، فما زال يفدّيه، ويقّبل يده، حتى أمر بضربه مائة سوط، ويعفى عن يمينه، فقال الفرزدق في ذلك:

لعمري لقد صبّت على ظهر خالدشآبيب ما استهللن من سبل القطر
أيضرب في العصيان من كان طائعاويعصي أمير المؤمنين أخو قسر؟
فنفسك لم فيما أتيت فإنماجزيت جزاء بالمحدرجة السّمر
وأنت ابن نصرانيّة طال بظرهاغذتك بأولاد الخنازير والخمر
فلو لا يزيد بن المهلّب حلّقتبكفك فتخاء إلى الفرخ في الوكر
لعمري لقد صال ابن شيبة صولةأرتك نجوم الليل ظاهرة تسري

فحقدها خالد على الفرزدق فلما ولّي، وحفر نهر العراق بواسط قال فيه الفرزدق أبياتا يهجوه منها:

وأهلكت مال اللّه في غير حقّهعلى النّهر المشؤوم غير المبارك
وتضرب أقواما صحاحا ظهورهموتترك حقّ اللّه في ظهر مالك

وقال، ويقال: إنها للمفرج بن المرقع.

كأنك بالمبارك بعد شهريخوض غماره نقع الكلاب
كذبت خليفة الرحمن عنهوكيف يرى الكذوب جزا الكذاب

فأخذ خالد الفرزدق، فحبسه، واعتل عليه بهجائه إياه في حفر المبارك، فقال الفرزدق في السجن:

أبلغ أمير المؤمنين رسالةفعجّل هداك اللّه نزعك خالدا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أبلغ أمير المؤمنين رسالة»
بنى بيعة فيها الصّليب لأمّهوهدّم من بغض الإله المساجدا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أبلغ أمير المؤمنين رسالة»

فبعث هشام إلى خالد بن سويد يأمره بإطلاق الفرزدق، فأطلقه، فقال الفرزدق يهجو خالدا القسريّ:

ألا لعن الرحمن ظهر مطيةأتتنا تخطّى من بعيد بخالد
وكيف يؤمّ المسلمين وأمّهتدين بأنّ اللّه ليس بواحد؟

أخبرنا الحسن، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: حدثنا المدائني، قال: شتم عبد اللّه بن عيّاش الهمذانيّ خالد بن عبد اللّه في أيام منصور بن جمهور، فسمعه رجل من لخم، فقدّمه إلى منصور واستعداه عليه، فقال له منصور: ما تريد؟

فقال ابن عيّاش: أمرنا أيها الأمير برقية العقرب. وفيه عجب، لخميّ يستنصر كلبيّا على همذانيّ لبجليّ دعيّ.

وقال المدائني في خبره: كان خالد بن عبد اللّه قريبا من هشام بن عبد الملك مكينا عنده فأدلّ، وتمرّغ عليه، حتى إنه التفت يوما إلى ابنه يزيد بن خالد عند هشام، فقال له: كيف بك يا بنيّ إذا احتاج إليك بنو أمير المؤمنين؟ قال: أواسيهم ولو في قميصي. فتبين الغضب في وجه هشام، واحتملها.

قال المدائني: حدثني بذلك عبد الكريم مولى هشام: إنه كان واقفا على رأس هشام، فسمع هذا من خالد، قال: وكان إذا ذكر هشام قال له: ابن الحمقاء فسمعها رجل من أهل الشام، فقال لهشام: إن هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك وإخوتك يذكرك بأسوأ الذكر، فقال: ما ذا يقول؟ لعله يقول: الأحول قال: لا واللّه، ولكن ما لا تنشق به الشفتان قال: فلعله قال: ابن الحمقاء، فأمسك الشامي، فقال: قد بلغني كل ذلك عنه.

واتخذ خالد ضياعا كثيرة حتى بلغت غلّته عشرة آلاف ألف درهم، فدخل عليه دهقان كان يأنس به فقال له: إن الناس يحبون جسمك، وأنا أحبّ جسمك وروحك، قد بلغت غلّة ابنك أكثر من عشرة آلاف ألف سوى غلّتك، وإن الخلفاء لا يصبرون على هذا، فاحذر، فقال له خالد: إن أخي أسد بن عبد اللّه قد كلمني بمثل هذا، أفأنت أمرته؟ قال: نعم، قال: ويحك! دعه، فربّ يوم كان يطلب فيه الدرهم، فلا يجده.

وقال المدائني في خبره: كان خالد بن عبد اللّه بخيلا على الطعام، فوفد إليه رجل له به حرمة، فأمر أن يكتب له بعشرة آلاف درهم، وحضر الطعام، فأتي به، فأكل أكلا منكرا، فأغضبه، وقال للخازن: لا تعرض عليّ صكّه، فعرّفه الخازن ذلك، فقال له: ويحك! فما الحيلة؟ قال: تشتري غدا كل ما يحتاج إليه في مطبخه، وتهب الطبّاخ دراهم، حتى لا يشتري شيئا، وتسأله إذا أكل خالد أن يقول له: إنك اليوم في ضيافة فلان، فاشترى كل ما أراد، حتى الحطب، فبلغ خمسمائة درهم، فأكل خال؛ فأستطاب ما صنع له. فقال له الطبّاخ: إنك كنت اليوم في ضيافة فلان، قال له: وكيف ذاك؟ فأخبره، فاستحيا خالد ودعا بصكّه، فصيّره ثلاثين ألفا، ووقع فيه، وأمر الخازن بتسليمها إليه.

قال: وكان لبعض التجار على رجل دين، فأراد استعداء خالد عليه، فلاذ الرجل ببواب خالد، وبره، فقال له: سأحتال لك في أمر هذا بحيلة، لا يدخله عليه أبدا، قال: فافعل، فلما جلس خالد للأكل أذن البواب للتاجر فدخل، وخالد يأكل سمكا، فجعل يأكل أكلا شنيعا كثيرا، فغاظ ذلك خالدا، فلمّا خرج قال لبوابه: فيم أتاني هذا؟ قال: يستعدي على فلان في دين يدعيه عليه. قال: واللّه إني لأعلم أنه كاذب، فلا يدخلنّ عليّ. وتقدّم إلى صاحب الشرطة بقبض يده عن صاحبه.

وقال المدائين في خبره: خبير بلغة الحمير

كان خالد يوما يخطب على المنبر. وكان لحنة، وكان له مؤدب يقال له: الحسين بن رهمة الكلبيّ، وكان يجلس بإزائه، فإذا شك في شيء أومأ إليه، وكان لخالد صديق من تغلب زنديق يقال له زمزم، فلما قام يخطب على المنبر قام إليه التغلبي في وسط خطبته، وقال: قد حضرتني مسألة، قال: ويحك! أما ترى الشيطان عينه في عيني، يعني حسينا، قال: لا بد واللّه منها، قال: هاتها، قال: أخبرني، قلمسان إذا ساف، ثم رفع رأسه وكرف أيّ شيء يقول؟ قال: أراه يقول: ما أطيبه يا رباه، قال: صدقت ما كان ليستشهد على هذا سوى ربه.

قال المدائني: وقال خالد يوما على المنبر: هذا كما قال اللّه عز وجل: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ثم أرتج عليه، فقال للتغلبي: قم فافتح عليّ يا أبا زمزم سورة كذا وكذا، فقال: خفّض عليك أيها الأمير، لا يهولنّك ذلك، فما رأيت قط عاقلا حفظ القرآن، وإنما يحفظه الحمقى من الرجال، قال: صدقت، يرحمك اللّه.

وقال المدائنيّ: حدّثني أبو يعقوب الثقفيّ، قال: قال خالد بن عبد اللّه للعريان: يا عريان، أعجزت عن الشّرط، حتى أولّي غيرك! فإن الغناء قد فشا وظهر قال: لم أعجز، وإن شئت فاعزلني، فقال له: خذلى المغّنيات، فأحضره خمسا منهن أو ستّا، فأدخلهنّ إليه، فنظر إلى واحدة منهن بيضاء دعجاء؛ كأنّها أشربت ماء الذهب، فدعا لها بكرسيّ، فجلست. ثم قال لها: اين البربط الذي كانت تضرب به؟ فأحضر، ثم سوّته، فغنت:

إلى خالد حتّى أنخن بخالدفنعم الفتى يرجى ونعم المؤمّل
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»

فقال: اعدلي عن هذا إلى غيره، فغنّت:

أروح إلى القصّاص كل عشيّةأرجّى ثواب اللّه في عدد الخطا

قال: وأقبل قاصّ المصر. فقال له خالد: أكانت هذه تروح إليك؟ قال: لا، وما مثلها يروح إليّ، قال: خذ بيدها فهي لك، ومولاها بالباب، فسأل عنها فقيل: وهبها للقاصّ، فتحمّل عليه بأشراف الكوفة، فلم يرددها، حتى اشتراها منه بمائتي دينار.

وقال المدائنيّ؛ قال خالد في خطبته: واللّه ما إمارة العراق ممّا يشرفني، فبلغ ذلك هشاما، فغاظه جدّا، وكتب إليه: بلغني يا بن النّصرانية أنك تقول: إن إمارة العراق ليست مما يشرفك، صدقت واللّه، ما شيء يشرفك، وكيف تشرف وأنت دعيّ إلى بجيلة القبيلة القليلة الذليلة، أما واللّه إني لأظنّ أن أول ما يأتيك ضغن من قيس، فيشد يديك إلى عنقك.

وقال المدائني: حدثني شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال: لم تزل أفعال خالد به، حتى عزله هشام، وعذّبه، وقتل ابنه يزيد بن خالد، فرأيت في رجله شريطا قد شدّ به، والصبيان يجرونه، فدخلت إلى هشام يوما، فحدثته، وأطلت، فتنفس. ثم قال: يا خالد، ربّ خالد كان أحبّ إليّ قربا، وألذّ عندي حديثا منك، قال: يعني خالدا القسري، فانتهزتها، ورجوت أن أشفع له فتكون لي عند خالد يد، فقلت: يا أمير المؤمنين، فما يمنعك من استئناف الصنيعة عنده؟ فقد أدّبته بما فرط منه، فقال: هيهات، إن خالدا أوجف فأعجف، وأدلّ فأملّ، وأفرط في الإساءة فأفرطنا في المكافأة، فحلم الأديم، ونغل الجرح، وبلغ السيل الزّبى والحزام الطّبيين، فلم يبق فيه مستصلح، ولا للصنيعة عنده موضع، عد إلى حديثك.

فأمّا أخباره في تخنثه وإرسال عمر بن أبي ربيعة إياه إلى النساء، فأخبرني به عليّ بن صالح بن الهيثم عن أبي هفّان، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء، قال: حدثني الزبير بن بكر، قال: حدثني محمد بن الحارث بن سعد السعيدي، عن إبراهيم بن قدامة الحاطبيّ، عن أبيه، واللفظ لعلي بن صالح في خبره، قالا: قال الحاطبي: أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين، فانتظرته في مجلس قومه، حتى إذا تفرق القوم دنوت منه، ومعى صاحب لي، فقال لي صاحبي: هل لك في أن تريغه عن الغزل، فنظر هل بقي منه شيء عنده؟ فقلت له: دونك. فقال: يا أبا الخطاب أحسن واللّه ريسان العذرى - قاتله اللّه - قال: وفيم أحسن؟ قلت: حيث يقول:

لو جزّ بالسيف رأسي في مودّتهالمال لا شك يهوي نحوها رأسي

فقال: نعم أحسن، فقلت: يا أبا الخطاب، وأحسن واللّه تحيّة بن جنادة العذريّ، قال: في ماذا؟ قلت: حيث يقول:

سرت لعينيك سلمى بعد مغفاهافبتّ مستوهنا من بعد مسراها
فقلت: أهلا وسهلا من هداك لناإن كنت تمثالها أو كنت إيّاها

وفي رواية الزبير خاصة:

تأتي الرياح من نحو أرضكمحتى أقول: دنت منّا بريّاها
وقد تراخت بها عنّا نوّى قذفهيهات مصبحها من بعد ممساها
من حبّها أتمنّى أن يلاقينيمن نحو بلدتها ناع فينعاها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من حبها أتمنى أن يلاقيني»
كيما أقول: فراق لا لقاء لهوتضمر اليأس نفسي ثم تسلاها
ولو تموت لراعتني وقلت لها:يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من حبها أتمنى أن يلاقيني»

ويروى.

لراعتني منيّتهاوقلت يا بؤس ليت الدهر أبقاها

فضحك عمر ثم قال: يا ويحه أحسن واللّه، لقد هيجتما عليّ ما كان ساكنا مني فلأ حدّثنكما حديثا حلوا: بينا أنا أوّل أعوامي جالس إذا بخالد الخريت قال: مررت بأربع نسوة قبيل، يردن ناحية كذا وكذا من مكة، لم أر مثلهن قط، فيهن هند، فهل لك أن تأتيهن متنكرا فتسمع من حديثهن، ولا يعلمن؟ فقلت: وكيف لي بأن يخفى ذلك؟ قال: تلبس لبسة الأعراب، ثم تقعد على قعود، كأنك تنشد ضالة، فلا يشعرن حتى تهجم عليهن، قال: فجلست على قعود. ثم أتيتهنّ فسّلمت عليهن، فآنسنني، وسألنني أن أنشدهن، فأنشدتهن لكثيّر وجميل وغيرهما، وقلن: يا أعرابي، ما أملحك، لو نزلت، فتحدثت معنا يومنا هذا، فإذا أمسيت انصرفت، فأنخت قعودي، وجلست معهن، فحدثتهن، وأنشدتهن، فدنت هند، فمدّت يدها، فجذبت عمامتي، فألقتها عن رأسي، ثم قالت: تاللّه لظننت أنك خدعتنا، نحن واللّه خدعناك، أرسلنا إليك خالدا الخرّيت في إتياننا بك على أقبح هيئتك، ونحن على أحسن هيئتنا. ثم أخذن بنا في الحديث، فقالت إحداهن: يا سيدي لو رأيتني منذ أيام، وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في جيبي، فنظرت إلى حرى، فرأيته ملء العسّ والقسّ فصحت: يا عمراه! فصحت: لبيك لبيك، ولم أزل معهن في أحسن وقت إلى أن أمسينا، فتفرقنا، عن أنعم عيش، فذلك حين أقول:

ألم تعرف الأطلال والمتربّعاببطن حليّات دوارس بلقعا

وذكر الأبيات.

انقضت أخبار خالد لعنة اللّه عليه أبدا.

صوت

أنائل ما رؤيا زعمت رأيتهالنا عجب لو أنّ رؤياك تصدق
أنائل ما للعيش بعدك لذةولا مشرب نلقاه إلا مرنّق
أنائل إنّي والذي أنا عبدهلقد جعلت نفسي من البين تشفق
لعمرك إن البين منك يشوقنيوبعض بعاد البين والنأي أشوق

الشعر لصخر بن الجعد الخضريّ.

أخبرنا بذلك محمد بن مزيد، عن الزبير بن بكار أن عمه أنشده هذه القصيدة لصخر بن الجعد الخضري، وأنا أذكرها بعقب أخبار صخر. ومن الناس من يروي هذه الأبيات لجميل، ولم يأت ذلك من وجه يصحّ، والزبير أعلم بأشعار الحجازيين.

والغناء لعريب خفيف ثقيل عن الهشامي، وفيه لابن المكي ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»