من «البغال» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب طباع البغال
قال: ركب صخر بن عثمان بغلا، ليبكّر عليه في حاجة، فقال له عثمان بن الحكم، وهو سيّد ثقيف في عصره: إن كنت تركبه على أنه عدوّ فاركبه، وإلا فدعه.
وقال أبو الحسين النخّاس- واسمه الحارث، وهو الذي يقال له مؤمن آل فرعون- إنما يجمح البرذون ليصرع راكبه فقط، ألا تراه إذا سقط عنه، أو رمى بنفسه عن ظهره، وقف البرذون؛ إلّا برذونا واحدا، فأنّي رأيته شدّ عليه بعد أن ألقاه، يكدمه ويرمحه، وكان الناس يشدّون عليه، فيتنحّي عنه ويشدّ عليهم، فإذا أجفلوا من بين يديه رجع إليه يكدمه ويرمحه.
وقال من يذم البغال: البغل كثير التلوّن، به يضرب المثل، وهو مع هذا قتّال لصاحبه. قال ابن حازم الباهليّ:
ما لي رأيتك لا تدوم على المودّة للرّجال
متبرّما أبدا بمنآخيت، ودّك في سفال
خلق جديد كلّ بوم مثل أخلاق البغال
وقال آخر في تلوّن أخلاقه:
ومتى سبرت أبا العلاء وجدتهمتلوّنا كتلوّن البغل
قال آخر:
يزيد تزري به عندي سجيّتهكالبغل، لا شاعر فحل ولا راوي
وقال عثمان بن الحكم: كان عندنا في الحيّ فتى ولدته امرأة مذكّرة، لرجل مؤنّث: فما رأيت ولا سمعت بخلق رديّ من أخلاق البغال، إلّا وقد رأيته فيه.
وقال آخر:
الشّؤم منها في ذوات الحجلوغرّة تصدع جمع الشّمل
وهو خلاف الفرس الهبلّوكلّ طرف ذائل رفلّ
قد حذر النّاس أذاه قبليوعدّدوا كلّ قتيل بغل
من ناشىء غرّ وكهل جزلوسائس ورائض مدلّ
وكلّهم قال بقول عدلوليس يحصى عيبه ذو عقل
إلّا الّذي يعلم عدّ الرّملمنهم أبو الفضل أخي وشكلي
مجرّح الوجه كسير الرّجلومزيد وجابر المستملي
كان معبد بن أخضر المازنيّ- وهو أخو عبّاد بن أخضر قاتل أبي بلال الخارجي - عند سعيد بن عبد الرحمن بن عتّاب، فخرج من
عنده يوما على بغل فصرعه، وكسر سرجه، فركبه عريا، وانصرف إلى أهله، فقال:
أما والله يابن أبي سعيدجزاك الله شرّا من عميد
فلو في دار طلحة دقّ سرجيلأدّاني على سرج جديد
فبعث إليه طلحة بسرج.
وأما ربيعة بن أبي الصّلت، فقتله بغل على باب عبد الله بن عبّاس. ومن ولده كلدة بن ربيعة، وكان شريفا شاعرا.
وممّن قتلته بغلته، خالد بن عثمان بن عفّان، ﵁؛ وذاك أن خالدا كان بالسّقيا، فقال: هذا يوم الجمعة، لئن لم أجمّع مع أمير المؤمنين إنها للسّوءة السّوءى! فركب بغلة له لا تساير، فسار سبعين ميلا، فأتى المدينة في وقت الصلاة: فخرّ ميّتا، ونجت البغلة.
وممن قتلته البغال، المنذر بن الزّبير، وكان يكنى أبا عثمان؛ حمل على أهل الشام وهو على بغلة وردة، بعد أن ألحّ عليه عبد الله بن الزّبير يذمره؛ فلما سمعت البغلة قعقعة السّلاح نفرت، فتوقّلت به في الجبل، حتى أخرجته من حدود أصحابه؛ فاتّبعه أهل الشام؛ فناداه عبد الله: انج أبا عثمان، فداك أبي وأمّي! فعثرت البغلة، ولحقه أهل الشام، فقتلوه. ولذلك قال يزيد بن مفرّغ في هجائه لعبيد الله بن زياد:
لابن الزّبير غداة يمر منذراأولى بغاية كلّ يوم دفاع
وأحقّ بالصّبر الجميل من آمرىءكزّ أنامله قصير الباع
قال: وأردف عبّاسا المشوق الشاعر، بعض الفتيان خلفه على بغلة له، ووعده أن يهب له ويكسوه، وحرن البغل، فسقط الرجل فاندقّت فخذاه، فقال المشوق:
ليت ما أمسى برجليك برجلي وبكفّي
ليس للبغلة ذنبإنّما الذّنب لحرفي
وممن صرعته بغلته: البردخت الشاعر، واسمه عليّ بن خالد- وهو الذي كان هجا جرير بن عطيّة، فقال جرير: من هذا الهاجي؟
قالوا: البردخت. قال: وأيّ شيء البردخت؟ قالوا: الفارغ. قال:
فلست أوّل من صيّر لهذا شغلا.
وكان زيد الضبّيّ هو الذي حمله على ذلك البغل الذي صرعه، فقال:
أقول للبغل لمّا كاد يقتلنيلا بارك الله في زيد وما وهبا
أعطاني الحتف لمّا جئت سائلهوأمسك الفضّة البيضاء والذّهبا
وهو الذي كان هجا زيدا بأنه حديث الغنى، وأتاه وهو أمير في يوم حفله، فقال:
ولست مسلّما ما دمت حيّاعلى زيد بتسليم الأمير
فقال زيد: لا أبالي والله! فقال هو:
أتذكر إذ لحافك جلد شاةوإذ نعلاك من جلد البعير
قال: إي والله! قال:
فسبحان الّذي أعطاك ملكاوعلّمك الجلوس على السّرير
قال زيد: نعم، سبحانه! فخرج وعليه فضل.
قالوا: ونفر بغل كان تحت محمد بن هارون، أخي سهل بن هارون البليغ الكاتب الشاعر. قالوا: وإنما كان البغل ارتدّ فزعا، فقطع من جوفه بعض العلائق، فمات على ظهره، في وسط مربّعة باب عثمان نهارا.
وقد تصدم الدابّة الدابة، فيموت الراكبان والمركوبان.
وخبّرني سعيد بن أبي مالك أن غلاما كان لبعض أهل القطيعة ينيك بغلة لمولاه؛ وأنها في بعض الأيام وقد أدعم فيها، فاستزادته، فتأخّرت وتأخّر، حتى أسندته إلى زاوية من الإصطبل، فضغطته حتى مات. ودخل بعض الغلمان لبعض الحوائج، فرأى الباب عليهما مغلقا، فنادى باسم الغلام فلم يجبه؛ فقلع الباب، فإذا الغلام مسند إلى الزاوية وقد مات، وهي تضغطه، فصاح فتنحّت وسقط الغلام ميّتا.
ويقولون: إنها تفضح السائس الذي يكومها، لأنها تتلمّظ إذا عاينته، ولا تفعل ذلك بغيره، فهي إمّا أن تقتل، وإمّا أن تفضح.
وأنشدوا لقيس بن يزيد، في هجائه ابن أبي سبرة حين رماه بنيك بغلته، قال:
نبئت بغلتك الّتي أتلدتهالا تستقرّ لديك ما لم تسفد
تدنو بمؤخرها إليك إذا رأتأن قد علوت لها جدار المذود
قالوا: ولما أخذ فتيان من فتيان بني كليب الفرزدق، وأتوه بأتان، وقالوا: والله لتنزونّ عليها، كما رميت عطّية بن الخطفي، أو لنقتلنّك! قال: إن كان فهاتوا الصخرة التي كان يقوم عليها إذا ناكها، حتى
أنالها! فضحكوا جميعا من ظرفه، وخلّوا سبيله.
وممن قتلته البغال: زيد بن حلق الرّائض، وولد حلق معروفون عندنا بالبصرة.
وممن قتلت البغال: محمد بن سعيد بن حازم المازنيّ، وعمرو ابن هدّاب أحد عمومته، قتله بغل بتستر.
ومات المهلّب بن أبي صفرة على ظهر دابّته بالطّالقان.
ومات إياس بن هبيرة العبشميّ صاحب الحمالة، على ظهر حمار.
ولم يمت على ظهر حمار كريم.
وكانت بغلة أعين المتطبّب تصرع، وكان أعين يصرع، فصرعا مرّة معا قبالة دور بني السّمهريّ، فقام رجال منهم فأدخلوه الدار، فنوّموه على فراش، ووكّلوا بالبغلة من أدخلها الإصطبل، فلمّا أفاق وفتح عينيه أنكر موضعه، فقالوا: إنما أنت في دار بني السّمهريّ، وهم إخوتك وأهلك. فقال: كيف أشكركم وأنتم أعدّ وأيسر؟ ولكن أعلّمكم بعض ما لا غنى بكم عنه: إذا أتى أحدكم الغائط فليمتسح بشقق القصب، فإنّه إن كان هناك شيء من هذه الأورام حلقه واستأصله على الأيام، وإن لم يكن هناك شيء لم تعرض له هذه العلّة ما دام يستعمل القصب. وإن خرجت على أحد منكم بثرة فلا يحكّها، وإن دغدغته ووجد فيها أكالا، فإنّ ذلك الحكّ ربّما أنفر ذلك المكان، وجذب إلى مكانه من الفاسد ما يصير به بثرة، فإن حكّ البثرة فربّما صارت خراجا.
وقال لي كم شئت من أصحاب القصب والبواري: نحن لا تعترينا البواسير؛ لطول قعودنا على القصب والبواري.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع