من «البغال» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ركوب البغلة والطمع في القضاء
ونحن بالبصرة إذا رأينا الرجل يطلب الرأي، ويركب بغلا، ويردف خلفه غلاما، قضينا بأنه يطمع في القضاء. قال ابن الممزّق:
إذا ركب الشّيخ الشّريف بغيلةوناظر أهل الرّأي عند هلال
فذاك الّذي يبغي القضاء بسمته....... الذّئب أمّ غزال
فإن أردف العبد الصّغير وراءهفويل لأيتام وإرث رجال
وإن ركب البرذون واشتدّ خلفهفصاحب أشراط وحمل إلال
وقال ابن مناذر في واحد من هذا الشكل:
رأيت أبا موسى يغرّ بسمتهويقسم في الجيران كرّ طعام
ويخدعهم والله غالب أمرهبقدّ كقدّ المشرفيّ حسام
يريد قضاء المصر والمصر منكرلكلّ مراء مهتر بغلام
ببشر وسمت واكتئاب وخشعةوكثرة تسبيح ولين كلام
ويركب بغلا ثمّ يردف خلفهغلاما كما أبصرت شقّ جلام
يريد هلالا لا يحاول غيرهوقدما سما للرّأي غير مام
سواء لذي الرّأي الشّريف وغيرهإذا كنت ذا حفظ فلج بسلام
يصير فقيها في شهور يسيرةفيالك حفظا لم يشب بغرام
ولو كان خيرا كدّ... كما كدّ ذا الآثار بعد مرام
وما ضرّ سلمانا وكعبا وبعدهشريحا وسوّارا ورهط هشام
وياسا وياسا والغلابيّ بعدهألآك الأولى كانوا نجوم ظلام
وما عرفوا النّعمان....ولا زفر المسقيّ صوب غمام
لقد تاب ممّا أحدث القوم توبةلساعة إخلاص ووقت حمام
قالوا: ويشبّهون الأسد بالبغل، إذا كان الأسد تامّ الخلق. قال نهشل بن حرّيّ:
وما سبق الحوادث ليث غابيجرّ لعرسه جزر الرّفاق
كميت تعجز الخلعاء عنهكبغل السّرج خطّ من الوثاق
وقال أبو زبيد الطائيّ:
من الأسد عاديّبصوته ... رءوس الجبال الرّاسيات
كأنّ اهتزام الرّعد خيط بجوفهإذا جرّ فيه الخيزران المعتّر
فأبصر ركبا رائحين عشيّةفقالوا: أبغل مائل الرّجل أشقر
أم اللّيث؟ فاستنجوا....فهذا وربّ الرّاقصات المزعفر
ولأبي زبيد مثلها، في قصيدته التي ذكر فيها شأن كلبه، وشأن الأسد، فقال:
فجال أكدر مشتالا كعادتهحتّى إذا كان بين البئر والعطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهيةأسرت وأكدر تحت الّليل في درن
إلى مقابل خطو السّاعدين لهفوق السّراة كذفرى الفالج الغضن
رئبال غاب فلا قحم ولا ضرعكالبغل حطّ من المحلين في شطن
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع