تجاوز إلى المحتوى

من «البغال» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب نوادر البغال

ومن النوادر، قال: ادّعى رجل على الهيثم بن مظهّر الفأفاء أنه سرق بغلا؛ فقال له الوالي: ما يقول؟ قال: ما أعرف مما يقول شيئا! قال: أصلحك الله، إنه سكران فاستنكهه. قال: لأيّ شيء يستنكهني؟ آكلت البغل؟.

وقال آخر يهجو رجلا:

يا حابس الرّوث في أعفاج بغلتهشحّا على الحبّ من لقط العصافير

وهذا شبيه بقول الشاعر:

رأيت الخبز عزّ لديك حتّىحسبت الخبز في جوّ السّحاب
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «برزت من المنازل القباب»
وما روّحتنا لتذبّ عنّاولكن خفت مرزئة الذّباب
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «برزت من المنازل القباب»

وهذا ليس من الهجاء الموجع، وإنما الهجاء ما يكون في الناس مثلة.

قالوا لحمدان أبي سهل اللّحيانيّ: علمت أن برذون صاحب الحبس نفق ؟ قال: والهفاه! كنت أرجو أن يكسد فيخسر، فإذا هو

قد باع وربح. فظنّ أنّ قوله: قد نفق، من نفاق السّلعة.

ومثل هذا وليس من ذكر البغال في شيء، ما سمع رجل رجلا ينشد قوله:

وكان أخلّائي يقولون مرحبافلمّا رأوني معدما مات مرحب

فقال: مرحب لم يمت، قتله علي بن أبي طالب ﵇! ونظر أبو الحارث جمّين إلى أتان وحش ينزى عليها حمار أهليّ، فأنشد:

لو بأتانين جاء يخطبهارمّل ما أنف خاطب بدم

ونظر إلى برذون يستقى عليه الماء، فأنشد:

وما المرء إلّا حيث يجعل نفسهففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «ولا تجعل الأرض العريض محلها»

هذا لو هملج لم يصبه ما أصابه.

قالوا: وكان لأبي الحارث بغل قطوف، فلما أعياه استقى عليه الماء؛ فرآه يوما في الطريق، وعليه مزادة ثقيلة، وهو يمشي تحتها مشيا وطيئا؛ فقال: لو مشي تحت الخفيف كما يمشي تحت الثقيل، وكان الإنسان أحبّ إليه من الرّاوية، ربح هو الكرامة، وربحت أنا الوطاءة! قال: ونظر أعرابيّ إلى بغل سقّاء، وقد تفاجّ ليبول، فاستحثّه

بالمقرعة، وقطع عليه البول. فقال الأعرابيّ: إنّها إحدى الغوائل، قطع الله منك الوتين.

قال إبراهيم بن داحة: كان في طريق الموصل سكّة بريد، وبقرب السكّة مسجد ومستراح للمسافر، وفي تلك السكّة بغل لا يرام ولا يمانع، وكان إذا انفلت من قيده وسلسلته، وقد عاين برذونا أو بغلا أو فرسا، اغتصبه نفسه، واقتسره اقتسارا، فلا ينزع عنه حتى يكومه، وربما قتله، لعظم جردانه، وإن كان عليه راكبه صرعه، وربما قتله، حتى جاء شيخ أعرابيّ على فرس له أعرابيّ أعجف بادي الحراقيف، حتى نزل عن فرسه على دكّان ذلك المسجد، وعلّق المخلاة في رأسه، وحلّ حزامه، وترك عليه سرجه، وأخذ مخلاته، وجاء البغل قد أدلى، يريد أن يركب فرس الأعرابيّ، فجمع رجليه، فواتر على جبهة البغل، وعلى حجاج عينيه، فرمحه خمس رمحات أو ستّا متواليات، كلّها يقع حافرا رجليه معا، فنكص البغل شيئا يسيرا، ثم عاوده، فنثر على وجهه وحجاج عينيه مثل ذلك العدد، في أسرع من اللّحظ، وفرس الأعرابيّ في ذلك كلّه واقف لا يتحلحل، والأعرابيّ قد ضحك حتى استلقى، فولّى البغل يريد السكّة، فشدّ عليه فرس الأعرابيّ من بين يديه، فلحقه الفرس فعضّضه، وكامه الفرس، ورجع الفرس إلى موضعه، ودخل البغلّ السكّة، فكبّروا عليه، ونثروا عليه الرّوث اليابس، وشمت به جميع السّاسة، وافترّوا عليه، فترك البغل ذلك الخلق. وقال الأعرابيّ وكأنه يخاطب البغل:

ظننت فريس الشّيخ يا بغل نهزةفجئت مدلّا كالهزبر تطاوله
فولّيت مفلولا وطابقت مذعناكما طابقت للبغل يوما حلائله

قال: وقدّموا إلى سليمان بن عبد الملك جديا سمينا، فقال لأبي السّرايا- وكان من مجانين الأعراب- كل من شحم كليته، فإنه يزيد في الدّماغ. قال: لو كان الأكل من كلي الجدي يزيد في الدّماغ، كان رأس الأمير أعظم من رأس البغل!.

وإنما قال «الأمير»، لأن سليمان كان يومئذ وليّ عهد.

وقد غلط من زعم أنّهم كانوا وضعوا قدّام سليمان جديا، وإنما كان يأكل ملوكهم الحملان، لأنّها هناك أطيب ويسمّونها:

«العماريس».

ولمّا قدم عبد الملك بالكوفة، وضعوا بين يديه جديا، قال:

فهلا جعلتموه عمروسا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، تلك عماريس الشام؛ فأمّا العراق فجداؤها أطيب وأكرم.

وتفاخر ناس بكبر الأيور، وشيخ جالس لا يخوض معهم؛ فلما أكثروا قال الشيخ: لو كان كبر الأيور مجدا كان البغل من بني هاشم!.

وشهد مزبّد المديني عند قاضي المدينة بشهادة؛ وكان ذلك القاضي مفرط الحدّة، شديد البطش، سريع الطّيرة، فقال له القاضي: أعليّ تجترىء وعندي تشهد؟! جرّا برجليه وألقياه تحت البغلة! فلما أمعنا به نحو البغلة، التفت إلى القاضي فقال: أصلحك الله، كيف خلقها؟ فضحك وخلّى سبيله.

وكان نميلة بن عكّاشة النّميري متكايسا؛ فدخل دار بلال بن أبي

بردة، فرأى ثورا مجّللا، فقال: سبحان الله! ما أفرهها من بغلة لولا أنّ حوافرها مشقوقة!.

قالوا: ورأى الطائف بالليل شخصا عظيما قد انخنس عنه، فشدّ نحوه، فإذا حمدوية المخنّث قد جلس كأنه يخرأ، ولم يكن به خراء، وكان قد جلس على روث؛ فقال له: أنت أيّ شيء تصنع ها هنا هذه الساعة؟ قال خرجت أخرأ. فنظروا فإذا تحته روثة، قالوا: ما لك، صرت بغلا؟ قال: هذا زيادة عليكم؛ كل إنسان يخرأ ما يشاء!.

قال أبو الحسن: نظر جحا إلى رجل بين يديه يسير على بغلة، فقال للرجل: الطريق يا حمصيّ! فقال الرجل: ما يدريك أني حمصيّ؟ قال: رأيت حر بغلتك، فإذا هو يشبه الحاء، ورأيت فقحتها فرأيتها تشبه الميم ورأيت ذنبها فإذا هو يشبه الصاد، فقلت: إنّك حمصيّ!.

قالوا: وابتاع عبّاديّ بغلا، فمرّ بالحيّ، فقالوا: بارك الله لك! قال: لا تقولوا هكذا. فكيف نقول؟ قال: قولوا: لا بارك الله لك فيه! قالوا: سبحان الله! أيقول أحد لأحد له فيه رأي؟ قال: قولوا كما أقول لكم! قالوا: لا بارك الله لك فيه! قال: وقولوا: وأعضّك ببظر أمّك! قالوا: نعم، قال: إن أعرتكموه أبدا!.

وهذا يشبه حديث سنديّة الطحّانة، وكانت تطحن بالنهار، وتؤدّي الغّلة وتخدم أهلها بالليل، فانكسفت الشمس يوما، فقالت لها مولاتها: اذهبي يا شهدة، أنت حرّة لوجه الله! قالت: أليس قد صرت حرّة! ثم عدت من بين يديها، فقامت على باب الدار رافعة صوتها

تقول: من قال لي زانية فهي زانية، من قال لي لصّة فهي لصة، من قال لي قوّادة فهي قوادة. هاتي الآن رحى لك!.

وأخبرني أبو الزّبير كاتب محمد بن حسّان-، قال: وقف الهيثم بن مطهّر الفأفاء على باب الخيزران ينتظر رجلا يخرج من عندها، فبعث إليه عمر الكلوذانيّ: قد نهينا أن نجعل ظهور دوابّنا مجالس، فانزل عن ظهر دابّتك؛ فالأرض أحمل لثقلك. فقال للرسول: إني أنتظر رجلا قد حان خروجه، فبعث إليه: أن أنزل عن دابتك، فإذا خرج صاحبك فاركب والحق به. فقال للرسول: أعلمه أنّي أعرج، وأنا مع هذا رجل مثقل باللحم، ولا آمن أن يسبقني الرجل سبقا بعيدا، فلا ألحقه. فردّ الرسول، فقال: يقول لك: إن أنت نزلت، وإلّا أنزلناك صاغرا. فقال الهيثم: قل له: إن كنت إنّما تنظر للبغل، فهو حبيس في سبيل الله؛ إن أنزلتني عنه، إن أقضمته حبّة شعير شهرا، فسله الآن: أيّما أحبّ إليه: ركوبي له ساعة، أو حرمان الشعير شهرا! فلما جاءته الرسالة قال: ويلكم! هذا شيطان! دعوه في لعنة الله.

قال: ونظر إليه جعفر والفضل ابنا يحيى، وهو واقف في ظلّ قصر من قصور الشّمّاسيّة، فنظرا إلى شيخ عجيب الخلقة، وإذا تحته بغل أعجف، يكاد يسقط هزالا وضعفا؛ فقالا له: يا شيخ، لولا تعالج

بغلك هذا حتّى يعود سمينا فارها في أيّام يسيرة، بأيسر مئونة؟ قال:

بأيّ شيء أعالجه؟ قال: تأخذ عشرة أمناء مسك وعنبر، وتعجنها بعشرة أمناء من بان الغالية، وتطليه به طلية واحدة. فتجافى عن سرجه فولّى وجهيهما ظهره، ثم ضرط ضرطة صلبة؛ قالا؛ ما هذا؟ قال:

هذا لكما على الصّفة، ولو قد أنجع الدّواء خرينا عليكم!.

وحدّثونا عن هشام بن حسان، عن محمّد بن سيرين، قال: كان رجل عيّاب، فأبصر بغلة تحت شريح، فقال: أبا أميّة، إنّ بغلتك لفارهة! قال: إنها إذا ربضت لم تقم حتى تبعث. قال: لا خير فيها إذن!.

قال أبو الحسن: كان هشام بن عبد الملك يوما على باب يزيد بن عبد الملك ينظر إلى بغال تعرض، فنظر إلى بغل منها لم ير الناس مثله في تمام خلق، وطهارة خلق، ولين سيرة، وحسن صورة، فقال:

ما يصنع أمير المؤمنين بهذه الدوابّ كلّها؟ لو أن رجلا اجتزأ بهذا البغل وحده، لكان مكتفيا.

قال: فلما ولي هشام، اتّخذ البراذين البخاريّة، والبغال الفرهة؛ فأذكره رجل ذلك الكلام، فقال: وأنا على الرأي الأول، ولكن تأتينا أشياء نحسد الناس عليها.

قال: وكان عند محمد بن سليمان رجل مغفّل؛ فأنشد رجل رجزا

قيل في عمر بن هبيرة:

جاءت به معتجرا ببردهسفواء تردى بنسيج وحده
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

تقدح قيس كلّها بزنده

فقال الشيخ: بأبي هو وأمي- ﷺ! لأنّه ظنّ حين سمع بذكر البرد والبغلة، أنه النبي ﷺ.

وإنما هذا كقول أبي دهبل:

تحمله النّاقة الأدماء معتجرابالبرد، كالبدر جلّى ليلة الظّلم
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

ومثل قول ابن المولى لجعفر بن سليمان:

أوحشت الجماء من جعفرفجانبا عين أبي مشعر
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
لمّا غدا تحمله بغلةمعتجرا كالقمر الأزهر
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

ولمّا قال المدينيّ وهو بالحجاز، وذكر أبا البختريّ وهو قاض ببغداد وإنما ضرب به المثل ولم تكن قصيدته موجّهة إليه، فلما سمع قوله أبو البختريّ:

لو كنت تطلب شأو الكرامفعلت فعل أبي البختري
تتبّع إخوانه في البلادفأغنى المقل عن المكثر

قال: يا غلام، عليّ بأربعمائة درهم، وتخت فيه أربعون ثوبا،

وبغلة ناجية. فأعطاه، أو فبعث بها إليه.

وقال بعض المحارفين الفقراء، أو الطّياب الشعراء:

أتراني أقول يوما من الدّهرلبعض التّجار أفسدت مالي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
أو تراني أقول: من أين جاءتلدوابي بذا الشّعير جمالي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
أو تراني أقول: يا قهرمانيسل غلامي موفّقا عن بغالي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
أو تراني أمرّ فوق رواقلي عال في مجلس لي عالي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
أسرجوا لي، فيسرجون دوابيفأقول: انزعوا السّروج، بدالي
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
هذيانا كما ترى وفضولادائم النّوك من عظيم المحال
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

ومن هذا الباب قول الآخر:

أخيّ قد أوّب الحجيج وماأملك لا بغلة ولا فرسا
الله بيني وبين كلّ أخيقول: اجدم وقائل: عدسا

وقال رجل من بني شيبان، واقترض، فندم بعد أن ركب البغال المقصّصة بدلا من النجائب والخيل:

بدّلت بعد نجائبي وركائبيأعواد سرج مقصّص هملاج
ووقعت في عدس كأنّي لم أزلشنقا لقولي للنّجائب: عاج
والله لولا أن أضيّع غزوتيلرجعت منقلبا لها أدراجي

وقال الحسن بن هانىء:

غنيت بمركب البرذون حتّىأطاح الكيس إغلاء الشّعير
فحلت إلى البغال فأعوزتنيوحلت من البغال إلى الحمير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عنيت بمركب البرذون حتى»
فأعيتني الحمير فصرت أمشيأزجّي المشي كالرّجل الكسير
وما بي، والحميد الله، كسرولكن فقد حملان الأمير
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عنيت بمركب البرذون حتى»

وقال ربيعة الرّقّيّ:

وبلائي أن أمّيأثقلتني بإزاري
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
فإذا ما قمت أمشيهمّ خصري بانبتار
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
كلّ ذا أحمل وحديأين من اّمّي فراري
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
أمّتا هذا وربّيحمل برذون بخاري
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة
أمّتا لست ببرذون ولا بغل مكاري
للشاعر ربيعة الرقي، اقرأ القصيدة

وقال الحكم بن عبدل:

مررت على بغل تزفّك تسعةكأنّك ديك مائل الرّأس أعور
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
تخايلت في جنّيّة لتروعناوأنت إلى وجه يزينك أفقر

وقال حنظلة بن عرادة

تخيرت الملوك فحطّ رحليإلى سلم ولم يخط اختياري
يقولون اعتذر من حبّ سلمىإذن لا يقبل الله اعتذاري
إذا مرّت بجسركم بغاليفقوموا فانظروا في شأن داري
وقوموا ظالمين فهدموهاوالقوا من صحيفتكم صغاري

وحمل أبو دفافة بن سعيد بن سلم دعبلا الشاعر على بغل، فوجده- زعم- ذا عيوب فكتب إليه:

حملت على أعرج حارنفلا للرّكوب ولا للّثمن
حملت على زمن شاعرافسوف تكافا بشكر زمن
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وأهديته زمنا فانيا»

وخرج أبو هرمة الفزاريّ من منزله على بغلة فارهة، فشرب بكلّ ما معه واحتاج، فبادل بالبغلة حمارة، وقال:

خرجت ببغلة من عند أهليفجئت بها وقد صارت حماره
فمن يك سائلا عنّي فإنّيأنا الغاوي خليع بني فزاره

وبادل محمد بن الحارث قينة ببرذون؛ فألفاه صديق له صلاة الغداة وقد ركبه، فقال:

عجت بالسّاباط يومافإذا القينّة تلجم
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة
قينة كانت تغنّيمسخت برذونا ادهم
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

يا فتح لو كنت ذاخزّ أجرّرهتحتي سليم الشّظا من نسل حلّاب
أو كنت ذا بغلة سفواء ناجيةوشاكريّين لم أحبس عن الباب
أزري بنا أنّنا قلّت دراهمناوالفقر يزري بآداب وأحساب

وقال أبو العتاهية في عبد الله بن معن بن زائدة:

أخت بني شيبان مرّت بناممشوطة كورا على بغل
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا صاحبي رحلي لا تكثرا»
تكنى أبا الفضل فيامن رأىجارية تكنى أبا الفضل

وأشعار ذكروا فيها البغال بالتهجين، ولم يقصدوا إلى أعضائها بشيء، ومنها ما أرادوا بها من تحياز ركوبها، قال بعضهم في هجاء الموالي:

تأمّلت أسواق العراق فلم أجددكاكينها إلّا عليها المواليا
جلوسا عليها ينفضون لحاهمكما نفضت عجف البغال المخاليا

وقال طارق بن أثال الطائي:

ما إن يزال ببغداد يزاحمناعلى البراذين أمثال البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلةمن الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجيةومن ثياب وقول غير موزون

وقال بعضهم في تشبيه الشيء بالشيء، وهذا شعر ينبغي أن يحفظ:

وهيّج صوت النّاعجات عشيّةنوائح أمثال البغال النّوافر
يمخّطن أطراف الأنوف حواسرايظاهرن بالسّوءات هدل المشافر
بكى الشّجو ما دون الّلهى من حلوقهاولم يبك شجوا ما وراء الحناجر

وما سمعنا في صفة النوائح المستأجرات، وفي اللواتي ينتحلن الحزن وهنّ خليّات بال، بأحسن من هذا الشعر.

وها هنا باب من الشعر حسن، وليس من هذا بعينه، ولكنه قد يشاكله من باب. قال الشاعر:

ألا لا يبالي البرد من جرّ فضلهكما لا تبالي مهرة من يقودها

وقال آخر:

لا يحفل البرد من أبلى حواشيهولا تبالي على من راحت الإبل

وقال آخر:

أهينوا مطاياكم فإنّي رأيتهيهون على البرذون موت الفتى النّدب

وقال آخر:

وإنّي لأرثي للكريم إذا غداإلى طمع عند الّلئيم يطالبه
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
وأرثي له من مجلس عند بابهكمرثيتي للطّرف والعلج راكبه

وقال مسلم بن الوليد في برذون ابن أبي أميّة:

قل لابن أميّ: لا تكن جازعالا يرجع البرذون باللّيت
طأمن من جأشك فقدانهوكنت فيه عالي الصّوت
وكنت لا تنزل عن ظهرهولو من الحشّ إلى البيت
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «قل لابن مي لا تكن جازعا»
ما مات من سقم ولكنّهمات من الشّوق إلى الموت

وأنشد:

بكت عيني لبرذوني السّمنديبكاء أخي محافظة وودّ
وكان لنا حمولة كلّ زقّوكان لكلّ سكبان مؤدّي

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البغال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.