من «وصايا الملوك» لدعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ)
وصية الحارث بن كعب
وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن الحارث بن كعب لما حضرته الوفاة أقبل على بنيه يوصيهم وهو يقول:
بنيَّ اهتدوا إني اهتديت سبيلهفأكرمُ هذا النَّاسِ من كانَ هاديا
عييتُ زماناً لستُ أعلمُ ما الهُدىوقد كان ذاكُم ضِلَّة من ضَلاليا
فلمَّا أرادَ اللهُ رُشدِي وزُلفتيْأنارَ سبيلَ الحقّ لي وَهَدانِيا
فألقيتُ عنِّي الغَيَّ للرُّشدِ والهُدىويمَّمتُ نُوراً للحنيفةِ بادِيا
وصِرتُ إلى عِيسى بن مريمَ هادياًرشيداً فسمَّاني المَسيحُ حَوَاريا
سعِدتُ بِهِ دهراً فلمَّا فقدتُهُفقدتُ يمينيْ بل فقدتُ شِماليا
بنيَّ اتقوا الله الَّذي هُوَ ربُّكُمبراكُم له فيما بَرَى وبرانيا
لِنعبُدهُ سُبحانَهُ دُونَ غيرهِونستدفِعَ البلوى بهِ والدَّواهيا
ونُؤمِنَ بالإنجيلِ والصُّحُفِ الَّتيبها يهتديْ من كانَ للوحيِ تاليا
بنيَّ صحِبتُ النَّاسَ ثم خَبَرتُهُمْوأفضلهُمْ ألفيتُ من كانْ واعِيا
وألفيتُ أسناهُم محلاًّ ومنصباًرشيداً عن الفحشاءِ والإفكِ ناهيا
وألفيتُ أوهاهُمْ لدى كُلِّ أمرِهِمُضِلاً لضلالِ العَشيرةِ غَاويا
بنيَّ احفظوا للجارِ واجبَ حَقِّهِولا تُسلِمُوا في النَّائِباتِ المواليا
وشُبُّوا على قُرعِ اليفاعةِ ناركُمليأتمَّها الضَّيفُ الذي باتَ طاويا
ولا تعتدُوا بالحربِ منْ لم يكُنْ لكُمْمِنَ النَّاس بالعُدوانِ والظُّلمِ بادِيا
ومهما زرعتُم يا بنيَّ فإنَّهسيُحصَدُ نزراً كانَ أو كانَ زاكيا
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن ولد الحارث بن كعب لم يزل يحفظ وصيته ويعمل بها في الجاهلية والإسلام.
ويقال: إن رسول الله ﷺ قال لبني الحارث يوم وفدوا إليه للإسلام والدخول في الملَّة: يا بني الحارث، بم كنتم تغلبون الناس يا أكثر العرب عدداً ولا عدداً؟ قالوا له: يا رسول الله، نحن قوم لا نبدأ أحداً بمظلمة، فإذا أراد قوم ظلامتنا أو حربنا قلدناهم البغي، وصبرنا على حربهم حتى يحكم الله بما هو حاكم. فقال لهم رسول الله ﷺ: بتلك كنتم تغلبون الناس وتقهرونهم.
وهم الذين يقول فيهم الزبير بن عبد المطلب حيث يقول:
ولقد صحِبتُ النَّاس ثُمَّ خبرتُهُمْفوجدّتُ أكرمهُمْ بنيْ الذبيان
قومٌ إذا نزلَ الغرِيبُ بدارهِمْتركُوهُ أهلَ صواهِلٍ وقيانِ
لا ينكُثُونَ الأرضَ عِندَ سُؤالِهِمْلِتلمُّسِ العِلاَّتِ بالعيدانِ
بل يبسُطُونَ وُجوُههُم فَتَرى لهاعِندَ السُّؤالِ كأحسنِ الألوانِ
وإذا دعوتَهُمُ ليومِ كريهةٍسدُّوا شُعاعَ الشَّمسِ بالنِّيرانِ
تم كتاب الوصايا. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيد المرسلين محمد النبي وآله الطيبين صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وافق كاتبه الفراغ عنه يوم الخميس بقيت من شهر جمادى الأولى من شهور سنة وأربعين وخمسمئة. وفقه الله لما يرضيه، وجنَّبه معاصيه، وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين. ولمن قال آمين برحمته. والحمد لله حق حمده.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع