من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
مقدمة المؤلف
رب يسر وأعن الحمد لله الذى رفع رتبة الأدب وذويه، وأعلى منزلة العلم وحامليه، وجعلهم للدين قواما، وللمحاسن نظاما، ففهم بهم الغبى، وأنطق العيى، وصيرهم ورثة انبيائه، وأئمة لأوليائه، وحججا على أعدائه، وألبسهم العز ما أبقاهم، وخلد ذكرهم حين أفناهم، فأعيانهم مفقودة، وأمثالهم فى القلوب موجودة، وذلك من أعظم النعم عليهم، وأفضل المنن لديهم، ولما فى بقاء الذكر من الجمال وفى خلود الاسم من الكمال، قال ابراهيم ﵇ فيما حكى الله تعالى عنه: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
وقال تعالى: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ
فقرعهم باعراضهم عما فيه ذكرهم، وتباهتهم عما فيه جميل ذكره، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
فامتن عليهم بالقرآن لما لهم فيه من بقاء الذكر، وجميل النشر، وقد قال الأول: ذكر الرجل عمره الثاني، قال الشاعر:
لعمرك إنّ المرء تخلد بعدهأحاديثه والمرء ليس بخالد
وقال آخر:
وما الخير فى طول الحياة إذا امرؤمضى ثمّ لم يذكر بخير عواقبه
وقال آخر:
ردّت صنائعه إليه حياتهفكأنّه من نشرها منشور
وقال آخر:
فإن يك أفنته اللّيالى ومرّهافإنّ له ذكرا سيفنى اللّياليا
وقال آخر
عرضت وجهى ودنا انطلاقىوالمال يفنى والثّناء باقى
وقال آخر:
فأثنوا علينا لاأبا لأبيكمبإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد
ومما يقرب منه قول زهير:
فلو كان حمد الناس يخلد لم يمتولكنّ حمد النّاس ليس بمخلد
ولكنّ فيه باقيات وراثةفورّث بنيك بعضها وتزوّد
تزوّد الى يوم الممات فإنّهولو كرهته النّفس آخر معهد
وقال الأسدى:
فإنى أحب الخلد لو أستطيعهوكالخلد عندى أن أموت ولم ألم
وقال آخر:
وإذا بلغتم أهلكم فتحدّثواومن الحديث مهالك وخلود
وقال بعضهم: (لان أذكر فى شر خير لى من ألا أذكر فى شر ولا خير) وسمعت رجلا يقول: (لأن أكون رأسا فى الضلالة أحب الى من أن أكون ذنبا فى الهداية).
والنباهة لباقية التى لا تدركها الايام، والذكر العالى الذى لا يحطه مرور الزمان، نباهة العلماء وذكر الحكماء، لأنه يسير فى الأوقات من غير دافع يرده، ولا مانع يصده، وتؤمن عليه غارة الليالى والأيام، وجناية السنين والاعوام فى دروس آثاره وطموس أنواره، وقليل العلم كثير بل ليس من العلم قليل، وخير العلم ما ينفع وأنفعه ما يحاضر به، ولا يعتاض عند مطلبه، وأجل ما يعين على حفظه حسن تصنيفه، وبراعة تدوينه وتأليفه واولى ما يصنف منه ما تعظم الحاجة اليه، ويكثر تطلع النفوس الى معرفته والوقوف عليه، وإن أغفل إتقانه الأولون، وأخل باستقصائه المتقدمون.
قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل- أيده الله-: وقد رأيت أكثر الخاصة وجل العامة لهجين بالسؤال عن أوائل الأعمال، ومتقدمات الأسماء والأفعال، ولم يجدوا فى ذلك كتابا يجمع فنونها ويحوى ضروبها
بأخبارها وشرح وجوهها وأبوابها الا نبذا متفرقة فى تضاعيف الصحف وابتداء الكتب لم تذكر أسبابها ولم تشرح أبوابها، فعملت كتابى هذا مشتملا على هذا النوع من الأخبار وحاويا لهذا الفن من الآثار، مشروحا ملخصا، ومهذبا مخلصا لا يشوبه كدر ولا يرهق وجهه قتر، ليكون عونا على المذاكرة وقوة للمؤانسة، وجعلته عشرة أبواب:
الباب الأول: فى الاخبار عما كان من قريش وفيهم من أوائل الأعمال وابتداءات الأمور فى الجاهلية وما حدث بمكة منها.
الباب الثانى: فيما جاء من ذلك عن عامة أهل الجاهلية بعد قريش من العرب الباب الثالث: فيما جاء من ذلك منسوبا الى النبى- ﷺ الباب الرابع: فيما روى عن الصحابة والتابعين- رضى الله عنهم- الباب الخامس: فيما جاء عن الملوك فى الاسلام.
الباب السادس: فيما جاء منه عن الامراء والرؤساء فى الاسلام.
الباب السابع: فيما جاء منه عن القضاة والعلماء والأدباء.
الباب الثامن: فيما جاء منه عن النساء خاصة.
الباب التاسع: فى الاخبار عما جاء منه عن العجم خاصة.
الباب العاشر: فى أشياء مختلفة رويت عن العرب والعجم ولم ينفرد كل نوع منها بنفسه فجعلتها بابا واحدا وبالله التوفيق.
الباب الأول فيما جاء من ذلك عن قريش
النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع