تجاوز إلى المحتوى

من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

أول من أوقد النار بالمزدلفة حتى يراها من يندفع من عرفة فهى توقد إلى الآن قصى

وهى احدى نيران العرب، ونيران العرب هى نار الاستمطار، ونار التحالف ونار الأهبة للحرب، ونار الطرد، ونار الحرس، ونار السعالى، ونار الاسد، ونار القرى، ونار السليم ونار العذاء، ونار الوسم.

فأما نار الاستمطار: فكانوا فى الجاهلية الاولى اذا احتبس المطر

يجمعون البقر، ويعقدون فى أذنابها وعراقيبها السلع والعشر، ويصعدون بها فى الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار، ويزعمون أن ذلك أسباب المطر.

قال أميه بن أبى الصلت:

سلع مّا ومثله عشر مّاعائل مّا وعالت البيقورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، اقرأ القصيدة

وقال الودّاك الطائى:

لادرّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر

البيقور والباقور والبقر سواء.

وأما نار التحالف: فانهم كانوا يوقدونها، ويعقدون حلفهم عندها، ويذكرون، منافعها، ويدعون بالحرمان والمنع من خيرها على من ينقض العهد ويحل العقد، ويهولون على من يخلف على الغدر، قال أبو هلال: وانما كانوا يخصون النار بذلك دون غيرها من المنافع، لان منفعتها تختص بالانسان لا يشركه فيها شيء من الحيوان، قال أوس بن حجر:

إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجههكما صدّ عن نار المهوّل حالف
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكر بعدي من أميمة صائف»

وكانوا يقولون عند عقد الحلف: الدم الدم، الهدم الهدم،- بالفتح- وما بل بحر صوفة، وما رسا ثبير، أو غيره من الجبال كل قبيلة كانوا

يذكرون الجبال التى يعرفونها.

وأما نار الطرد: فانهم كانوا يوقدونها خلف من يمضى ولا يشتهون رجوعه، قال شاعر قديم:

وجمّة أقوام حملت فلم تكنلتوقد نارا خلفهم للتندّم

والجمة الجماعة يمشون فى الدم والصلح.

قال بشار:

صحوت وأوقدت للجهل ناراوردّ عليك الصّبا ما استعارا
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «صحوت وأوقدت للجهل نارا»

وأما نار الأهبة للحرب: فانهم كانوا إذا أرادوا حربا، أو توقعوا جيشا، أوقدوا نارا على جبلهم، ليبلغ الخبر أصحابهم فيأتونهم قال عمرو بن كلثوم:

ونحن غداة أوقد فى خزاررفدنا فوق رفد الرّافدينا

واذا جد الامر أوقدوا نارين، قال الفرزدق:

لولا فوارس تغلب ابنة وائلنزل العدوّ عليك كل مكان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»
ضربوا الصنّائع والملوك وأوقدوانارين أشرفتا على النيران

وأما نار الحرس: فكانت في بلاد عبس، فاذا كان الليل فهى نار تسطع، وفى النهار دخان يرتفع، وربما ندر منها عنق فأحرق من صوبها،

فحفر لها خالد بن سنان فدفنها، فكانت معجزة له، وأهل النظر ينكرون نبوته، ويقولون: انما كان أعرابيا من أهل البادية، والله تعالى يقول:

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى

وقال خليد العبثى:

وأىّ نبىّ كان من غير قريةوهل كان حكم الله فى كرب النّحل

وقال:

كنار الحرّتين لها زفيرتصمّ مسامع الرّجل السّميع

وأما النار التي تنسب الى السعالى: فهو شيء يقع للمتغرب والمتقفر قال أبو المطران عبيد بن أيوب:

لله درّ الغول أىّ رفيقةلصاحب دوّ خائف متقفّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدتحوالىّ نيرانا تبوح وترهر

وأما نار الصيد: فنار توقد للظباء لتعشى اذا نظرت اليها، ويطلب بها ايضا بيض النعام، قال الطفيل:

عوارب لم تسمع تنوح مقامهولم تر نارا ثمّ حول محرّم
سوى نار بيض أو غزال بقفرةأغنّ من الخنس المتاجر توأم
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أشاقتك أظعان بجفن يبنبم»

وأما نار الأسد: فانهم يوقدونها اذا خافوه، وهو اذا رأى النار استهالها، فشغلته عن السابلة، قال بعضهم: إذا رأى الأسد النار حدث له فكر يصده عن ارادته، والضفدع اذا رأى النار تحير وترك النقيق، وتنبأ بعضهم فقيل له ما علامتك؟ وكان بقربه غدير فيه ضفادع تنق ليلا قال: آمر ضفادع هذا الغدير بالسكوت فتسكت، ثم قال لغلامه خذ السراج وامض، فقل لها فلتسكت، فسكتت. لما رأت السراج، ففتن القوم، وكان مسيلمة قد عمد الى بيضه فجعلها فى خل، ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس. وتركها، فجفت فيها وعادت الى هيئتها، وكذلك تكون وأتى بها جماعته وأهل بيته، فدعاهم الى تصديقه فكذبوه فأخرجها، فلما نظروا اليها تحيروا وصدقوه، وهم أعراب جهال لا يعرفون وجوه الأمور، وأخذ حماما مقاصيص ودخل بيتا، وزعم انه يناجى الله لينبت أجنحتها فى الحال، فغرز فى أجنحتها ريشا أعده عنده، ثم أخرجها وخلاها فطارت فزادت فتنة القوم، وكانوا من أجهل الناس ومن جهلهم انهم اتخذوا إلها من الحيس فعبدوه دهرا، ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقال رجل من بنى تميم يهجوهم:

أكلت حنيفة ربّهازمن التّقحّم والمجاعه
لم يحذروا من ربّهمسوء العواقب والتّباعه

واما نار الحباحب: فكل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح من نعال الدواب وغيرها، قال أبو حية:

وأوقد نيران الحباحب والتقىغضا تتراقى بينهنّ ولاوله

والعرب تسمى البرق نارا، قال الشاعر:

نار يعود بها للعود جدّتهوالنّار تلفح عيدانا فتحترق

ونار اليراعة: وهو طار صغير، اذا طار بالليل حسبته شهابا، والطرب من الفراش اذا طار بالليل حسبته شرارة، وتقول العرب: أكذب من تلمع، وهو حجر يلمع من بعيد واذا دنوت منه لم تر شيئا.

ونار القرى: توقد للأضياف، قال الشاعر:

له نار تشبّ بكلّ ريعإذا النيران جلّلت القناعا»
وما أن كان أكثرهم سواماولكن كان أرحبهم ذراعا

وأخذه الأشجع فقال:

تروم الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وكيف ينالون غاياتهوهم يجمعون ولا يجمع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
وليس بأوسعهم فى الغنىولكنّ معروفه أوسع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

وقال ابن ميادة:

يداه يد تنهلّ بالخير والنّدىوأخرى شديد بالاعادى ضريرها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وناراه نار زاد كلّ مدفّعوأخرى يصيب المجرمين سعيرها

وقال الأعشى:

يشبّ لمقرورين يصطليانهاوبات على النّار النّدى والمحلّق

والمحلق الممدوح وكان هذا البيت يستحسن حتى قال الحطيئة:

متى تأته تعشو الى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «تزور امرءا يعطى على الحمد ماله»

فعفى على الاول، هكذا قالوا، وعندى ان الاول أحسن وأعذب.

ونار الحرب: مثل وليس بحقيقة.

ونار السليم، توقد للملدوغ اذا سهر، وللمجروح اذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضه الكلب، لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤديهم الى الهلكة: قال المجروح:

أبا ثابت أنا إذا يسبقونناستركب خيل أو ينبّه نائم
نداميّة تعشى الفراش رشاشهايبيت له ضوء من النّار جاحم

والمنزوف اذا نام أصابه الكزاز.

ونار الفداء: وذلك ان الملوك اذا سبوا القبيلة خرجت اليهم السادة للفداء والاستنهاب، فكرهوا ان يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، وفى الظلمة فيخفى قدر ما يحسبون لانفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن، وذلك قول الأعشى:

وهذا الّذى أعطاه بالجمع ربّهعلى فاقة وللملوك هباتها
نساء بنى شيبان يوم أوارةعلى النّار اذ تجلى له فتياتها

ونار الوسم: يقال للرجل ما نارك؟ أى، ماسمة إبلك؟ وقرب بعض اللصوص أبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه، وانما سئل عن ذلك لانهم يعرفون ميسم كل قوم وكرم أبلهم من لؤمها فقال:

يسألنى الباعة أين نارهاإذ زعزعوها فسمت أبصارها
كلّ نجار أيل نجارهاوكلّ دار لأناس دارها

وكلّ نار العالمين نارها

وقال آخر:

يسقون آبالهم بالنّاروالنّار قد تسقى من الأوار

يقول لما رأوا نارها خلوا لها المنهل فشربت لعز أصحابها.

النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأوائل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.