من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
أول من غنى الغناء العربى طويس
وقالوا جرادة جارية ابن جدعان، فمن قال ان طويسا أول من غنى قال:
كانت الفرس والروم فى أيام ابن الزبير- لما هدمت الكعبة- يبنونها ويغنون بألحانهم، فسمعها المغنون فنقلوها الى العربى، وكانوا قبل ذلك لا يتجاوزون الرمل والهزج واول من ابتدأه طويس، وطويس اول مشئوم ولد فى الاسلام، ولد يوم توفى- ﷺ وفطم يوم مات أبو بكر- رضى الله عنه- وبلغ الحلم يوم قتل عمر- رضى الله عنه- وتزوج يوم قتل عثمان- رضى الله عنه- وولد له يوم قتل على- رضى الله عنه وكان يكنى أبا عبد النعيم، وكان يقول: أنا أبو عبد النعيم، وأنا طاوس الجحيم، واحتج من قال: ان أول من غنى جرادة، بأن اسحاق الموصلى ذكر للجرادتين، جاريتى عبد الله بن جدعان فى المائة المختارة لحنا من الثقيل الاول وهو:
أقفر من أهله مصيففبطن نخلة فالعريف
هل تبلغنّى ديار قومىمهريّة سيرها لفيف
يا أمّ عثمان نوّليناقد ينفع السّائل الطّفيف
أعمامها الشّم من لؤىّصيد وأخوالها ثقيف
ولم تزل الجرادتان فى ملك ابن جدعان حتى أسن فوهبهما لامية ابن أبى الصلت.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الزبير بن بكار عن جعفر ابن الحسن عن ابراهيم بن أحمد قال: قدم أمية بن أبى الصلت على عبد الله بن جدعان فلما دخل عليه قال له عبد الله: أمر ما أتى بك! قال: كلاب غرماء نبحتنى ونهشتنى، فقال له عبد الله: وأنا على حقوق لزمتنى، فأنظرنى قليلا أنجم ما فى يدى، وقد ضمنت قضاء دينك، ولا أسألك عن مبلغه، فأقام أياما ثم أتاه، فأنشأ يقول:
أأذكر حاجتى أم قد كفانىحياؤك انّ شيمتك الحياء
وعلمك بالامور فأنت قرملك الحسب المهذّب والسّناء
كريم لا يغيّره صباحعن الخلق الكريم ولا مساء
تبارى الرّيح مكرمة وجودااذا ما الكلب اجحره الشّتاء
اذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثّناء
فلما أنشده هذا الشعر، كانت عنده قينتان قال: خذ أيهما شئت، فأخذ احداهما وانصراف، فمر بمجلس من مجالس قريش، فلاموه على أخذها، فقالوا: قد ألفيته عليلا، فلو رددتها عليه، فانه يحتاج الى خدمتها كان ذلك أقرب لك عنده، وأكثر من كل حق ضمنه، فوقع الكلام من أمية موقعا، فرجع
ليردها، فقال له ابن جدعان: لعلك انما تردها لان قريشا لاموك على أخذها، فقال: ما أخطأت يازهير، وأنشد:
عطاؤك زين لامرىء ان حبوتهكسيب وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجههاليك كما بعض السّوال يشين
فقال عبد الله خذ الاخرى، فأخذهما وخرج، فلما صار الى القوم أنشأ يقول:
وما لى لا أحيّيه وعندىمواهب يطّلعن من النّجاد
لأبيض من بنى عمرو بن تيموهم كالمشرفيّات الحداد
لكلّ قبيلة هاد ورأسوأنت الرّأس تقدم كلّ هادى
عماد البيت قد علمت معدّوانّ البيت يرفع بالعماد
له داع بمكّة مشمعلّوآخر فوق دارته ينادى
الى ردح من الشّيزى عليهالباب البرّ يلبك بالشّهاد
وقال فيه:
ذكر ابن جدعان بخيركلّما ذكر الكرام
من لا يخون ولا يعقولا يبخّله الانام
يهب النّجيبة والنّجيب له الرّحالة والزّمام وذكر أبو اسحاق الموصلى ان اول من غنى الغناء العربى سعد بن منجح أبو عثمان، وقالوا: أبو عيسى مولى لبنى مخزوم ومن عنائه:
أسلام انّك قد ملكت فاسجحىقد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّى على عان أطلت عناءهفى الغلّ عندك والعناة تسرّح
إنّى لأنصحكم وأعلم أنّهسيّان عندك من يغشّ وينصح
والذى عليه أكثر العلماء أن طويسا أول من غنى الغناء العربى.
النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع