تجاوز إلى المحتوى

من «الأوائل» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)

أول من صنف فى صنعة عبد الله بن المعتز

الف كتابا صغيرا سماه كتاب البديع، وذكر أن اسم البديع اسم لفنون

من الشعر يذكرها الشعراء ونقاد المتأخرين بينهم، فأما العلماء باللغة والشعر القديم، فلا يعرفون هذا الاسم، ولا يدرون ما هو؟ وقال: وما جمع فنون البديع غيرى، ولا سبقنى اليه أحد، وألفته فى سنة أربع وسبعين ومائتين، وأول من نسخه منى على بن يحيى بن أبى منصور المنجم.

وكان عبد الله كثير الادب، بارعا فى الفضل، كامل الأداء فى المعرفة، وهو غاية فى الشعر لا يلحقه فيه أحد من بنى هاشم، وربما ادعى قوم لعلى بن محمد بن طباطبا مشاكلة عبد الله بن المعتز فى الشعر، وذلك أنهم رأوا لعبد الله تشبيهات فى فنون الأشياء، ورأوا لعلى بن محمد كلاما فى بعضها، فظنوا أنهما اتفقا من هذه الجهة وما كل سمراء تمرة، والشأن فى الالفاظ وتسويتها وسلاستها وحلاوتها، فأما المعانى فمطرحة يتناولها كل أحد. وقد يستوى معنى كلامين وبينهما كما بين الثرى والثريا، وأين تقع ألفاظ على من ألفاظ عبد الله؟ وألفاظ على ظاهرة التكلف تعلوها مجاجة أهل الخبل، وألفاظ عبد الله فيها سلاسة أهل العراق وجزالة أهل الحجاز، فمن ذلك قوله فى متنزه ذكره:

الا ربّ يوم قد لبست ظلالهكما أغمد القين الحسام اليمانيا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا وادي الأحباب سقيت واديا»
وان ثقبته العين لاقت قرارهتخال الحصى فيها نجوما رواسيا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا وادي الأحباب سقيت واديا»
اذا ما تمشّت فىّ عين خريدةفليست تخطانى الى من ورائيا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا وادي الأحباب سقيت واديا»
وليل كجلباب الشّباب قطعتهبفيتان صدق يقبلون الامانيا
وأنّا رأينا المشرفيّات والقناوبذل النّدى للمكرمات مراقيا
وجمع سقينا أرضه من دمائهولو كان عافانا قبلنا العوافيا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا وادي الأحباب سقيت واديا»
ودسناهم بالضّرب والطّعن دوسةأماتت حقودا ثمّ أحيت معاليا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا وادي الأحباب سقيت واديا»

وقوله:

اذا لاح روض منه ظلّل روضهنسيم ضعيف الجانبين رقيق
ترى هاجع الانوار ترفع جفنهكذى الغشى يلقى راحة فيفيق

وقوله:

والرّيح تجذب أطراف الرّداء كماأفضى الشّقيق إلى تنبيه وسنان
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «يا دار يا دار أطرابي وأشجاني»

وقوله:

وحلت عليها ليلة رحبيّةاذا ما صفا فيها الغدير تكدّرا
طويلة ما بين البياضين لم يكنليصدق فيها صبحها حين بشّرا
كأنّ الرّباب الجون دون سحابهخليع منّ الفتيان يسحب مئزرا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أيا ويحه ما ذنبه إن تذكرا»
اذا لحقته لوعة من ورائهتلفّت واستلّ الحسام المذكّرا

وقوله:

وقد علا الطّود نيلا من أصائلهكما يصفّر فودى رأسه الخرف

الى محاسن كثيرة يضيق الوقت عن استيعابها والاحاطة بكلها او بجلها وانظر الآن الى تكلف على بن محمد فى قوله يصف النجوم:

نجوم أراعى طول ليل بروجهاوهنّ لبعد السّير ذات لعوب
كأنّ الّتى حول المجرّة أوردتلتكرع فى ماء هناك صبيب
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
ولا صبح الّا رائد الرّيع اذ رأىاوائل مرعى اللّيل غير خصيب
كأنّ رسول الفجر يخلط فى الدّجىشجاعة مقدام بجبن هيوب

وهذه الألفاظ لا ماء لها ولا طلاوة عليها وقال:

وأصبح كالسّماء الأرض لوناوقد أخذت تقطّر من جمود
رخاما سقفها يحكى رخامافمن ثلج وغيم ذى ركود
كأنّ الشّمس مرآة تراءىلنا ولها شعاع ذو خمود
متى تر شمس دجن خلف غيمترى المرآة فى كفّ الحسود
تقابلها فتلبسها عشاءبأنفاس تزايد فى الصّعود

وهذا كما ترى شعر ساقط لا خير فى لفظه ووصفه، وكذلك أكثر شعره الا ماندر، وهو قليل. ولعبد الله من النثر ما لا يتعلق به شىء من الكلام، فمن ذلك قوله:

«العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره، اذا الباغى بغى عليك، قام الداعى بك، العقل غريزة يزينها التجارب، الحكمة شجرة تنبت فى القلب، وتثمر فى اللسان، النفس أدنى عدو، النصح بين الملأ تقريع، المتواضع فى طلب العلم أكثر علما، كما أن المنخفض من الارض أكثر البقاع ماء، اذا زاد العقل نقص الكلام، نعم الجهال كرياض المزابل، الشفيع جناح الطالب، منع الحافظ خير من عطاء المضيع، الآمال لا تنتهى، والحى

لا يكتفى، فى العواقب شاف او مريح، الدار الضيقة العمى الاصفر، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح، المعرفة بالفضيلة عليك فضيلة منك، ثب على الفرصة او دع، قلوب الاخيار حصون الاسرار، أهل الدنيا كصورة فى صحيفة لا ينشر بعضها الا اذا طوى البعض، من لم يتعرض للنوائب تعرضت له، أفقرك الولد وعاداك، من تكلف مالا يعنيه فاته ما يعنيه، الغضب ضد العقل، النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن يخمدها الا أن تجدد حطبها، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، ولكن فقد الحاملين سبب عدمه، المعروف غل لا يكفه الا الشكر او المكافأة، لا راحة لحاسد، ولا حياء لحريص، الحرمان مع الحرص، الذل مع الدين، لا يكفيك من لم تكفه» وله شىء من هذا المعنى كثير.

ولما توفى المكتفى قام العباس بن الحسن، فأمر المقتدر، وأخذ البيعة له بالخلافة، فاستخلف وهو صبى لم يبلغ، ثم قتل طائفة من الجند العباس بن الحسن، وخلعوا المقتدر، وبايعوا عبد الله بن المعتز، واستوزروا له محمد بن داود بن الجراح، فمكث بذلك ليلة، فلما كان من الغد، أنفذ عبد الله الحسين بن حمدان، فى جند الى دار المقتدر بالله، فخرج اليه الخزر والاتراك، وأخذه العامة بالضجيج وانهزم، وخرج عبد الله هاربا الى البردان، ثم جلس فى زورق صياد فعاد الى بغداد، فأدخل دار المقتدر فكان آخر العهد به، فورد على الناس ما لم يروا أعجب منه قط، وهو رجوعه الى بغداد على غير عهد ولا عقد بها، وكان قد بويع له بالخلافة، وخرج معه وجوه القواد، وكبراء الناس.

فقال الناس: لم يكن به بأس، ولكن أدركته حرفة الأدب.

الباب الثامن فيما جاء من ذكر النساء

النص من طبعة دار البشير بطنطا (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأوائل»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.