من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
نسخة كتاب تحالف الشجر
هذا ما تحالفت عليه أصناف الشجر، وضروب الزهر، وسميها وشتويها، وربيعها وقيظيها، حيث ما نجمت من تلعة أو ربوة، وتفتحت من قرارة أو حديقة، عندما راجعت من بصرها، وألهمت من رشادها، واعترفت بما سلف من هفواتها، وأعطت للورد قيادها، وملكته أمرها، وأخلصت له محبتها، وعرفت أنه أميرها المقدم بخصاله فيها، والمؤمر بسوابقه عليها، واعتقدت له السمع والطاعة، والتزمت له الرق العبودية، وبرئت من كل نور نازعته نفسه المباهاة له، والانتزاء عليه في كل وطن، ومع كل زمن، فأية زهرة قص عليها لسان الأيام هذا الحلف، فلتعرف أن رشادها فيه، وقوام أمرها به، ولتحمد الله كثيرا على ما هداها إليه، واستنقذها من الضلال بتبصرته، ولتشهده على اعتقادها، والله شاهد على الجميع.
شهادة النرجس:
شهد النرجس والله يرىصحة النيات منها والمرض
أن للورد عليه بيعةأكدت بيعة فما أن تنقض
شهادة البنفسج:
شهد البنفسج أنهللورد عبد تملك
يسعى بقلب ناصحفي حبه مستهلك
شهادة البهار:
شهد البهار وذو الجلالة عالمبصحيح ما يبدي وما يخفيه
أن الإمارة في الأزاهر كلهاللورد لا يؤتى له بشبيه
شهادة الخيري النمام:
شهد الخيري برا صادقاقولة أبعد عنها الدرك
أن أزهار الثرى أجمعهاأعبد والورد فيها ملك
هذا يا سيدي ما انتهى في المعنى إلي، ففضلك في تصفحه، والتجاوز عما وقع من زلل في نقله، فأنت السابق الذي نجري في غباره، ونهتدي بمناره، ولولا علمي بموقع هذه الملح منك لم أجشمك مؤونة النظر فيما كتبت منها لك إن شاء الله.
قال أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عامر: ولي رسالة أردفتها على هذه مشتملة على وصف سبعة أنوار على ما انتهت إليه غاية اختياري وغرضي في الرد بتفضيل البهار على الورد خاطبت بها ذا الوزارتين القاضي سيف الحق الماضي_كبت الله أعداؤه، وأدام عليهم إعداءه_وهي: "يا مولاي الذي رقه لي شرف، وجوده علي سرف، ومن أبقاه الله لرفع شأن ودود، ووضع شأن حسود".
كان من اجتماع بعض النواوير، واتفاق طائفة من الأزاهير على تقديم الورد عليها، وتفضيله بينها، وتخيره للخلافة منها ما قد وقفت عليه ونظرت إليه مما عني بجمعه وانفرد لذكوره أبو حفص بن برد الوزير الكاتب، وسراج الأدب الثاقب، وكانت النواوير المتفقة عليه، والداعية حينئذ إليه: البنفسج والخيري النمام والبهار، والنرجس الأصفر، وكتبت كتابا إلى صنوف الأنوار، وضروب الأزهار، تأمره بالوقوف عند ما وقفت، والاتفاق على ما اتفقت.
فأول من رأى الكتاب، وعاين الخطاب، نواوير فصل الربيع التي هي جيرة الورد في الوطن، وصحابته في الزمن، فلما قرأته أكبرت ما فيه، وبنت على ما هدم مبانيه، وبعض معانيه، وعرفت الورد بما عليه فيما نسب إليه من استحقاقه ما لا يستحقه واستئهاله ما لا يستأهله، وقالت له: "من مدح أمرأً بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه" وبينت ذلك له بيانا رأى الرشد فيه عيانا، وأجمعت على مجاوبة مكاتيبها، ومراجعة مخاطيبها بما بدا لها من سوء تدبيرها، وضعف رأيها، ثم رأت أن عنه رأي غير مرضي. فكتبت إلى الأقحوان والخيري الأصفر إذ هما يجاوران تلك في أوطانها ويصاحبانها في أزمانها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع