من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
الفصل الثاني في القطع التي لم تنفرد بنوار وإنما اشتملت على نورين أو أنوار
قال أحمد بن هشام بن عبد العزيز بن سعيد الخير بن الإمام الحكم_رضي الله عنهم_يصف النرجس والورد من جملة قصيد مطول:
انظر إلى الروض في جوانبهأحمره ضاحك وأصفره
إذا هفت فوقه الرياح سرىبهفوفها مسكه وعنبره
نرجسه تستجد صفرتهحتى كأن الحبيب يهجره
والورد يختال في منابتهتطويه أكمامه وتنشره
قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه:
باكر الروض في رياض السروربين نظم الربيع والمنثور
في رياض من البنفسج يحكيأثر العض في بياض الصدور
وترى السوسن المنعم يحكيذهبا نابتا على كافور
وكتب عمر بن هشام بن قلبيل إلى صديق له يستدعيه في زمن. الربيع ويصف ما عنده من النواوير بوصف بديع: "نحن_أكرمك اله_على بسط الرياحين، ودرانك الورد والياسمين، ووشي رياض مونقه، حاكتها أيدي الربيع المغدقة. تلاحظنا عن أعين النرجس والسوسان، بأحلى محاجر وأجفان، وتبسم عن نور الأقحوان بمثل الدر والمرجان، فهي متضوعة عن لطائم المسك، متنفسة بأرج الورد، جذلة بهجة، فائحة أرجة، فإن تقارن حسنها بحسن وجهك فهي حالية مشرقة، وإن عطلت من ضياء غرتك فهي باكية مطرقة". ولعبد الزكي بن عثمان الأصم قطعة حسنة في الورد والأقاح وهي:
وغضيض من جنى الورد حكى الصبح انفجارا
وأكاليل أقاحيي يخالسن حذارا
مشرئبات إلى الشمس بأحداق حيارى
إن سقاها الطل في السرر تضاحكن جهارا
ولأبي مروان عبد الملك بن سعيد المرادي قصيد سري يمدح به الناصر لدين الله_رحمه الله_وفيه أوصاف لنواوير، وتشبيهات في أزاهير، فمنها قوله:
كأن جني الورد أحدق حولهجنى سوسن مستطرف اللون أزهر
خدود العذارى المخجلات تحفهاعوارضها مبيضة لم تخفر
وأعين عقيان بأجفان لؤلؤعلى كل فرع كالزمرد أخضر
وللحاجب أبي الحسن جعفر بن عثمان المصحفي_رحمه الله_في هذا المعنى أبيات بارعة، فيها تشبيهات رائعة. وهي:
انظر إلى الروض الأريض تخالهكالوشي نمق أحسن التنميق
وكأنما السوسان صب مدنفلعبت يداه بجيبه المشقوق
يوم الوداع ومزقت أثوابهجزعا عليه أيما تمزيق
والنرجس الغض الذكي محاجرتعبت من التسهيد والتأريق
يحكي لنا لون المحب بلونهوإذا تنسم نكهة المعشوق
وكأن دائرة الحديقة عندماجاد الغمام لها برشف الريق
فلك من الياقوت يسع نورهفيه كواكب جوهر وعقيق
شبه أوراق السوسن في افتراقها بجيب مشقوق، وهو معنى دقيق أنيق، وقد تداوله جماعة، وأظنه من اختراعه، وتشبيهه الأخير في الحديقة من التشبيهات العقم على الحقيقة. ولأبي القاسم بن هانيء الأندلسي قطعة بديهية سرية، كلها سنية، يصف فيها الورد والياسمين والنرجس، صنعها في مجلس جعفر بن الأندلسية، وقيل في مجلس جعفر بن فلاح، وهي:
وثلاثة لم تجتمع في مجلسإلا لمثلك والأديب أريب
الورد في شمامة من فضةوالياسمين وكل ذاك عجيب
والنرجس الغض الذكي ولونهلون المحب إذا جفاه حبيب
فاحمر ذا، وابيض ذا، واصفر ذا،فبدت دلائل كلهن غريب
فكأن هذا عاشق، وكأن ذاك معشق، وكأن ذاك رقيب
وقال أبو عبد الملك الطليق، وهو مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله يصف الورد والبهار في قصيد مشهور له لم يصنع بعده ولا قبله على عروضه وقافيته ما يوازيه جمالا، ولا يضاهيه كمالا، والوصف بعد صدر في سواه:
وكأن الورد يعلوه الندىوجنة المعشوق تندى عرقا
يتفقا عن بهار فاقعخلته بالورد يطوي ومقا
كالمحبين الوصولين غداخجلا هذا وهذا فرقا
يا لها من أنجم في روضةقد ترقت في رباها أفقا
ودنت منها إلى شمس الضحىحدق للنور تصبي الحدقا
تشبيه الورد بوجنة المعشوق كثير، إلا أنه أعرب بزيادة الندى، ومقابلته بالعرق. وقوله: "يتفقأ" أراد ينشق وينجاب، ومنه حديث أبي بكر الصديق_رضي الله عنه_: "نحن عنزة رسول الله ﷺ وبيضته التي تفقأت عنه" أراد انشقت وانجابت. ودل على أن البهار بين الورد. وقال أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي يصف الورد والأقاحي:
وفي الورد غضا والأقاحي محاسنسرقن من الأحباب للمتشوق
خدود عذارى لو تقصى حياؤهاوأفواه حور لو سمحن بمنطق
هذان التشبيهان معروفان، لا سيما قلبهما، ولكن لو فهما حسنتهما معا وأبدعت فيهما بدعا. وللمتوكل بن أبي الحسين قطعة بديعة يصف فيها نواوير وهي:
في رياض بسطها زهرمظهر من أيكها قبب
نرجس يرنو بلحظتهنحو ورد طالما انتقبا
فترى ذا سافرا خجلاوترى ذا عاشقا نصبا
وترى الخيري مكتتمامثل لص كاد أن يثبا
فإذا ما الليل سترهأظهر الفتكة واستلبا
ولأبي بكر بن هذيل قطعة رفيعة الصفات، بديعة التشبيهات في نواوير عدة وهي:
حديقة نفس تملأ النفس بهجةوتثنى عيون الناظرين بها حسرى
كأن جني الجلنار ووردهاعشيقان لما استجمعا أظهر خفرا
كأن جنى سوسانها في سنا الضحىكؤوس من البلور قد حشيت تبرا
كأن عيون النرجس الغض بالندىعيون تداري الدمع خيفة أن يدرى
كأن جنى الخيري في غبش الدجانسيم حبيب زار عاشقه سرا
كأن ينابيع المياه مراجلتفور وقد أزكت لهن الحصى جمرا
شبه المياه في آخر بيت بالمراجل، وهي القدور، واحدها مرجل. وللوزير عامر بن شهيد_رحمه الله_قصيد يمدح به سليمان المستعين بالله_نضر الله وجهه_في فصل النيروز، وفيه قطعة عجيبة في نواوير عدة:
وأتاك بالنيروز شوق حافزوتطلع للزور غب تطلع
وفاك في زمن عجيب مونقوأتاك في زهر كريم ممتع
فانظر إلى حسن الربيع وقد جلتعن ثوب نور للربيع مجزع
فكأن نرجسها وقد حشدت بهزهر النجوم تقاربت في مطلع
أو أعين الأحباب حين تراسلتباللحظ تحت تخوف وتوقع
وبها البنفسج قد حكى بخضوعهوقنو لون في سواد مشبع
خد الحبيب وقد عضضت بحنةفشكا إليك بأنة وتوجع
وكأنما خيريها تحت الدجابين الأزاهر قام كالمتطلع
يرجو زيارة من يحب لوعدهكلفا فبات مراقبا لم يهجع
وكتب الوزير أبو عامر بن مسلمة، وبين يديه ورد وسوسان ونيلوفر، على صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية يسأله وصفها، وشرط في رغبته أن يكون أول الشعر:
وثلاثة لما اجتمعن بمجلسنبهن مني همة لم تنعس
فأضاف أبو بكر إليه بديهة أبيات سرية تعجز من رامها روية وبعث بها إليه، وهي:
وثلاثة لما اجتمعن بمجلسنبهن مني همة لم تنعس
ودعون حي على الصبوح فشقنيبدعائهن إلى لقاء الأكؤس
ورد كمثل دم الوريد وسوسنغض بسوسي الغلائل مكتس
ويزينه نيلوفر أوراقهورق جرى من فوق أخضر أملس
فإذا سرت أنفاسها لك أبرأتبلطيف رياها عليل الأنفس
الورد والسوسان والنيلوفر الأرج المشم محركي وموسوسي
فاقت بحسن روائها وأريجهافيها من النوار أعمر مجلسي
وأنشدني أيضا لنفسه صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية أبياتا يصف فيها الورد والسوسان قصر على جميع تشبيهاتها، وبديع صفاتها الحسن والإحسان، وهي:
قم فاسقنيها على الورد الذي فغماوباكر السوسن الغض الذي نجما
كأنما ارتضعا خلفي سمائهافأرضعت لبنا هذا، وذاك دما
جسمان قد كفر الكافور ذاك وقدعق العقيق احمرارا، ذا وما احتشما
كأن ذا طلية نصت لمعترض،وذاك خد غداة البين قد لطما
أو لا، فذاك أنابيب اللجين، وذاجمر الغضى حركته النار فاضطرما
قوله: "على الورد الذي فغما" أي الذي سدت ريحه الخياشيم. وقوله: "الذي نجم" أي الذي طلع. والطلية: صفحة العنق، وهي واحدة الطلى. ولغة ثانية في الطلية: طلاة. ونصت: رفعت. وأنشدني لنفسه الوزير أبو عامر بن مسلمة قطعة يصف فيها البهار والبنفسج بأوصاف غريبة، ويشبهها بتشبيهات عجيبة:
قدم البهار مع البنفسج فاشربنن عليهما بين الرياض الغضة
هذا كمعشوق وعاشقه، وذامثل الحزين دموعه مرفضه
وترى البهار كأنه ياقوتةصفراء تحملها أكف بضه
قد سترت حذر الرقيب معاصمابمطارف خضر وأبدت فضه
وجرى النضار بها فحسن خلقهاكمثال معشوق تشكى مرضه
وكأن ذاك بخدها وبنحرهاعند العيان لنا بقايا عضه
قوله: "كأن ذاك" أشار إلى البنفسج إذ بعد ذكره لاشتغاله بوصف البهار. وللوزير أبي عامر بن مسلمة أيضا قطعة في جملة من النواوير، وعدة من الأزاهير، أبدع من المتقدمة على أن لا أبدع، وأرفع منها على أن لا أرفع، تضمنت من التشبيهات غريبها، ومن الصفات عجيبها، أنشدنيها موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_وصل الله حرمته، وأدام عزته_ وهي:
وروضة مشرقةبكل نور مجتنى
فيها بهار باهرونرجس يشكو الضنى
وياسمين أرضهونوره تلون
كالليل مخضرا ولكن بالنجوم زين
فاجتن وردا وارداوسوسنا ملسنا
وحوله نيلوفرفتنة ران إن رنا
تخاله مضاربامن المها تروقنا
والآس آس كاسمهبنوره قد حسنا
تنويره جواهرمن غير بحر تقتنى
وحبه من سبجأو سندس قد لونا
وقد بدا فيها البنفسج الندي الغض الجنى
وأرضه مطارفخضر أتتنا بالمنى
طابت بطيب ماجدفاق سناء وسنا
ذاك ابن عباد عمادي وسراج في الدنا
فهو يثير الحق والعدل ويحيي السننا
ونوره مسك فتيت حسنه يفتننا
قاض بنشر عدلهطابت لنا أزمننا
لا زال يبقى ما علاقمري أيك فننا
وللوزير أبي عامر بن مسلمة أيضا قطعة بديهية سرية، كلها سنية، قالها وبين يديه ثلاثة أنوار: خيري وبنفسج وبهار، وأنشد:
وثلاثة لما اجتمعن بمجلسأقررن عين تنزهي وتأنسي
نمام طيب في بهار باهروبنفسج أضحى حبيب الأنفس
فالسبق منها في للبهار لأنهيأتي ونور الروض لم يتحسس
ثم البنفسج فهو يتلوه لناراقت ملاحته فأصبح مؤنسي
يحكي لنا المسك الفتيت بلونهفي أرض عنبرة كلون السندس
والخير في الخيري إلا أنهيخفي النسيم نهاره بالمجلس
ويذيعه بالليل فهو بفعلهوبصنعه هذا صديق الحندس
فاقت نواوير الرياض تلونافغدت لها مثل النجوم الكنس
وقال يونس بن مسعود الرصافي يصف الورد والخيري:
يتطلعن أنجما بعيونكالخواتم زانها التفصيص
في رياض كأنما الورد فيهنن عذارى تجنهن خصوص
هب خيريها بليل وقد نام نهارا كما تهب اللصوص
أظن البيت الأول في البهار إذ هي صفته. وله أيضا:
وكأن سوسنه مداهن فضةتحوي خلوقا بالعبير مطيبا
وتخال نرجسه بها تبرا علىقضب الزمرد حين قام مركبا
وكأن أعينه عيون حبائبقد أبصرت يوم الندى مترقبا
والورد تحسبه خدود كواعبكادت من التوريد أن تتلهبا
وكأنما الخيري خد عضهلحظ الحبيب صبابة وتحببا
وصنع الفقيه أبو الحسن بن علي قصيدة ضادية يصف فيها نواوير الربيع بوصف حسن بديع، ويمدح بها ذا الوزارتين القاضي_أدام الله عزه ووصل حرزه_وأنا أذكر منها قطعة تشاكل هذا الباب. وهي بعد صدر من القصيد:
كأنما الروض لماوشت يد المزن أرضه
بكل حمراء صرفوكل بيضاء بضه
كواكب في سماءمن الزبرجد محضه
كأن طل الأقاحيمدامع مرفضه
أو لؤلؤ فوق أرضمن المها مبيضه
كأنما الورد صدرأبقى به اللثم عضه
أو خد أغيد قد أخجلته حال ممضه
كأنما النهر نصلجلا الصياقل عرضه
كأنما غدر الماء في المروج الغضه
إذا التقين مراءأو أكؤس من فضه
كأنما الشمس في الجووحين يقطع عرضه
وجه ابن عباد الندب حين تأمل قرضه
حوى بطول يديهطول الثناء وعرضه
المرائي، جمع مرآة مثل مكواة ومكاوي. وهو تشبيه قوي سري جدا. قال أبو الوليد: فلما بلغني ذلك صنعت قصيدا على ذلك النحو وأنا أذكر أيضا منه قطع تليق بهذا الباب وهي من أوله:
انظر إلى النهر واعجبلحسن مرآه وأرضه
قد حل بين رياضمن النواوير غضه
فيها بهار بهيبدا فزين أرضه
كأنه جيد تبريلوح في طوق فضه
ونرجس مثل لون المهجور فارق غمضه
وأقحوان أنيقبروده مبيضه
قد طرزتها بتبرعين الندى المرفضه
وباقلاء قد آبدىبنوره الحسن محضه
كأنما هو حالبخد بيضاء بضه
كأنما النهر هو أفق السسماء عانق أرضه
وقد كسا عدوتيهمن الأزاهر مخضه
كما ابن عباد الندب قد كسا الصون عرضه
سمح على المال فظدأبا يجدد فضه
له من الجاه حظعلى التواضع عضه
فلما أنشدته القاضي_أبقاه الله_سر سرور متشيع في غذي إنعامه، وربي أيامه، وأمرني باستحضار صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية، والأديبين أبي جعفر بن الأبار، وأبي بكر بن نصر وأمرهم عنه_لا زال ماضي الأمر_بالعمل في ذلك المعنى على العروض والقافية، فلم أقدم شيئا على استحضارهم، وإيراد ما أمرني به عليهم. فصنعوا في ذلك من ليلتهم أشعارا رائعة السمات، فائقة الصفات، فمن ذلك شعر أبي بكر بن القوطية وهو من أوله:
بشاطيء الواد نهركسا الدرانك أرضه
خضرا وصفرا وحمراوبعضها مبيضة
نمارق وزرابمن النواوير غضه
فالورد وجنة خودبيضاء غراء بضه
كما البنفسج خدأبقى به الهشم عضه
والياسمين نجومحازت من الحسن محضه
روض بديع متى ماتجل به الطرف ترضه
تقيد اللحظ حسنافليس يستطيع نهضه
حكى سجايا ابن عباد الكريم وعرضه
قاض على الحق ماضراض به لو أمضه
اسم ابتداء تعالىأن يحسن الدهر خفضه
أراد أنه رفيع القدر، لم تقدر على خفضه نوب الدهر، وهو معنى كالسحر. ومن شعر أبي جعفر بن الأبار، وهو من أوله:
لا ترض للحظ غضهوالمح من النور غضه
خد الربيع تبدىفصل بلحظك عضه
شقائق شق قلبيرواؤها واقتضه
كأنما الأرض منهاخريدة مفتضه
ونرجس متغاضكأنما الحزن مضه
يرنو بطرف كحيلكمن يحاول غمضه
وسوسن إن تشمهفكالوذائل بضه
أو ألسن الدر صيغتأو الطلى المبيضه
والأقحوان نجومليست ترى منقضه
كانت ختاما عليهمنه كمائم غضه
فحاول الجو فضابفضة الطل فضه
لم يضحك الروض إلادموعه المرفضه
مازال يولى فيوليمن كل ود محضه
حتى إذا الورد حيىوعارض المسك عرضه
أبدى غلائل حمراإزارها منفضه
كأنما المزن جيشيحاول الأفق عرضه
ثم دخل إلى المدح من هنا دخولا مستحسنا فقال مخاطبا لممدوحه:
كأنما البرق فيهعلى اجتدائك حضه
كأنما الرعد قصفابكم يهدد ومضه
كأنما الريح تبغيلبعض شأوك نهضه
كأنما البحر عافإليك قد شد غرضه
ومد بالنهر كفالكي تعجل قرضه
قوله: "ما زال يولى" أراد يتعاهد بالولي، وهو مطر الربيع. ويولي الثاني: هو المعروف يسدى إليه، وقوله: "عارض المسك عرضه"، العرض: الريح، يقال: فلان طيب العرض، ومنتن العرض أي الريح. والعرض أيضا: وادي اليمامة، وكل واد عرض. والعرض أيضا: ما ذم به الإنسان أو مدح. وقوله: "قد شد غرضه" الغرض: حزام الفرس ومنه الغرضة. ومن شعر أبي بكر بن نصر، وهو من أوله أيضا:
أما ترى الأرض خضراء بالأزاهر غضه
كأنها في ملاةمن الزبرجد محضه
وفوق ذلك نوريعانق البعض بعضه
من نرجس ذي جفوندموعها مرفضه
مصفر لون كصببه غرام أمضه
لحظ لجين ولكنعلى صفا التبر عضه
والسوسن الغض نورحمى عن الذم عرضه
كأنه ضاحك عنعوارض مبيضه
مفلجات طوالتلبست بالفضه
وللنوائر عرضوالورد أخر عرضه
غض وبض ولكنلم ينصف الدهر غضه
الآس أدوم برءاوالورد أسرع مرضه
ومن المدح:
جاور نداه تصادفمن طيب العيش خفضه
ما أضمر الكفر إلامن بات يضمر بغضه
وإن عصاه مناوفما يني أن يفضه
ولو تحصن منهبرأس رضوى لرضه
ثم إن الوزير الكاتب أبا الأصبغ بن عبد العزيز عرف ذلك فصنع شعرا على هيئتها في المعنى والغرض، ومنه:
يا من تأمل روضابه النواوير غضه
وعاين الحسن منهاقد زين البعض بعضه
فالأقحوان بياضكأنه سمط فضه
والنرجس الغض تبرفي صفرة منه محضه
والورد ماء ونارسالا على وجه بضه
ضدان في صحن خدقد ألفا بعد بغضه
والنهر سبك لجينجرى فزين أرضه
ومن المدح:
قاض يكافح عنا العدا ويهجر غمضه
أسدى وأولى جميلافأجمل الله قرضه]
أيامه الغر ماءصفا لمن رام خوضه
فالعمر فيها قصيروالدهر فيها كغمضه
وهذا البيت غاية، ووصف نهاية، وإن كان معروفا في وصف الخدود فقلبه إلى وصف الورد مما أحسن فيه، وأغرب به. ولما أكمل أبو الأصبغ إنشاد هذا الشعر أمر القاضي_أعزه الله_والدي عبده الناصح له دأبه الحسن فيه ظاهره وغيبه بالجلوس بين يديه ثم أمل بديهة عليه:
أبلغ شقيقي عنيمقالة لتمضه
بأن وصف الأقاحيي [الذي وصفته لم آرضه
هلا وصفت الأقاحي]بأكؤس من فضه
قيعانها ملبساتصرف النضار ومحضه
أو لا فصفر اليواقيت في خواتم فضه
أو النجوم تساقطن في المها المبيضه
أو لا فجام مهاةبالخمر في كف بضه
قد باكرته وأبقتمن فضلها فيه بعضه
قال أبو الوليد: سمعت أبي وأبا الأصبغ يقولان: والله ما أكمل الأبيات بتلك التشبيهات الرائقة، والصفات الرائعة إلا ونحن قد بهتنا من سرعة بديهته، وقدرة فكره على تهذيب قوافيها، وتهذيب معانيها في أسرع من لا في اللفظ، وأعجل من رجع اللحظ، والمعني فيها، والمردر عليه بها هو الوزير أبو الأصبغ في وصفه المتقدم للأقاحي حين قال:
فالأقحوان بياضاكأنه سمط فضه
لأنه وصف بياضه ولم يصف صفرته، فجمعهما القاضي_أعزه الله وأحسن ذكراه_بتشبيهات كلها على غاية الكمال، مستوف نهاية الجمال. ولو وقع تشبيه من تلك التشبيهات لموسم بهذه الصناعة، متخذ لها كالبضاعة، بعد إعمال فكره فيه وإشغال ذهنه به، لكان مستندرا مستغربا، فكيف باجتماعها على حسنها وانطباعها له_أعزه الله_بديهة مع كثرة اشتغاله بالفرائض عن هذه النوافل التي لا يتحلى بها، ولا يتجلبب بجلبابها. قال أبو الوليد: وهذه القطعة كان يجب أن تكون في باب القطع المنفردة لأنها في الأقاحي على حدة. لكني لو فصلتها من الشعر الذي اتصلت به، والمعنى الذي وقعت فيه لكنت مفرقا بين الطرف وحوره، والخد وخفره، ففيها من التشريف لمن خوطب بها، وعني فيها ما يبقى في نسله وينبيء عن فضله. وقال أبو الحسن علي بن أبي غالب في المعنى الأول والقافية والعروض موصولا بمدح أبي_أطال الله لي عمره، وأبقى علي ستره_:
نبه جفونك للروض واهجرن كل غمضه
قد نبه الطل منه الجفن الذي كان غضه
من بين ورد كخد الحبيب حاولت عضه
وسوسن قد حكى ليسوالف الغيد بضه
ونرجس منع السهد جفنه أن يغضه
كلون صب تشكىقلى الحبيب وبغضه
ومن بهار يدليجماجما منه غضه
كأنه معرض عنمحدث لم يرضه
كأنه نقر التبر في مداهن فضه
وبعد أبيات دخل إلى المدح، فقال: يعني الروض:
كأنما ضمنت منمعتق المسك محضه
فأشبهت من طباع ابن عامر الندب بعضه
وأنشدني لنفسه أيضا أبو الحسن [بيتين] مرماهما رشيق، ومغزاهما دقيق، في الخيري والنيلوفر، وهما:
كأنما الخيري حب غدا الننيلوفر الغض عليه رقيب
فهو إذا طبق أجفانهبالليل لاقاك بنشر وطيب
وأنشدني أيضا لنفسه وصفا في السوسن والباقلاء حسن التشبيه أبدع وأغرب [فيه وهو]:
ومن سوسن غض النبات كأنهكؤوس لجين لم تشن بنبال
إذا ما بدا فيها الحباب حسبتهاسوالف غيد قلدت بلآل
ونور نبات الباقلاء كأنهشنوف لجين ضمخت بغوال
ولأبي بكر بن نصر وصف أكثر نواوير الربيع في قصيد بديع حسن التشبيهات غريب الصفات مدح به أبي_أبقاه الله لي_فقال يخاطبه [بعد أبيات]:
أسلالة من عامر سلني عن الأنوار تحصل عندك الأنوار
لله نيسان ففيه تم ماقد كان قبل بدا به آذار
أما البقاع فإنها جادت لنابشموس نور بينها أقمار
كالأقحوان بديهة فاسمع لهفي الوصف ما فيه اللبيب يحار
هو ضاحك الأسنان لما أن بكتعين السماء ودمعها مدرار
فتراه يبسم عن ثنايا فضةتبدو إليك لثاتهن نضار
وشقائق النعمان قمص أشبعتفي حمرة فلها بذا إيثار
وكأنها وسط البقاع وقد علتقضبان آس في ذراها نار
وإذا تأملت البهار تأملاأيقنت أن المسك منه معار
قضب الزمرد مورقات فضةولها النضار مخلصا نوار
والنرجس الغض الأنيق يغض ألحاظا مراضا مالها أشفار
مترقرق بحباب طل مثلمابدرت دموع للمحب غراز
واعجب لخيري الرياض فإنماهو بين أنوار الرياض خيار
بالليل للسمار ينشر نشرهلينال ردع نسيمه السمار
فإذا أضاء الصبح أخفى نشرهوتمزقت من دونه الأوطار
والسوسن الفيان صفه فإنهغض تكاد تذيبه الأبصار
وكأنما صرف اللجين برودهمنه شعار لاصق ودثارا
وإذا دنا للأنف من مستنشقفله به من ردعه آثار
وإذا ذكرت الورد فاعلم أنهللنور أجمع في الرياض منار
متدثر بغلائل حمر الحلىتنجاب دون جيوبه الأزرار
طيب لأنفاس النفوس ومنظرللعين إلا أنه غرار
أما وصفه البهار فهو كوصف أبي عمر القسطلي له، ويمكن أن يأخذه أو يوافقه، وقول أبي عمر فيه:
غصون الزمرد قد أورقتلنا فضة نورت بالذهب
وسيأتي في بابه مع أشكاله وأمثاله.
وأنشدني أبو بكر بن نصر وصفا مستحسنا في نواويره [عدة] وأزاهير [جملة] موصولا بمدح ذي الوزارتين القاضي_أيد الله يده، وحصد من حصده_وهو من جملة قصيد مطول:
وقد راقني من يانع النور فاقعوقان وأحوى حالك اللون أسوده
غلائل خيري وأقباء سوسنوقمصان نسرين يروق توقده
وكم سبط للنور يسطع نورهتمر به ريح الصبا فتجعده
إذا الأقحوان الغض أبدى تبسماتبدى من الورد النضير تورده
ويزهى الشقيق العصفري بلونهإذا فاقع الحوذان جاد تولده
وما الخرم الكحلي إلا كأنهمن الحسن طرف جال في الجفن إثمده
ومن نرجس نضر يروقك درهوياقوته السامي به وزبرجده
وكم للربيع نورا منوراتنتجه أيدي الحيا وتولده
كما ولد الإفضال في حمص والندىسليل ابن عباد الجواد
ليعتمد الوراد بحر يمينهفذلك بحر طامح الموج مزبده
قوله: "ومن نرجس" يعني البهار، وصفته على ذلك دالة، وياقوته السامي لو أمكنه أن يذكر لونه فيقول: المصفر أو نحوه لكان أتم إذ ألوان اليواقيت كثيرة لكنه اكتفى بشهرة الموصوف. وهذا للشعراء كثير. ومن اللباب في هذا الباب رسالة كتب بها الوزير أبو حفص أحمد بن محمد بن برد إلى الوزير أبي الوزير بن جهور وصف فيها نواوير خمسة، وغرضه تفصيل الورد بينها وتقديمه عليها بصفات كلها حر الألفاظ، وتشبيهات جميعها حور الألحاظ، والرسالة: "أما بعد يا سيدي ومن أفديه بنفسي، فإنه ذكر بعض أهل الأدب المتقدمين فيه، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه؛ أن صنوفا من الرياحين وأجناسا من أنوار البساتين جمعها في بعض الأزمنة خاطر خطر بنفوسها، وهاجس هجس في ضمائرها، لم يكن بد من التفاوض فيه والتحاور، والتحاكم من أجله والتناصف، وأجمعت على أن ما ثبت في ذلك من العهد ونفذ من الحلف، ماض على من غاب شخصه، ولم يأت منها وقته. فتخيرت من البلاد أطيبها بقعة، وأخصبها نجعة، وأظلها شجرا، وأغضرها زهرا، وأعطرها نفس ريح، وأرقها دمع ندى، ثم أخذت مجالسها وانبرت على مراتبها وقام قائمها فقال: يا معشر الشجر وعامة الزهر، إن اللطيف الخبير الذي خلق المخلوقات، وذرأ البريات باين بين أشكالها وصفاتها، وباعد بين منحها وأعطياتها، فجعل عبدا وملكا وخلق قبيحا وحسنا. فضل بعض على بعضا حتى اعتدل بعدله الكل، واتسق على لطيف قدرته الجميع، وأن لكل واحد منا جمالا في صورته، ورقة في محاسنه، واعتدالا في قده، وعبقا في نسيمه ومائية في ديباجته قد عطفت علينا الأعين، وثنت إلينا الأنفس وأصبت بنا الأكف، وأزهت بمحضرنا المجالس حتى سفرنا بين الأحبة، ووصلنا أسباب القلوب، وتحملنا لطائف الرسائل، وحيينا اللهو، واحتضنا السرور، وأخذنا جعالة البشرى، وأكرمنا بنزل الرفادة، وأسنيت لنا صلة الزيادة، وصيغ فينا القريض، وركبت على محاسننا الأعاريض، فطمح بنا العجب، وازدهانا الكبر، وحملنا تفضيل من فضلنا، وإيثار من آثرنا على نسينا الفكرة في أمرنا، والتمهيد لعواقبنا، والتطييب لأخبارنا، وادعينا الفضل بأسره، والكمال بأجمعه، ولم نعلم أن فينا من له المزية علينا، ومن هو أولى بالرياسة منا، ومن يجب له علينا التحرج ومد اليد بالمبايعة، وإعطاء مجهود المحبة، وبذل ذات النفس، وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا، ولم نرتكض في بحر عمانا، ولم نمل مع نزع هوانا، دنا له، ودعونا إليه، واعترفنا بفضله، وقلنا برياسته، واعتقدنا إمرته، وأصفينا محبته، فمن لقينا منا حياه بالملك ووفاه حق الإمامة، ومن لم يدرك زمن سلطانه، ولم يأت على عدان دولته، اعتقد ما عقد عليه، ولبى إلى ما دعي إليه، فهو الأكرم حسبا، والأشرف زمنا، والأتم خصالا، والذي إذا فقدت عينه لم يفقد أثره، وغاب شخصه ولم يغب عرفه، والطيب إليه كله محتاج، وهو عن كيفه مستغن، وهو أحمر والحمرة لون الدم، والدم صديق الروح، وصيغة الحياة، وهو كالياقوت المنضد في أطباق الزبرجد عليها فرائد العسجد.
وأما الأشعار فبمحاسنه حسنت، وباعتدال جماله وزنت، وإننا ما نعتقد إلهامنا إلى هذه المخمدة، واستنظافنا من دنس تلك المذمة إلا من أجل النعم المقسومة لنا والأيادي المتصلة بنا.
مكان ممن حضر هذا المجلس، وشهد هذا المشهد من مشاهير الأزهار، ورؤساء الأنوار النرجس الأصفر، والبنفسج والبهار والخيري النمام.
فقال النرجس الأصفر: والذي مهد لي حجر الثرى، وأرضعني ثدي الحيا، لقد جئت بها أوضح من لبة الصباح، وأسطع من لسان المصباح، ولقد كنت أسر من التعبد له، والشغف به، والأسف على تعاقب الموت، والرجعة دون لقائه ما أنحل جسمي، ومكن سقمي، وإذ قد أمكن البوح بالشكوى فقد خف ثقل البلوى. ثم قام البنفسج فقال: "على الخبير سقطت" أنا والله المتعبد له، الداعي إليه، المشغوف به كلفا، المغضوض بيد النأي عنه أسفا، وكفى ما بوجهي من ندب وبجسمي من عدم نهوض، ولكن في التأسي بك أنس، وفي الاستواء معك وجدان سلو.
ثم قام البهار فقال:
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهراعدد النجم والحصى والتراب
لا تنظرن إلى غضارة منبتي، ونضارة ورقي، وانظر إلي وقد صرت حدقة باهتة تشير إليه، وعينا شاخصة تندى بكاء عليه:
ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
ثم قام الخيري النمام فقال: والذي أعطاه الفضل دوني، ومد له بالبيعة يميني، ما اجترأت قط إجلالا له، واستحياء منه. على أن أتنفس نهارا، أو أساعد في لذة صديقا أو جار. فلذلك جعلت الليل سترا، واتخذت جوانحه كنا.
فلما رأت استواء آرائها على التفضيل له، واعتدال مذاهبها في الدعاء إليه قالت: إن لنا أصحابا، وأشكالا وأترابا، لا نلتقي بها في زمن، ولا نجاورها في وطن، فهلم فلنكتب بذلك كتابا، ولنعقد به حلفا، ولنضع من شهادتنا ما يحتمل في الأقاصي والأداني عليه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع