من «الأفضليات» لابن الصيرفي (ت ٥٤٢هـ)
من المعاني التي استنبطها المملوك وابتدعها واستخرجها فكره واخترعها
فمن أنشأ فيها شيئا من أدباء الوقت، وشعراء العصر؛ فإنما انتهج قصد المملوك متبعا لدليله، واقتفى أثره محتذيا على تمثيله، وكل من تعرض لذلك - وإن أحسن وأجاد، ورجح وأوفى وزاد - فللملوك مزية البداية، وحرمة الهداية، وماتة الابتكار، وفضيلة يأمن فيها من الدفع والإنكار.
وقد وقع الإجماع على فضل واصل بن عطاء، وكشفه في البلاغة كل حجاب وغطاء، ودل كلامه على القدرة في الفصاحة وبعد الغور واشتهر من أجل لثغته بحذف الراء من لفظه، وهي حرف كثير الدور.
ومن المحكي عنه قوله - وذكر بشاراً وكان يرمى بالزندقة ولهذا قتله المهدي -: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه! فقال: الأعمى، ولم يقل: الضرير، وقال: المكتني بأبي معاذ، ولم يقل: بشاراً ولا ابن برد، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت إليه، ولم يقل: لأرسلت (إليه)، وقال: على مضجعه، ولم يقل على فراشه! ومما قيل فيه:
ويجعل البر قمحا في تصرفهوخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجلهفعاد بالغيث إشفاقا من المطر
ومن اللغز الذي تضمن خبيا وسرا، وأحسن قائله إذ عمى فيه وورى، إلا أن إيراده هاهنا يجعل خافيه ظاهرا، ومبرقعه سافرا قول الشاعر:
ولما رأيت الشيب راء بعارضيتيقنت أن الوصل لي منك واصل
فخص الراء لحفظه المعنى الذي قصده وإحرازه، وأحسن التوصل بواصل إلى تجنيسه وإلغازه.
وللرستمي في الصاحب:
نعم! تجنب: لا يوم العطاء كماتجنب ابن عطاء لثغة الراء
ولما أكثر الناس من تقريظ هذا الفن ووصفه، وادعى قوم أن المتعرض له إنما يخبر عن عجزه وضعفه؛ اعتمد المملوك تأمله وتدبره، واستنجد، فيما يعرب به، رويته وتفكره، فلم ير أن يكون لهذه السبيل مقتفيا، ولم ترض له الخدمة الشريفة أن يلفى في هذا الباب مصليا، فعمل في مولانا شعرا لم تجتنب فيه الراء، وإذا قرأه الألثغ أفاد معنى يزول في استحسانه المراء، وكان في ذلك من الإعجاز أن الصريح والمستعجم، والفصيح والمتلعثم إذا أخذوا ي ذكر أوصاف مولانا لم يشكل اللفظ الذي يوردونه، ولم يستبهم المعنى الذي يؤدونه، ولم يعتذر بأن اللثغة أفسدت المراد ولا حالت دونه، وتساوت في روايتها الآلة الصحيحة والسقيمة، وتماثلت في تلاوتها الألسنة المعوجة والمستقيمة، وأجرى المملوك ذكر هذه الجملة مع محمود ابن القاضي الموفق، إذ كان الإغراب في الصفات الشريفة من مذهبه، والإبداع فيها من بغيته وأربه، فلما رأى هذه الطريقة من أسلوبه وشرطه؛ بالغ في استحسانها وعمل لوقته:
وذات وجهين أتت بدعةغايتها في الحسن لا تبلغ
قافية رائية فيك لايعاب في إنشادها الألثغ
وشفعه بأن قال:
يا ملكا فائض إحسانهفي كل آفاق الدنى سائر
وصفك عندي ذهب خالصنظمي له حيث انتهى صائر
والذي عمله المملوك:
من شاء جمع معال قد خصصت بهاوجاوزت كل حد لم ينل (
وكيف تستطيع أن تحصي فضائلهاوزندك الغر مهما تقتدحه (وري
ثم رأى المملوك أن لا يخلي النثر من هذا النوع الذي تتعب الأفكار في طلبه، وأن يورد فصلا يتوخى فيه ذكر الشيء على ما هو به، فعمل في وصف مالكه ثبت الله قدرته، وأدام سلطانه ودولته: ملك أبان الله إعلاء رايته فازدانت بأوصافها المحافل، وتاه الزمن بمحاسنه فهو عن الإساءة لاه رافل، قد سارت بالألسنة والأفواه مدائحه، وصارت حلى المجامع والأندية منائحه، وأصبح الكافة من ظله في رياض أنيقة، ورامت السماء إحياء للأرض فخدمته بذاك على الحقيقة.
ولما انتهى إلى هذا الحد أمل خاطره عليه من غير روية، ونظم - عفوا - ما يشهد بصحة هذه القضية:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منجلت مفاخره (عن كل إطراء
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس من (نظم وإنشاء
ثم اقتضت فكرته، وأوجبت خدمته أن يجعل هذه القافية على وجوه من الروي، عملا بما رآه منسوبا إلى ابن نباتة والشريف الرضي، لتشترك الحروف في حظ من الشرف واف، وتتبين فضيلة مجيئها متناوبة في قواف. والمنسوب إلى الشريف وابن نباتة:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا المقسم بين الخيل والإبل
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى وشيج من الخطي معتدل
والتعبير الأول:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا المقسم بين الجرد والكوم
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى وشيج من الخطي محطوم
والثاني:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا أخو الحرب والجرد السلاهيب
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى وشيج من الخطي مخضوب
والثالث:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا المقسم بين السرج والكور
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى وشيج من الخطي مكسور
والرابع:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا المصيخ وإن لم يدعه الداعي
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى شويج من الخطي زعزاع
والخامس:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا المقسم بين الجرد والقود
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى وشج من الخطي (
والسادس:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمتهإلا المقسم بين الجرد والنوى
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقهعلى وشيج من الخطي مدقوق
فهذه ستة تغيرات.
والذي صنعه الملوك في البيتين اللذين أوردهما على قافية الهمزة يستوعب الروي فيهما جميع حروف المعجم الثمانية والعشرين، وقوم يجعلونها تسعة وعشرين، فيضيفون إليها الحرف المركب من اللام والألف، ولا يجوز دخول المركب في البسيط، وهي - على مذهب جماعة من المحققين - ثمانية وعشرون حملا على عدة منازل القمر، ولذلك قالوا: إن لام التعريف إنما صارت تدغم في نصف الحروف فتظهر عند نصفها؛ لأن نصف منازل القمر ظاهر أبدا فوق الأرض، ونصفها خاف أبدا عن ظاهر الأرض. وقد بين المملوك ما عمله وهو - قد تقدم ذكر الهمزة -: الباء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منحلت مفاخره في النظم والخطب
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس من مستغرب الأدب
التاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منساس البرية في الماضي وفي الآتي
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يرفع الناس أعقاب المناجاة
الثاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منغدا الدعاء له في الأرض مبثوثا
تغايرت أدوات النطق فيك على الثناء مكتسيا منه وموروثا
الجيم:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منجلت مواهبه عن مطلب الراجي
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف يريك ظلام الحندس الداجي
الحاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منسعت عطاياه عما اعتيد من منح
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس من وصف ومن مدح
الخاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منتطرزت بمعاليه التواريخ
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف به كل ما يعدو منسوخ
الدال:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منجلت أياديه عن وصف وتعديد
تغايرت أدوات النطق فيك علىشكر يضاهي الأيادي غير محدود
الذال:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منأرضى العوامل إمضاء وإنفاذا
تغايرت أدوات النطق في مدحعادت بها أكبد الأعداء أفلاذا
الراء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منأفنى أعاديه لا زال منصورا
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس منظوما ومنثورا
الزاي:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منقامت معاذير من في وصفه عجزا
تغايرت أدوات النطق في مدحما حال من دونها عي ولا حجزا
السين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منأزال أطماع باغي شأوه الياس
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف تنوع في إحسانه الناس
الشين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منساس الأنام فما حابى ولا حاشا
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف يواصله الإنسان ما عاشا
الصاد:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منغالي الثناء بما يأتيه مرتخص
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف له في محل المشتري حصص
الضاد:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منلا يبلغ المدح في استحقاقه غرضا
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس مندوبا ومفترضا
الطاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منيبغي بأفعاله تقوى الإله فقط
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس مما ليس فيه سقط
الظاء:
لما غدوت مليك الأرض أجمعهابالحق إذ كان من يعدوك محظوظا
تغايرت أدوات النطق فيك علىغر المغاني بلفظ ليس ملفوظا
العين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منغدا الملوك له جندا وأتباعا
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس إعرابا وإبداعا
الغين:
لما غدوت مليك الأرض أجمعهاونلت ما لم ينل ملك ولا بلغا
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف تنافس في إحكامه البلغا
الفاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منأعطى، فقال العدا: قد زاد في السرف
تغايرت أدوات النطق فيك علىصفات ما حزت من فخر ومن شرف
القاف:
لما غدوت مليك الأرض أجمعهاوحزت ما جزت فيه كل مخلوق
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف صنيع بديع غير ملحوق
الكاف:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منجلت مفاخره لما غدا ملكا
تغايرت أدوات النطق في مدحوفي دعاء ملأن الأرض والفكا
اللام:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منجلت مفاخره في القول والعمل
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف يقصر عنه منتهى الأمل
الميم:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منغدا به العدل بين الخلق مقسوما
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس منثورا ومنظوما
النون:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منجلت مفاخره في السر والعلن
تغايرت أدوات النطق فيك علىوصف بليغ يحلي عاطل الزمن
الهاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منركن الأعادي بماضي عزمه واه
تغايرت أدوات النطق واتفقتمع التغاير في ذكرى شهنشاه
الواو:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منيزهى به الخلق فيما عاينوا ورووا
تغايرت أدوات النطق فيك علىما يصنع الناس فيما أظهروا ونووا
الياء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل منغدا بمعروفه ميت الرجا حيا
تغايرت أدوات النطق فيك علىمناقب ليس يخشى نشرها طيا
فقد جمع ذلك غاية ما تبلغه عدة التغيير، وعفو ما يقتضيه هذا المغزى من التبيين والتعبير، وهو، وإن كان بعضه يتميز عن بعض، فإنه عاجل اجتهاد المملوك في أداء اللازم الفرض. على أن هذا الغرض المقصود كثير الشعب، والوصول إليه من العزيز العسير الصعب فإن أتى غير معجب فلوعورة مطلبه، وإن أبى إلا جودة فلسعادة من خدم به.
ومن ضروب التعبير التي دعت الاستحسان فلباها، وفخر بها مبدعها وباهى، ما ينشد مرفوعا ومنصوبا كقوله:
إذا طال النهار علي يومادعوت له فقصره رياد
حديث يعجب الحكماء منهويونق حين يسمعه الفؤاد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع