من «المطرب من أشعار أهل المغرب» لابن دحية الكلبي (ت ٦٣٣هـ)
ولادة
وحدثني القاضي العدل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري، بقراءتي عليه بقرطبة أم بلاد الأندلس؛ في العشر الآخر من صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة، قال في كتاب الصلة له:
ولادة بنت المستكفي بالله؛ أمير المؤمنين، محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بت الناصر عبد الرحمن بن محمد المرواني، من بني أمية بأندلسي؛ أديبة شاعرة؛ جزلة القول، حسنة الشعر؛ وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء، وتفوق البرعاء.
سمعت شيخنا أبا عبد الله جعفر بن محمد بن مكي رحمة الله، يصف نباهتها وفصاحتها وحرارة نادرتها وجزالة منطقها وقال لي: لم يكن لها تصاون يطابق شرفها. وذكر لي أنها أتته معزية له في أبية إذ توفي ﵀ سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفيت رحمها الله يوم مقتل الفتح بن محمد بن عباد يوم الأربعاء لليلتين خلتا من صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولم تتزوج قط، وعمرت عمراً طويلاً إلى أيام المعتمد
قال ذو النسبين ﵁: كانت الحسيبة ولادة في زمانها واحدة أوانها، حسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة؛ منتدى احرار المصر، وفناؤها ملعباً لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفزاد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة
منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب، وسمو أحساب؛ على أنها - سمح الله لي ولها، وتغمد زللي وزللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ بقلة مبالاتها، ومجاهرتها للذاتها. كتبت - زعموا - على عاتقي ثوبها:
أَنَا واللهِ أصلُحُ للمعاليِوأمشى مِشيَتِي وأتيهُ تِيهَا
وأُمكُن عاشقي من صَحْن خَدّيوأُعطِى قُبلتي من يَشْتَهيها
وكتبت إلى ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن زيدون المخزومي القرطبي:
ترقَّب إذا جنَّ الظَّلامُ زِيارتيفإني رأيتُ الّليلَ أكَتَم للّسِّر
وبِي مِنك ما لو كان بالبَدْر ما بَداوبالليل ما أدْجَى وبالنَّجم لم يَسْرِ
إلى أن يقول ابن زيدون: وتبنا بليلة نجتني أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا، أنشدتها ارتياحا:
ودَّع الصَّبْر محٌّب ودَّعَكذائِعاً من سرّه ما استودَعكْ
يقَرُع الِّسَّن على أن لَم يكُنزادَ في تِلك الخُطَا إذ شَيَّعَك
يا أخَا البدر سَنَاءً وسَنًىحَفِظَ الله زَماناً أطلَعك
إن يطُل بَعدَك ليَلِى فلَكَمبِتُّ أشكُو قِصَرَ الَّليلِ مَعَك
وله يتعزل فيها:
يا نازحاً وضميرُ القلب مثواهُأنْسَتْك دنياكَ عبداً أنت مولاهُ
ألهْتك عنه فُكاهاتٌ تَلذُّ بهافليس يَجري ببالٍ منك ذِكراه
عَلَّ اللّيالي تُبقِّيني إلى أمدٍالدّهُر يعلم والأيّام معناه
وله فيها:
يا قَمراً مطلعُه المغربُقد ضاقَ بي في حُبِّكَ المذهب
فأنَّ من أعجب مَا مَرَّ بِيأنَّ عَذابي فيك مُسْتَعذب
ألزمْتَنْي الذّنَب الذي جئْتهصَدقتَ فأصفح أيُّها المذنب
وقال:
ما بالُ خَدِّك لا يَزال مُضَرَّجابدمٍ ولحظُك لا يزالُ مُرِيبَا
وقال فيها:
حَلَّيْتني بحُلًى أصبحت زاهيةبها على كِّل أنثى من حُلًى عُطُلِ
لله أخلاقُكِ الغُرُّ التي سُقِيَتْمن الفُرات فرقَّت رِقَّةَ الغَزَل
أشبهِت في الشّعر من غَارَتْ بدائعهوأنْجَدت وغَدَتْ من أحسَنِ المُثل
من كانَ وَالدهُ العضْبَ المهَّنَد لَميَلْد من النَّسل غيَر الْبِيِض والأسَل
النص من طبعة دار العلم للجميع (١٣٧٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع