تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب الالتفات

فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن راداً يرده عليه، أو سائلاً يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه فإما أن يجلي الشك فيه أو يؤكده، أو يذكر سببه كقول الرماح بن ميادة طويل.

فلا صرمه يبدو ففي اليأس راحةولا وصله يبدو لنا فنكارمه

فكأن هذا الشاعر توهم أن قائلاً يقول له: وما تصنع بصرمه، فقال: لأن في اليأس راحة.

وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة، ومثاله من القرآن العزيز قوله تعالى بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: " إياك نعبد وإياك نستعين " وكقوله سبحانه: " إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين " وكقوله

تعالى: " ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم " ومثال ذلك من الشعر قول جرير وافر:

متى كان الخيام بذي طلوحسقيت الغيث أيتها الخيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

أو انصراف المتكلم عن الخطاب إلى الإخبار كقوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة " ومثال ذلك من الشعر قول عنترة كامل:

ولقد نزلت فلا تظني غيرهمني بمنزلة المحب المكرم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة بقوله:

كيف المزار وقد تربع أهلهابعنيزتين وأهلنا بالغيلم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أو انصراف المتكلم من الإخبار إلى التكلم كقوله تعالى: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه أو انصراف المتكلم من التكلم إلى الإخبار كقوله تعالى: " إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز " وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاثة في ثلاثة أبيات متتاليات، وهي قوله:

تطاول ليلك بالأثمدونام الخلي ولم ترقد
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»
وبات وباتت له ليلةكليلة ذي العائر الأرمد
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»
وذلك من نبأ جاءنيوخبرته عن أبي الأسود
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «تطاول ليلك بالأثمد»

فخاطب في البيت الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب.

وفي الالتفات نوع غير النوعين المتقدمين، وهو أن يكون المتكلم آخذاً في معنى فيمر فيه إلى أن يفرغ من التعبير عنه على وجه ما، فيعرض له أنه متى اقتصر على هذا المقدار كان معناه مدخولاً من وجه غير الوجه الذي بنى معناه عليه فيلتفت إلى الكلام، فيزيد فيه ما يخلص معناه من ذلك الدخل، كقول شاعر الحماسة:

فإنك لم تبعد على متعهدبلى كل من تحت التراب بعيد
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة

فإن هذا الشاعر بني معناه على أن المقبور قريب من الحي الذي يريد تعاهده بالزيارة، إذ القبور بأفنية البيوت غالباً، فلما فرغ من العبارة عن معناه الذي قدره على هذا التقدير، عرض له كأن قائلاً يقول له: وأي قرب بين الميت المدفون تحت التراب والحي، فالتفت متلافياً هذا الغلط بقوله:

.................. بلى كل من تحت التراب بعيد

كأن هذا الشاعر بنى معناه على أن المقبور إلى بعد

والفرق بين الاحتراس والالتفات أن الاعتراض والانفصال يكونان في بيت واحد، وفي بيتين، وفي آية، وفي آيتين، والالتفات لا يكونان فيه إلا في بيت واحد وآية واحدة. والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.