تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب الاتفاق

وهو أن تتفق للشاعر واقعة تعلمه العمل في نفسه، فإن للسبق إلى معاني الوقائع التي يشترك الناس في مشاهدتها أو سماعها فضلاً لا يجحد، كما اتفق لبعض شعراء مصر، ويقال إنه الرضى بن أبي حصينة، وقد أغزى الملك الناصر صلاح الدين حاجبه حسام الدين لؤلؤ الإفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، فظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة في تهنئته مخاطباً للإفرنج بسيط

عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنهوالدر في البحر لا يخشى من الغير

ثم قال بعد أبيات مخاطباً للملك الناصر ﵀ بسيط

فأمر حسامك أن يحظى بنحرهمفالدر مذ كان منسوب إلى البحر

وكما قال ابن الساعاتي وقد قصد الملك الناصر ﵀ بيت يعقوب من حصون الشام فقال مخاطباً الإفرنج طويل:

دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف

وكما اتفق لي وقد لقي الملك الأشرف موسى بن أبي بكر بن أيوب بن

عمه الملك الظافر الخضر بن يوسف بن أيوب رحمهم الله تعالى بملتقى الخابور والفرات، فاتفق لي أن قلت طويل:

غدا مجمع البحرين شاطئ فراتناألم تر موسى فيه قد لقى الخضرا

وكما قلت عند اجتماع الملك الأشرف هذا بأخيه الملك الكامل رحمهما الله تعالى بمصر من قصيدة أهنئ فيها مصر بذلك مخبراً عنها طويل:

تقول وموسى قد أتى لمحمدأهل ليلة الإسراء عاد بها الدهر؟!

وكقولي من قطعة هنأت بها فخر الدين عثمان بن قزل رحمه الله تعالى بمولودين جاءاه في ليلة واحدة " مجتث ":

ليهن علياك بدران زينا الخافقين
الآن صرت يقيناعثمان ذا النورين

ومن الاتفاق أن يتفق للشاعر أسماء لممدوحه ولآبائه يمكنه أن يستخرج منها مدحاً لذلك الممدوح، ولو لم تتفق تلك الأسماء على ما هي عليه لما اتفق استخراج ذلك المدح، كقول أبي نواس كامل:

عباس عباس إذا احتدم الوغىوالفضل فضل والربيع ربيع
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ساد الملوك ثلاثة ما منهم»

وقد وقع في هذا البيت مع لطيف الاتفاق مليح الازدواج في قوله:

عباس عباس، والفضل فضلوالربيع ربيع ولأبي نواس

من القسم الأول من الاتفاق ما لم يتفق مثله في مرثية يرثى بها خلفاً الأحمر منسرح:

وكان ممن مضى لنا خلفاًوليس إذ بان منه من خلف

فإنه اتفق له من اسم المرثي تورية حسنت موقع هذا البيت إلى أن أتى في الطبقة العليا والغاية القصوى.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.