تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب حسن الإتباع

أحق بهذا الشعر من باب سلامة الاختراع، ومن الجب كيف ذهب ذلك على الحاتمي مع تقدمه في الأدب وحذقه بالنقد هذا على أننا جعلنا تشبيه الحميري نفس الإمام علي ﵁ بالريح مجازاً، والحقيقة في ذلك غير هذا، لأن لفظ البيت يدل على أنه شبه بإنامة الإمام محاربيه بإنامة الرياح عاداً، فالشاعر إنما شبه إنامة بإنامة، لأنفس المنيم بنفس الريح، ومن اختراعات المحدثين قول ابن الرومي في تشبيه الرقاقة حين يبسطها الخباز في القطعة المشهورة التي أولها بسيط

لا أنس ما أنس خبازاً مررت بهيدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر

إلى قوله:

إلا بمقدار ما تنداح دائرةفي صفحة الماء يرمي فيه بالحجر
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما أنس لا أنس خبازا مررت به»

وإذا وصلت إلى قول ابن حجاج في هذا البيت وصلت إلى الغاية التي لا تلحق، حيث يقول في رئيس كان قريباً من قلبه، بعيداً من رفده طويل:

وإني والمولى الذي أنا عبدهطريفان في أمر له طرفان
بعيداً تراني منه أقرب ما ترىكأني يوم العيد من رمضان

ومتى شئت أن تتلاشى في هذه المعاني عندك قديمها وحديثها فتدبر ما جاء من هذا الباب في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " فانظر إلى غرابة هذا التمثيل الذي يتضمن هذا الإفراط في المبالغة مع كونه جارياً على الحق خارجاً مخرج الصدق، إذا اقتصر فيه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلباً لما تسلبه، وتعجيز كل من دون الله سبحانه كائناً من كان عن خلق مثله، ثم نزل بهم في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هي مما يعجز عن مثلها كل قادر غير الله ﷿ إلى استنقاذ النزر التفه الذي تسلبه الذباب على ضعفها، لأن الظفر بنفسها أيسر من الظفر بما تسلبه، ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول القرآن العزيز، ولم يتناوله متناول كما فعل في أكثر المعاني إلى الآن، ولو تتبع ذلك في الكتاب الكريم لوجد لهذا الموضع أمثال شتى كقول رسول الله ﷺ " حمى الوطيس " و " مات حتف أنفه ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "، " والسعيد من وعظ بغيره " في أشياء كثيرة مما اخترعه النبي ﷺ ولم يتبع فيه إلى الآن.

باب حسن الإتباع

وهو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن إتباعه فيه، بحيث يستحقه بوجه من وجوه الزيادات التي وجب للمتأخر استحقاق معنى المتقدم إما باختصار لفظه، أو قصر وزنه أو عذوبة قافيته وتمكنها، أو تتميم لنقصه، أو تكميل لتمامه، أو تحليته بحلية من البديع يحسن بمثلها النظم، ويوجب الاستحقاق كقول جاهلي في وصف جمل له طويل:

وعود قليل الذنب عاودت ضربهإذا هاد شوقي من معاهدها ذكر
وقلت له ذلفاء ويحك سببتلك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر

فأحسن ابن المعتز ابتاعه في هذا المعنى حيث قال يصف خبله طويل:

وخيل طواها القود حتى كأنهاأنابيب سمر من قنا الخط ذبل
صببنا عليها ظالمين سياطنافطارت بنا أيد سراع وأرجل
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أهاجك أم لا بالدويرة منزل»

فإن ابن المعتز عمد إلى معنى البيتين المتقدمين فعمله في صدر بيته الثاني، وذلك أن حاصل قول الجاهلي في بيته: إن هذا الجمل لا ذنب له. وإنما ضربته مرة بعد أخرى لما هيج لي ذكر معاهد هذه المعشوقة من الشوق، فتوهمت أنه بالضرب يخرج عن حد الاستطاعة، ويأتي من السير بما ليس في الطاقة، وأكد كون هذا العود لا ذنب له بقوله في البيت الثاني:

وقلت له ذلفاء ويحك سببتلك الضرب فاصبر، إن عادتك الصبر

يعني أنك لولا اشتياقي لذلفاء لم تكن محتاجاً إلى الضرب جملة، وأكد هذا التأكيد بكونه شهد له أن عادته الصبر فإن قيل: ظاهر قوله: قليل الذنب يدل على ذنب قليل، ولذلك قال عاودت ضربه أي أنه أذنب فضربته بها ثم لما اشتقت عاودت ضربه، فالضرب الأول، استحقاقاً، والثاني ظلماً.

قلت: لو انفرد البيت الأول من الثاني ساغ هذا التأويل حملاً على الظاهر لكنه، مع انضمامه إلى البيت الثاني لا يسوغ، فإنه قال فيه:

وقلت له ذلفاء ويحك سببتلك الضرب

وآلة التعريف في الضرب للجنس، لأن ذلفاء هي التي سببت لك الضرب أولاً وأخراً، فإنك لولاها ما هاج لي من شوقي لمعاهدها فأذهلني حتى توهمت أن الضرب يخرج بك عن الحد الذي لم تكن محتاجاً إليه، ويدل على صحة ذلك شهادته له بالصبر مطلقاً في كل حال، إذ الألف واللام فيه للجنس أيضاً، وإذا كان صابراً مطلقاً دل صبره على شدة السير ومتابعته يجري ذلك الجري، فلا يقع ضربه إلا ظلماً، وأما قوله: قليل الذنب، فعلى عادة العرب في استعمال هذه اللفظة، وهي تريد مطلق النفي في قولهم: فلان قليل الخير وهم يريدون نفي الخبر عنه كثيره وقليله، وكل هذا حاصل في قول ابن المعتز " صببنا عليها ظالمين سياطنا " فإن قوله: صببنا هو عين قول العرب " عاودت ضربه " وما دل عليه لفظه من كون الضرب كان ظلماً هو عين قول ابن المعتز: ظالمين بلفظ الإيجاز، فحسن البيان في كلام ابن المعتز بخلاف كلام الأول، لأن دلالة اللفظ في كلام ابن المعتز دلالة مطابقة، ودلالة الأول دلالة التزام، ولم يعوز ابن المعتز من معنى الأول إلا التعليل، فإنه ذكر العلة التي لأجلها ضرب جملة ظلماً كما أعوز الأول من معنى ابن المعتز ذكر ثمرة الضرب وفائدته، فإن ابن المعتز لما قال:

صببنا عليها ظالمين سياطنا

قال عقيب ذلك: فطارت، وأدمج في ضمن هذه المبالغة التي هي ثمرة الضرب وصف الخيل بعدوها من موجبات الضرب، وحقق ظلمه لهن أنها لما خرجت من الوحشية إلى الطيرية فقد أحسن ابن المعتز الإتباع غاية الإحسان.

ومن حسن الإتباع اتباع أبي نواس جريراً في قوله " الوافر ":

إذا غضبت عليك بنو تميمحسبت الناس كلهم غضاباً
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

حيث قال ونقل المعنى من الفخر إلى المديح:

ليس لله بمستنكرأن يجمع العالم في واحد

فزاد على جرير زيادات: منها أن جريراً أخرج كلامه مخرج الظن حيث قال: حسبت وإن كانت قد تقع بمعنى العلم خرجت المبالغة إلى حد الغلو، وعيب الكلام بما هو أشد من التقصير.

ومنها أن جريراً لم يذكر من العالم سوى نوع الإنسان، وأبو نواس زاد على جرير بما يتضمنه ذكر العالم من الملائكة والجن والأفلاك وكل موجود سوى الله سبحانه، وأخرج كلامه مخرج الإسجال، بثبوت دعواه في هذا الممدوح بتعظيم قدرة الله تعالى على الإتيان بهذا الخارق الذي لا يقدر عليه غيره، واتبع أبا نواس في هذا المعنى الوزير المغربي فقال بسيط

حتى إذا ما أراد الله يسعدنيرأيته فرأيت الناس في رجل
للشاعر ابن هانئ الأندلسي، من قصيدة «قد أدبر الليل عنا فا حد بالإبل»

فإن الوزير أحسن إتباعه لأبي نواس بما وقع له من الزيادات، منها الإيجاز، فإنه عمل معنى عجز بيت أبي نواس في بعض عجز بيته، فنقله من ثمانية عشر حرفاً إلى أربعة عشر حرفاً، والتعليل في كونه جعل العلة في إسعاده رؤية هذا الممدوح، وجعل ذلك مراد الله سبحانه ليحقق

مدحه بتحقيق وقوعه، وإن كان قد قصر عن أبي نواس في كونه اقتصر من العالم على ذكر الناس، كما فعل جرير، فقد جبر ذلك الوهن بما زاد من المبالغة في المدح فإنه جعل ممدوحه ابتداء سعادته ونقص من اللفظ. على أن ذكر الناس في بيتي جرير والوزير ملائم لذكر جرير بني تميم وذكر الوزير لفظة رجل، ولو لم يكن بيت أبي نواس أخصر وزناً من بيت جرير لكادا يتساويان.

ومن أحسن ما سمعت في حسن الإتباع إتباع منصور الفقيه المصري رحمه الله تعالى عنترة في قوله كامل:

إني أمرؤ من خير عبس منصباشطري، وأحمي سائري بالمنصل
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طال الثواء على رسوم المنزل»

فإن الفقيه قال في شريف سبه وكان شريفاً من جهة أبيه دون أمه " مجتث ":

من فاتني بأبيهولم يفتني بأمه
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
ورام شتمي ظلماًسكت عن نصف شتمه
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

فإن هذا الفقيه رحمه الله تعالى أحسن غاية الإحسان من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به بيت من تام الكامل، المركب من اثنين وأربعين حرفاً في بيت من المجتث مركب من ستة وعشرين حرفاً.

والمطابقة المعنوية حيث قال بأبيه وأمه، فإنه طابق في ذلك بين الذكر والأنثى.

هذا وبيته الذي أتى فيه على معنى غيره وزاد ما أبديناه من الزيادة بيت توطئه، كبيت وقع فيه من الإغراب والطرفة ما لم يقع في مثله، وهو قوله:

سكت عن نصف شتمه

ومن هذا الباب قول ابن الرومي طويل:

تخذتكم درعاً حصيناً لتدفعوانبال العدا عني فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصرعلى حين خذلان اليمين شمالها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا»
فإن أنتم لم تحفظوا لمودتيذماماً فكونوا لا عليها ولا لها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا»
قفوا وقفة المعذور عني بمعزلوخلوا نبالي للعدا ونبالها

فاتبعه ابن سنان الخفاجي الحلبي فقال كامل:

أعددتكم لدفاع كل ملمةعوناً فكنتم عون كل ملمة
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «قد قلت للنفس الشعاع أضمها»
وتخذتكم لي جنة فكأنمانظر العدو مقاتلي من جنتي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «قد قلت للنفس الشعاع أضمها»
فلأنفضن يدي يأساً منكمنفض الأنامل من تراب الميت

وألطف ما قيل في هذا المعنى قول القائل وافر:

وإخوان تخذتهمو دروعاًفكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائباتفكانوها ولكن في فؤادي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وإخوان تخذتهم دروعا»
وقالوا قد صفت منا قلوبلقد صدقوا ولكن من ودادي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «وإخوان تخذتهم دروعا»

وقد تقدمت هذه الأبيات، وإنما أتيت بها هاهنا ليظهر لطفها بالنسبة إلى ما تقدمها في معناها.

ومن مليح حسن الإتباع ما وقع بي ابن الرومي وبين أبي حية النميري فيما قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل:

تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة عطرات
يخمرن أطراف البنان من التقىويبرزن شطر الليل معتجرات
فهن اللواتي إن برزن قتلننيوإن غبن قطعن الحشا حسرات

والبيت الأخير أردت، فإن ابن الرومي اتبعه فيه فقال وأتى بمعنى البيت كاملاً في نصف بيت: كامل:

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعهن أليم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قلبي من الطرفِ السقيم سقيم»

وغير السعيد ابن سناء الملك ﵀ من وجوه قائلي هذا المعنى قديماً وحديثاً حيث قال طويل:

إذا هجرتني شيبتني بهجرهاوإن واصلتني شيبتني بطيبها
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «ألا فاعجبوا من هجرها لحبيبها»

ومن محاسن هذا الباب أيضاً إتباع المعري أبا عبادة البحتري في قوله كامل:

أخجلتني بندى يديك فسودتما بيننا تلك اليد البيضاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمَوَاهِبٌ هَاتِيكَ أمْ أنْوَاءُ»
صلة غدت في الناس وهي قطيعةعجب وبر راح وهو جفاء
للشاعر البحتري، من قصيدة «أمَوَاهِبٌ هَاتِيكَ أمْ أنْوَاءُ»

فقال المعري بسيط

لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»

لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر الصحيح، وعوض عما فاته من بديع الألفاظ مثل المطابقة المقابلة بالتجنيس والتمثيل، ففي بيت أبي عابدة من الإغراب والطرفة معنى لم يفت أبا العلاء، فإن كون الصلة بعينها قطيعة، والبر بنفسه جفاء، من الغريب الظريف، ولا جرم أنه أتى بذكر التعجب من ذلك، وكذلك طلب الاختصار من الإنسان، وجعل ما هو من أقوى أسباب الزيادة سببا في قطع الزيادة من الغريب الطريف أيضاً، وإذا نظرت إلى ما في بيت المعري من كونه يسد في التمثيل به مسد البيتين مع إيضاح معناه وما فيه من حسن البيان، وكون ما فيه من التجنيس والتصدير ليكون صلة بين المعنى والزيادة، وأساً لقافيته المستجادة، ثبت الفضل لبيت المعري.

ولقد أحسن البحتري في إتباع الحزين الكناني في قوله بسيط

يغضي حياء ويغضي من مهابتهفما يكلم إلا حين يبتسم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

فإن البحتري قال بسيط

إن أطرق استوحشت للخوف أفئدةويملأ الأرض من أنس إذا ابتسما
للشاعر البحتري، من قصيدة «بِالله أَولَى يَمِيناً بَرّةً، قَسَمَا»

ومن حسن الإتباع اتباع ابن المعتز بشار في قول بشار طويل:

كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

فإن ابن المعتز قال: طويل:

إذا شئت أوقرت البلاد حوافراوسارت ورائي هاشم ونزار
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شجتك لهند دمنة وديار»
وعم السماء النقع حتى كأنهدخان وأطراف الرماح شرار
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «شجتك لهند دمنة وديار»

فإن بشاراً قال فوق رءوسنا والليل لا يخص رءوسهم لعموم ظلمته الآفاق، وابن المعتز تخلص من هذا الدخل بقوله: وعم السماء النقع دليل على كثرة الجيش وانتشاره، ولذلك قال في بيت التوطئة: أوقرت البلاد حوافراً، وكان مثل هذا لائقاً به لمكانه من الملك.

ومن حسن الإتباع إتباعي ابن الرومي في قوله بسيط

سد السداد فمى عما يريبكملكن فم الحال مني غير مسدود
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن الوزيرين سمعا من أخي طلب»

فإني اتبعته في هذا المعنى فقلت كامل:

هبني سكت أما لسان ضرورتيأهجى لكل مقصر عن منطقي

فإن بيت ابن الرومي وقع فيه من المحاسن أربعة عشر ضرباً، وهي التجنيس في قوله سد السداد، والتفسير في قوله عما يريبكم، والاستدراك

في قوله: لكن وما بعدها، والاستعارة في قوله: فم الحال، والتصدير فيما بين القافية وأول البيت، والتمثيل، فإن البيت خرج مخرج المثل، والمساواة، لأن لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف، لأن كل لفظة من مفردات ألفاظه لا يصلح مكانها غيرها، والإرداف في قوله: لكن فم الحال، العجز كله: فإنه أراد أن يقول: سوء حالي ينطق بذمكم، فعبر عن المعنى بلفظ هو ردفه حيث قال:

لكن فم الحال مني غير مسدود

فراراً من التصريح بالذم والافتنان لأنه أشار إلى فن الفخر بوصف نفسه بالسداد، والبيت من فن العتاب، والتعليق لأن فن الفخر متعلق بفن العتاب، والإدماج لأن الإشارة فيه مندمجة في التفسير في قوله: عما يريبكم، لأن كل ما يريب لو عدد بلفظه الموضوع له لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة، والتعطف في ذكر الفم في صدر البيت مع ذكره في عجزه، والتهذيب لمجيء جملة صدره على ترتيب الوضع اللغوي البليغ، من تقديم الفعل على الفاعل، وتقديم الفاعل على المفعول، وتقديم المفعول الذي تعدى الفعل بنفسه إليه على الفعل الذي تعدى إليه بالحرف، وكذلك رتب العجز من تقديم حرف الاستدراك على الجملة الابتدائية، وتقديم المبتدإ على الخبر.

واتفق في بيتي سبعة عشر ضرباً من البديع، وهي المطابقة في السكوت النطق، واستعارة اللسان للضرورة، والمبالغة في قولي: أهجى والتكميل

في قولي: لكل مقصر، والتفسير في قولي: من منطقي، والتمكين من أجل أن القافية مستقرة في مكانها، والمساواة في كون لفظ البيت طبق معناه، والائتلاف في أن كل لفظة لا يقوم غيرها مقامها، والإيجاز في تفاصيل البيت وجملته بالنسبة إلى البيت الذي قبله، فإن قولي هبني سكت أوجز من قول ابن الرومي: سد السداد فمى، لأن ملخص كلامي سكت، وملخص كلامه: سد فمي. وقولي: لسان ضرورتي، أوجز من قوله فم الحال مني، وقولي: أهجي، أوجز من قوله غير مسدود، فهذا إيجاز تفاصيل البيت، وأما إيجاز جملته فلأن حروف بيتي اثنان وأربعون حرفاً، وبيت ابن الرومي خمسة وأربعون حرفاً، مع أنهما قد استويا في عدة المتحركات، إذ كل بيت منهما سبعة وعشرون متحركاً والانسجام بالنسبة، لأن بيتي جاء عرياً عن الكلفة بخلاف بيته، والإيضاح لأن المعنى المراد في ألفاظ بيتي أشد وضوحاً من معناه، فإن بيتي لا يفتقر في دلالته على معناه لشيء مقدر بخلاف بيته، ومفردات ألفاظي أشد وضوحاً لمعانيها من مفردات بيته، لأن قولي: أهجى، أدل على معنى الهجاء بظاهره من قوله: عما يريبكم، وكلا البيتين المراد به التهديد بصريح الهجاء نطقاً دون هيئة، وفي قولي هبني سكت، إشارة إلى أني لا أسكت، ثم قلت على حكم التنزل الجدلي: وهبني سكت أيسكت لسان ضرورتي؟ وفي قول ابن الرومي:

سد السداد فمى عما يريبكم

إسجال على نفسه بالسكوت عن هجوهم، وهذا غير مراده الذي أراده من التهديد، وإذا وضح معنى الكلام هذا الوضوح في لفظ قد انتخبت

مفرداته وحسن تركيبه وسهل فهمه، كان موصوفاً بحسن البيان دون غيره، ومنعوتاً بالتهذيب دون سواه، وإذا استوى البيتان في المعنى وكان أحدهما أخصر وزناً وأبلغ معنى وكانت محاسنه أكثر، وعرى مما وقع في أخيه من العيوب، كان قائل موصوفاً بحسن الإتباع، وبيتي كذلك، لا سيما وقد وقع فيه مع هذا الإبداع، وهو تضمن كل لفظة بديعاً أو بديعين، مثل تضمن هبني سكت، الترشيح للاستعارة التي في لسان ضرورتي، وفيها بعدها الضرب الجدلي الذي سماه أهل الصناعة المذهب الكلامي، وفي الضرب تفسير وتمكين، وفي جملة البيت ما تقدم، فحصل في البيت سبعة عشر ضرباً من البديع قد تقدم ذكرها مفصلة، وسياقها جملة: المطابقة، المذهب الكلامي، الترشيح، الاستعارة، المبالغة، التكميل، التفسير، التمكين، المساواة، الائتلاف، الإيجاز، الإيضاح، حسن البيان، الإبداع، التهذيب، الانسجام، حسن الإتباع، ففضل بيتي بيت ابن الرومي بثلاثة أضرب من البديع، وخلوه من العيب الذي بسببه امتنع به أن يوصف بالانسجام.

ومن حسن الإتباع إتباع الأخطل النابغة الذبياني في قوله طويل:

فإنك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

فقال طويل:

وإن أمير المؤمنين وفعلهلكالدهر لا عار بما صنع الدهر

فهذا من الإتباع الذي ليس بحسن، وإنما ذكرته في هذا الباب لأذكر بعده الإتباع الحسن فيبين فضله:

والضد يظهر حسنه الضد

ومنه قول علي بن جبلة طويل:

وما لامرئ حاولته منك مهربولو رفعته في السماء المطالع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة
بلى هارب لا يهتدي لمكانهظلام ولا ضوء من الصبح ساطع
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فإني رأيت أكثر العلماء رجحوا هذا البيت على بيت النابغة، وفي الشعرين عندي بحث يضيق عنه هذا المكان، ومثل هذا المعنى قول سلم الخاسر بسيط

فأنت كالدهر مبتوتاً حبائلهوالدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفهافي كل ناحية ما فاتك الطلب
للشاعر سلم الخاسر، من قصيدة «إني أتتني عن المهدي معتبة»

وتناوله البحتري فقال: كامل:

ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكنينجيهم من خوف بأسك مهرب

وكل هذه المعاني متلاشية في جنب قول الله تعالى: " يا معشر الجن الإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " وقد جاء من ذلك في السنة النبوية قول رسول الله ﷺ: " نصرت بالرعب، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلن هذا الدين على ما دخل عليه الليل ".

ومن حسن الإتباع إتباع نصيب الأعشى في قول الأعشى طويل:

وإن عتاق العيس سوف تزوركمثناء على أعجازهن معلق

فقال نصيب طويل:

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

ومنه ابتاع أبي تمام عنترة في قول عنترة كامل:

فازور من وقع القنا بلبانهوشكا إلي بعبرة وتحمحم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

فقال: أعني أبا تمام بسيط

لو يعلم الركن من قد جاء يلثمهلخر يلثم منه موطئ القدم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا سائلي أين حلّ الجود و الكرم»

وابتعه البحتري فقال كامل:

ولو أن مشتاقاً تكلف فوق مافي وسعه لسعى إليك المنبر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «جادت ضريحك يا خطيب غمامة»

واتبعه المتنبي فقال: كامل:

لو تعقل الشجر التي قابلتهامدت محيية إليك الأغصنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

وكل هذا من قوله تعالى: " يوم نقول لجهنم هل امتلأت " الآية، وقوله سبحانه: " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها " الآية وقوله ﷿: " تكاد تميز من الغيظ "، والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.