تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب النوادر

وهو الذي سماه قدامة قديماً الإغراب والطرفة، ولم يفرد له باباً في المحاسن فاذكره في أبوابه، وسماه من بعده التطريف، وسماه قوم النوادر، وقوم أبقوا عليه تسمية قدامة، وأفردوه باباً، فتبعتهم في ذلك، وأتيت به، وهو آخر أبواب من تقدمني من جميع الناس في غالب ظني وهو أن يأتي الشاعر بمعنى غريب لقلته في كلام الناس وليس من شرطه على رأي قدامة فيه غير ذلك وقال: لا يكون في المعنى إغراب إلا إذا لم يسمع مثله، والاشتقاق يعضد التفسير الثاني، والشواهد تعضد تفسير قدامة، لأن شواهد الباب وقع فيها ما يجوز أن يكون قائله لم يسبق إليه، وما يجوز أن يكون قد سبق إليه على قلته، واستدل قدامة على مراده بقول الناس: ورد طريف غريب، إذا جاء في غير وقته، أما كونه لم يرقط فهذا محال، وإنما المراد لم يوجد مثله في ذلك الزمان.

ومن أمثلته للأوائل مدح زهير للفقراء والأغنياء معاً فإنه غريب، إذ

العادة جارية بمدح الأغنياء غالباً، لأنه يقال: ما سمع قط مدح فقير حتى قال طويل:

على مكثريهم حق من يعتريهموعند المقلين السماحة والبذل

ومن الغريب الطريف قول أبي تمام كامل:

لا تنكروا ضربي له من دونهمثلاً شروداً في الندى والباس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»
فالله قد ضرب الأقل لنورهمثلاً من المشكاة والنبراس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

ومن الغريب الطريف أيضاً قول دريد طويل:

ولم أدر من ألقى عليه رداءهعلى أنه قد سل من ماجد محض
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ولم أدر من ألقى عليه ردائه»

فإنه ما سمع من مدح من لا يعرفه قبله، وتبعه أبو نواس في ذلك فقال في القطعة التي أولها طويل:

ودار ندامى عطلوها وأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
مساحب من جر الزقاق على الثرىوأضغاث ريحان جني ويابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
حبست بها صحبي فجددت عهدهموإني على أمثال تلك لحابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
ولم أدر منهم غير ما شهدت بهبشرقي ساباط الديار البسابس

ومن الإغراب اللطيف قول القائل كامل:

عرض المشيب بعارضيه فأعرضواوتقوضت خيم الشباب فقوضوا
إن كان في الليل البهيم تبسطواخفراً وفي الصبح المنير تقبضوا
ولقد سمعت وما سمعت بمثلهابيتا غراب البين فيه أبيض

ومن لطيف الإغراب وطريفه قول بعضهم " البسيط ":

ظلت تبشرني عيني إذا اختلجتبأن أراك وقد كنا على حذر
فقلت للعين أما كنت صادقةإني ببشراك لي من أسعد البشر
فما جزاؤك عندي لست أعرفهبلى جزاؤك أن أحبوك بالنظر
وأستر المقلة الأخرى فأحجبهاعن أن تراك كما لم تأت بالخبر

ومن الإغراب قسم آخر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى متداول معروف ليس بغريب في بابه فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى المعروف غريباً طريفاً، وينفرد به دون كل من نطق بذلك المعنى، وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر متداول معروف، فلما أراد أبو تمام ارتكاب هذا المعنى، وفطن إلى أنه قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله تحيل له في زيادة طريفة لم تقع لغيره يصير بها المعنى غريباً بعد أن كان معروفاً، فقال طويل:

فردت علينا الشمس والليل راغمبشمس لهم من جانب الخدر تطلع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»
فوالله ما أدري أأحلام نائمألمت بنا أم كان في الركب يوشع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أما إنه لولا الخليط المودع»

فإن حاصل كلامه تشبيه المرأة الموصوفة بالشمس، لكن التشكيك الذي أدخله في كلامه وذكر يوشع بعد إغرابه في التوطئة بإخباره بان هذه المرأة ردت بها الشمس برغم الليل، نقل المعنى من المعرفة إلى الغرابة، فلا جزم أنه استحقه بذلك دون كل من تناوله، ودون المبتدئ به ومن هذا القسم قول المتنبي بسيط

يطمع الطير فيهم طول أكلهمحتى تكاد على أحيائهم تقع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «غيري بأكثر هذا الناس ينخدع»

فإنه عمد إلى المعنى المعروف في هذا الفن من كون الطير تقع على القتلى وتتبع الجيوش ثقة بالشبع، فتجاوز بزيادة المبالغة المستحسنة إلى ما قال، والذي حسن البيت جداً إتيانه فيه بلفظة " تكاد " فإنها قلبت المستحيل ممكناً، فساغت المبالغة، وحصل له ما أراد من الإغراب والطرفة.

ومن الإغراب أيضاً قول ابن شرف القيرواني كامل:

غيري جنى وأنا المعاقب فيكمفكأنني سبابة المتندم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

لو لم يبغضه عنده ابن رشيق حين أنشده إياه وقال: هل سمعت بهذا المعنى؟ فقال: سمعته وأخذته أنت أفسدته، فقال: ممن؟ فقال: من النابغة الذبياني حيث قال:

وكلفتني ذنب امرئ وتركتهكذى العرى يكوي غيره وهو راتع

فأما إفساده فلأنك قلت في صدر بيتك إنك عوقبت بجناية غيرك، ولم تعاقب صاحب الجناية. ثم قلت في عجز بيتك: إن صاحب الجناية قد شركك في العقوبة: فناقض معناك، وذلك أنك شبهت نفسك بسبابة المتندم، وسبابة المتندم أول شيء يتألم في المتندم، ثم يشركها المتندم في الألم فإنه متى تألم عضو من الحيوان تألم كله لأن المدرك من كل مدرك حقيقته، وحقيقته على المذهب الصحيح هي جملته المشاهدة منه، والمكوى من الإبل: يألم وما به عر البتة، وصاحب العر لا يألم جملة، فمن هاهنا أخذت المعنى وأفسدته، غير أن ابن شرف هذا له في هذا الباب ما لا يلحق، وهو قوله " رمل ":

قلم قلم أظفار العداوهو كالإصبع مقصوص الظفر
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
أشبه الحية حتى أنهكلما عمر في الأيدي قصر
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

والبيت الثاني أردت، وأما الأول فهو من باب الإغراب في البرد لأنه لا نكاية للعدى في تقليم أظفارهم، بل ذلك مما يحسن صورهم، ويزداد به نشاطهم، ويماط به الأذى عنهم عند تناول الطعام والشراب، وتقبل بذلك النفوس عليهم، ولا يقال: إنه أراد بالأظفار السلاح، فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلم، إذ ليس في الكلام ما يشعر بهذه الاستعارة

ومما يفسد هذا التأويل قوله: كالإصبع، فإنه ذكر الإصبع، والمراد به ظاهر اللفظ فإنه يدل على أن الظفر على ظاهره إلا أن يتأول الإصبع، وأما تشبيه القلم بالإصبع فهو تشبيه يسلبه جميع المنافع والمضار، فإن الإصبع الواحدة على انفرادها قلما تعمل عملاً، وإن عملت عملاً كان غير متقن وكانت غير متمكنة منه، فلا معنى لها على انفرادها، وأنت ترى من ولد خداجاً ليس في كفه إلا إصبع واحدة غير منتفع بيده، ويشاهد ما بها من القبح، ولا يكون للإصبع جمال إلا مع انضمامها إلى أخواتها، واستعارة قصر الظفر له من أبرد الاستعارات، إلا أنه كفر بحسنات البيت الثاني سيئات البيت الأول أن الحسنات يذهبن السيئات وقد أتى أيضاً في هذا الباب بما هو أحسن من الأول وهو قوله بسيط

أغنيتني عن جميع الناس كلهمولم أجد مغنياً من سائر البشر
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
كالحمد تجزي المصلى حين يقرأهاوليس يغنيه عنها سائر السور
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

هذا على مذهب الجمهور، فإنه مذهب مالك والشافعي وأحمد، إلا أبا حنيفة وصاحب الشعر مالكي، إذ هو مذهب أهل المغرب ولابن رشيق في هذا الباب ما لا يشق غباره وهو قوله " رجز ":

كأنما الصبح الذي تفراضم إلى الشرق النجوم الزهرا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

فاختلطت فيه فصارت فجرا

وقوله أيضاً متقارب:

وما ثقلت كبراً وطأتيولكن جررت ورائي السنينا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «إذا ما خففت كعهد الصبا»

وقد رأيت الحجاري صاحب الحديقة وصاحب المسهب في أخبار أهل المغرب سمى هذا الباب في الحديقة مناقلة، وفسره بأن قال: هو من مناقلة الخيل، وهي وضع الفرس في الوعر يده موضع رجله مخالفاً لمشيته المعتادة، وأنشد فيه قول ابن الرومي سريع:

تستغفر الناس بأيديهموهن يستغفرن بالأرجل
فيا له من عمل صالحيرفع الله إلى أسفل

فأغرب بمخالفة العادة. حيث ذكر أن هذه النسوة يفعلن بالأرجل ما يفعله الناس بالأيدي، والارتفاع إلى الأسفل من أغرب الغريب.

ومن نوادر الإغراب قول الأرجاني كامل:

شعري إذا ما قيل يرويه الورىبالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قنن الجبال إذا بداللسمع هاج تجاوب الأصداء

ومن مليح هذا الباب قول بعضهم طويل:

تواضع كالنجم استبان لناظرعلى صفحات الماء وهو رفيع
ومن دونه يسمو إلى النجم صاعداًسمو دخان النار وهو وضيع

ومن الإغراب نوع يغرب المتكلم فيه بأن يخرج معنى المدح في لفظ

الغزل، فيأتي المدح هزازاً للمعاطف من الطرب، يكاد يؤكل بالضمير ويشرب، كقول أبي تمام في صفة عمورية بسيط

ما ربع مية معموراً يطيف بهغيلان أبهى ربا من ربعها الخرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»
ولا الحدود وإن أدمين من خجلأشهى إلى ناظري من خدها الترب
سماحة غنيت منا العيون بهاعن كل حسن بدا أو منظر عجب
وحسن منقلب تبقى عواقبهجاءت بشاشته من سوء منقلب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «السيف أصدق أنباء من الكتب»

وكقول ابن سنان الخفاجي كامل:

صبحتهم باللاذقية فالتقىبحران ماء راكد وعتاق
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
سبق الظلام لها فعضت ورودهاتبعاً وأنت لمثلها سباق
حتى إذاً متع الضحى وتمارت ال؟أبصار أيكما له الإشراق
غادرتها دمنا على أطلالهايبكي الخليط وتذكر الأشواق
للشاعر ابن سنان الخفاجي، اقرأ القصيدة
وسننت دين قراك في عرصاتهافالنار تضرم والدماء تراق

والبيت الرابع أردت، وإنما ذكرت ما قبله وما بعده لارتباطه بذلك، ولما في المجموع من كمال حسن المعنى، دون انفراد أحد الأبيات وما رأيت في عصرنا أغرب معان من القاضي السعيد بن سناء الملك ﵀.

ومن غرائب معانيه قوله في عمياء تظرفا سريع:

شمس بغير الليل لم تحتجبوما سوى العينين لم تكسف
بغمده المرهف لكنهاتقتل بالغمد بلا مرهف
أبصرت منها الخلد في جؤذرومقلتي يعقوب في يوسف

وقوله كامل:

ومع المشيب فبعد عندي صبوةيبلى القميص وفيه عرف المندل
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «رجع الغرام إلى الحبيب الأول»
؟ أنا جد أنصار النبي لأننييا أشهل العينين عبد الأشهل
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «رجع الغرام إلى الحبيب الأول»

وكقوله طويل:

فلا تنكروا منها الخضاب فإنهاهي الغصن في أطراف الورق الخضر

وكقوله طويل:

عليك زكاة فاجعليها وصالنالأنك في العشرين وهي نصاب
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «عسى أن يسر السائرين إياب»

وكقوله في صبي مستحسن ضرب وحبس طويل:

بنفسي الذي لم تضربوه لريبةولكن ليبدو الورد في سائر الغصن
وقالوا له شاركت في الحسن يوسفاًفشاركه أيضاً في الدخول إلى السجن
للشاعر ابن سناء الملك، اقرأ القصيدة

وغرائب معانيه لو استقصيت لخرجنا بها عن الغرض المطلوب من الكتاب.

ومما وقع لي من باب الإغراب والطرفة قولي طويل:

أراني لا ينفك نجمي هابطاًتراه يراه ربنا حسب الرجم
حنتني الليالي فاغتديت كأننيأفتش دهري في التراب على نجمي
فصرت إذا قوساً وعقلي رامياًورامي الذي أصمى الرمايا به سهمي

وقولي طويل:

تحلمنا الأيام وهي سفيهةفيهدي إلينا برها من عقوقها
وتهدي الدراري وهي من حيرة ترىوقد رجعت من مستقيم طريقها
كما تحدث الطيش الطلى من سكونهافتغرب شمس العقل عند شروقها

ومن الإغراب والطرفة نوع لا يكون الإغراب فيه في ظاهر لفظه، بل في تأويله، وهو الذي إذا حمل على ظاهره كان الكلام به معيباً جداً وإذا تؤول رده التأويل إلى نمط الكلام الفصيح، وأميط من ظاهره حدث العيب، فيكون التأويل هو الموصوف بالإغراب لا الظاهر، وذلك كقوله: " حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين " فإنهم أمسوا كما أصبحوا، فتكون لفظة فأصبحوا حشوا لا فائدة فيه، ومثل هذا يتحاشى عنه نظم القرآن، فإنك إذا قلت أصبح العسل حلواً وهو قد أمسى كذلك، كان قولك أصبح حشاً، لكن لما كان الأشقياء حالهم حال المرضى، وكان المريض تشتد عليه

الآلام في الليل، وتخف في النهار، فتكون حاله عند الصباح صالحة بالنسبة إلى حاله بالليل، إلا المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يصبح كما أمسى، فإذا أصبح كذلك يئس من فلاحه، ولما أشبهت حال هؤلاء الأشقياء حال المريض الذي قد تيقن هلاكه، أخبر عنهم بأنهم أصبحوا كما أمسوا خاسرين، وعلى هذا تكون لفظة أصبحوا قد تضمنت معنى أخرجها عن كونها حشواً، ورد الكلام الذي جاءت فيه إلى حده من الفصاحة، فعد التأويل الذي فعل بها ذلك غريباً طريفاً، والله أعلم.

هذا آخر أبواب المتقدمين، وقد بقيت أبواب الأجدابي الثلاثة التي أولها:

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.