من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)
باب الالتزام
وهو أن يلتزم الناثر في نثره، أو الشاعر في شعره، قبل روي البيت من الشعر حرفاً فصاعداً على قدر قوته، وبحسب طاقته، مشروطاً بعدم الكلفة وقد جاء من ذلك في الكتاب العزيز مواضع رائعة الحسن، كقوله تعالى: " والطور وكتاب مسطور " وقوله سبحانه: " فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس " وقوله تعالى: " والليل وما وسق والقمر إذا اتسق " وقوله ﷿ " فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر " وقوله تعالى: " أمرنا مترفيها ففسقوا فيها " وقوله عز من قائل: " ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون " وقوله جلت قدرته: " فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون " وقوله ﷻ " كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق
وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق، إلى ربك يومئذ المساق " وقوله ﷿: " لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا " وأشياء كثيرة من فواصل القرآن العزيز تعجز الفصحاء أشد تعجيز وقد جاء في السنة من ذلك قول الرسول ﷺ في حديث أم زرع حكاية عن الأولى من النسوة قولها: " لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وقول أم زرع في صفة حالها مع أبي زرع: فعنده أنام فأتصبح، وأقول فلا أقبح " وقولها في صفة الخادم " لا تقش طعامنا تقشيشاً ولا تملأ بيتنا تعشيشاً، ولا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً "، هذه رواية، وليست من أمثلة هذا الباب، والرواية الأخرى التي من أمثلة الباب تتمة القرائن الشينية، وهي قولها: ولا تخرج حديثنا تعشيشاً. وقولها أعني أم زرع: " فتزوجت بعده رجلاً سرياً، ركب فرساً شريا، وأراح على نغماً ثريا "، وكقول السادسة منهن: " إن أكل اقف وإن شرب اشتف وإن رقد التف "، وكقول الثامنة: " المس مس أرنب، والريح ريح زرنب "، ومن هذا الباب في الشعر قول امرئ القيس طويل:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعفألهيتها عن ذي تمائم محول
إذا ما بكى من خلفها انحرفت لهبشق وتحتي شقها لم يحول
وقد أكثر المتأخرون من هذا الباب قاصدين عمله، وما وقع منه لمتقدم فغير مقصود، حتى عمل المعري من ذلك ديواناً كاملاً مفرداً من ديوان شعره المعروف بسقط الزند، ومنه قوله طويل:
لك الحمد أمواه البلاد بأسرهاعذاب وخصت بالملوحة زمزم
هو الحظ غير الوحش يستاف أنفهخزامى وأنف العود بالعود يخزم
وكقول بعضهم بسيط
سلم على قطن إن كنت نازلهسلام من كان يهوى مرة قطنا
أحبه والذي أرسى قواعدهحباً إذا ظهرت آياته بطنا
ما من غريب وإن أبدى تجلدهإلا تذكر عند الغربة الوطنا
ومن مليح ما جاء في الالتزام قول أبي نواس كامل:
وأما وزند أبي علي إنهزند إذا استوريت سهل قدحكا
إني لتأبى الصنع عالي همتيمن غيركم وتعاف إلا مدحكا
النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع