من «بلوغ الأمل في فن الزجل» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)
الفن الأول والثاني: الزجل والمواليا
الصفحة ٢ من ٣
والزجل الثاني لم يتأخر في صبابة الحاصل منه غير مطلع وبيت وهو:
ما الفراق في الهوىإلا خصمو ألد
على تركو إذ هو قوى حظينلق وصلو من كل لذة ألذ
نسأل الله منو يزيد حظي
قد هويت ريم طرفو الجوارح يصيدعلى قلبي ما أخوفني من كيدو
حر مملوك إلا أنو سيد كل سيدمثل يوسف إستاذ في قيدو
والعجب فيه أن الملوك الصيدقد قنصهم بحسنو في صيدو
ومعو سبحان الله خال وخدكم بقيت يوم من تقبلوا لفضي
حتى خذت العبير بتاعو وخدرقة الحاشية بتاع لفظي
سبحان المانح؛ هذه طريق لم يسلكها أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين غير الحاج علي بن مقاتل رحمه الله تعالى.
ونظم رسيلة الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي رحمه الله تعالى زجلاً أفرق فيه بين الذال والدال، والظاء والضاد، كاد أن يسيل رقة، ولكن لم يجانسه، لأن الدرب إلى المجانسة غير سالك ومطلع الزجل:
بعضي باللهيب متلظيوغارق في دمعي بعضي
وأنا بالصبر متغذيكاتم سري حافظ عهدي
طرفي قد غرق في دمعيواحترق بنارو قلبي
مع معشوق يطابق نفعيبالضرر ويقصد حربي
نطلب وصلو يطلب قطعينقرب لو فيبعد قربي
نحفظو ما يختار حفظينحبو يزيد في بغضي
نعتذر ونا المتأذييشتكي وهو المتعدي
وهذا الزجل البديع لم يحضرني منه أيضاً لكثرة الإعراض عن هذا الفن غير هذا المطلع والبيت.
ومن الممنوعات عند أهل هذا الفن أيضاً وهو قبيح جداً إظهار حركة المنادى المضاف، وذكرت هنا قصة اتفقت للشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى مع زجالة دمشق المحروسة؛ وما ذاك إلا أنه نظم زجلاً مطلعه:
يا صباح الخير والخيرهصبحتني طلعة المحبوب
حن رأيت وجهو السعيد مقبلقلت هذا غاية المطلوب
فقوله يا صباح الخير إعراب المنادى المضاف على شرطه.
وأما زجالة دمشق المحروسة فإنهم ترقبوا مرور الشيخ عز الدين عليهم ليلاً بسبب هذا المطلع فأسمعوه غاية ما يكره، وشاعت القصة بالبلاد الشامية، وكان الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى يعنت عليهم في غالب الأوقات.
والذي أقوله: إن المتأخرين من الشعراء لم يتخلص منهم أحد من تبعات عيوب الزجل غير الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى، فإن الشيخ عز الدين أيضاً قال في بعض مطالع أزجاله:
ضياء النور في ليل الشعر قمري جلا
فلو لم يعرب لفظة النور بالإضافة اخطأ الوزن.
وأما الشيخ صفي الدين الحلي فقد تقدم ما أوردنا عليه من العيوب، وتقدمه ابن النبيه في زجله المشهور بأشياء دلت على أنه لم يكن له بمعرفة هذا الفن إلمام، والزجل مطلعه:
الزمان سعيد مواتيوالحبيب حلو رشيق
والربيع بساطو أخضروالشراب أصفر مروق
وقال في البيت:
والنسيم سحر تنفسمن عبير أو مسك أذفر
والغصون بحال ندامامن سلاف الغيم تسكر
والغدير بمد معصمينجلي في نقش أخضر
والهزار يعمل طرايقفي الغنا مزموم ومطلق
فقوله في الغصن الأول من البيت، أو مسك أذفر لا يستقيم معه الوزن إلا بعيبين فاحشين لم يغتفرا له من أحد من الزجالة.
أما أن ينون الكاف لتصير الهمزة في لفظة أذفر همزة وصل ويستقيم الوزن بالتنوين، وهو من العيوب الفاحشة عندهم، وإما أن يحرك الكاف في لفظة مسك، وتكون الهمزة همزة قطع فقد تقدم أن همزة القطع بعد المتحرك عندهم خطأ في الوزن، واستشهدت بنقدهم على الشيخ صفي الدين الحلي حيث قال في بعض أزجاله وهو:
ريت حبيبي في الرياض يمرحبين أقرانوا وأترابو
فلو لم يحرك النون في لفظة بين أخطأ الوزن، وهذا العيب يسمونه عند الزجالة الطفر والجمز، وهو العيب الذي احتجوا به على الحاج علي بن مقاتل في بديهته مع رسيلة الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي، فإن الحاج علي قال في بعض الأبيات:
جل الإله منشيهمن بعض آياتو
خدو المضرج فيهنارو وجناتو
والورد فيه يبديهفي غير أوقاتوا
فقوله: من بعض آياتو وفي غير أوقاتو، مما نحن فيه وقول ابن نبيه في الغصن الثاني:
من سلاف الغيم تسكر.
فالغيم مجرورة بالإضافة وهي على الوضع في الإعراب، والكلام على نقش أخضر في الغصن الثالث كالكلام على مسك أذفر في الأول، وقال ابن نبيه في البيت الثاني من زجله المذكور ولم يسلم له العيوب المنهي عنها غصن ولا خرجة.
وقال في البيت الثاني:
هات يا ساقي الحمياإن نجم الليل غرب
من يكون البدر ساقيهكيف لا يشرب ويطرب
أنت والأوتار والكاسللهموم دوا مجرب
لا تخاف الصبح يهجمدع يجي ويركب أبلق
قلت: أما حركات الإعراب المنهي عنها في نظم الزجل فظاهرة في أغصان البيت؛ وأما قوله في الخرجة: لا تخاف الصبح، فلا يجوز عند الشعراء ولا عند الزجالة، فالعيب عند الشعراء أن لا الناهية تجزم الفعل المضارع والشيخ كمال الدين بن نبيه لم يجزم، والعيب عند الزجالة فتح الفاء من لفظة تخاف فإنها من الذنوب التي لم تغفر عندهم، وأما الصبح فقد نصبها غفر الله له على المفعولية.
وقال في البيت الثالث:
ذا المليح في الجنة سيدوونا مسكين في جهنم
آه على قبلة في خديدوواخره في ذا الفميم
لو ترى حمرة خدودووعذاره ذا المنمنم
كان ترى ثوب أطلس أحمرمعدني بخصر معلق
فلفظة عذاره في الغصن الثالث منصوبة على المفعولية، وهي عيب ولو لم ينصبها أخطأ الوزن.
وقال في البيت الرابع وتخلص منه إلى المديح وهو:
يا نديم أسمع نصيحالا تنم ما دمت تمكن
الصباح ومثلو في الكاسما ترى مبهج ومحسن
والشقيق حمرا في صفراكنوا رايات شاه أرمن
ملك بحال جمالوما خلق وليس يخلق
الكلام على شاه أرمن هنا في الغصن الثالث، كالكلام على مسك أذفر ونقش أخضر في البيت الأول، وإعراب لفظة ملك في الخرجة فظاهر لم يفتقر إلى الكلام عليه، ولكن تحريكه ليس من العيوب الفاحشة.
قوله:
ورشيقة المعاطفرأتو بين الصناجق
والغبار بحال غمايموالسيوف بحال بوارق
وسنا جبينو يرميبشعاع على الخلايق
زعقت حرام زوجيوالنبي غدا نطلق
هذا البيت يكاد يكون سالماً لولا لفظة رشيقة فإنها مجرورة بواو رب، وقد تقدم قولي: إن الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى خلص هذا الزجل من جميع هذه العيوب المذكورة، ولكنه لم ينظم غير زجل واحد عارض به ابن نبيه في هذا الزجل، والذي يظهر لي أن الشيخ جمال الدين ما عارضه إلا وقد ظهرت له هذه العيوب.
ومطلع الشيخ جمال الدين بن نباتة هو:
لي حبيب ماعو عويناتذاب نقول في عشقا إلحق
وقت نبصرها نواعسنبكي طول الليل ونقلق
يا قلق جفني بكاتبحسنو ندرا وي ندرا
وقعت عينه لعينيبدموع في الحب تجرا
فالنظر توقيعو ثابتبقلوب عشاقو يقرا
وحواشي خدو ريحانهذا هو الموت المحقق
والبيت الثاني:
ما ترى مملح ومحلاهذي الأوصاف الشهيا
جلست خط العذيرفي الخدود كف المشيا
ويرى قلبي معلقبيه ولا يحفل هو بيا
يا دلال خطو المجلسونكال قلبي المعلق
لي يطيب فيه التغزلوالمدايح في المؤيد
الملك في الجود وفي الباسوالعلوم والرأي الأرشد
لا تقول لي البرق يلمعوالغمام في الجدب يرفد
فسنا جبينوا نوروندا يمينو أغدق
لا غمام إلا ابن أيوبلا ربيع إلا زمانوا
السماحة في يمينووالفصاحة في لسانو
ونقول في الحرب لعداهآش تقولوا في سنانو
آش تقول سود الجوانحفي لقا عدوها الأزرق
علمتيني لك يا سلطانالمكارم نظم الأقوال
في القصايد والمقاطيعوالموشحات والازجال
خذ ترى هذا الزجيلفي المديح مطرب والأغزال
لاستماع اشيا تطنطنوشي في القمصان يبقبق
قلت: الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى خلص جميع هذا الزجل من العيوب التي تقدم ذكرها وأوردها على أئمة الزجل من المغاربة وغيرهم، ولكن رتبته في النظم سافلة بالنسبة إلى علو مقام مناظيمه في الشعر والموشح، والذي يظهر إليّ أنه نظمه نظم خائف لعلمي أنه ما نظم غيره والله أعلم.
وقد عن لي أن أثبت هنا زجلاً من أزجالي الخالية من العيوب ليتضح للطالب سلوك هذه الطرق الغريبة، فمن ذلك ما نظمته، وأزهار الشبيبة يانعة، ومواردها عذبة، وهو هذا الزجل:
حين رققت نظم الغزلتأنس غزالي الشرود
وقال صف عيوني الوقاحوقول سود بها قلت سود
من أبصر حبيبي حسنلا يكون في عذلو يزيد
فيوم عيد رسم بالبعادوامتثلت لو ما يريد
ولو كان قريب الديارما كنت أمشي لو من بعيد
فيا دمعي اجري وقفسايل ما جرا في العهود
وقل للحبيب الطبيبيا طبيب لا تخلف وعود
حن نيران هواه أشعلتومنشي البشر من تراب
ما خلا في جسمي رمقوراح جا التعب والعذاب
وجاه دمعي سايل نهررآني عذولي مصاب
قال تريد أقودو إليكبانشراح في غيظ الحسود
قلت أي بالنبي يا عذولاطف ما بقلبي وقود
ذا القاسي بلين قامتورق لي ونحوي عطف
وحلف ذا الغصين بالوفاومحلا ليالي الحلف
وقال لي نظام سالفوحلى الجعدي هداك سلف
وماس تحت تزريد عذاريفوق حسن وشي البرود
تذكرت بأن النقاوخضر عيش أيام زرود
تغزلت فيه اطربواومال من رقيق الغزل
وقال خلي وصف الخدودفأني كثير الخجل
استطردت في وصفهاسارت مثل سير المثل
حددني بسيف ناظروحين أقام عليه الحدود
وقال كيف رأيت حالتكقلت نا قتيل الخدود
قادني وقطر دموععيني لما جد الرحيل
وهيج لعقلي وقالوقم يا ضالع الهجر سيل
قلت قوم يا قلبي الحزينقاطع قلي حملي ثقيل
ومبرك ما كنا جميعقبل أن كان لخيري جحود
وقال حين حسابي جمليا جمالي آش ذا القعود
من بارق عذيب الثغرحين عذبت طعم المياه
طعم الراح بقي في انحرافولطف المزاج عنو تاه
وجوري الخدود لو يكوننصيبي كفاني نداه
تعود يا حبيبي وطبيبلا تعدم محبك وجود
فمن وجنتيك والثغرقصدو يا حبيبي ورود
قد طال الشرح بايراد هذه الأزجال هنا، وإن الرجوع إلى بقية ما يحرر من عيوب الزجل التي يمنع من استعمالها، فمن ذلك حركة الجار والمجرور، كقول قيم مصر خلف بن الغباري في بعض مطالعه:
الحمد لله الحميد المجيدقادر ومعلا قدر من مجدو
مقصود وموجود في العدم والوجودفي السر والجهر أقصدو توجدو
فقوله: الحمد لله مبتدأ وخبر، والخبر هو الجار والمجرور في " لله " و " الحميد " صفة للجار والمجرور، وهي تابعة الموصوف في الجر، فالربع الأول من المطلع ليس بزجل بل بشعر صحيح معرب وهو من البحر السريع. وأما قوله في الربع الثاني قادر ومعلا قدر من مجدو فهو منوال الزجل الذي لم ينسج على غيره، وقوله: ومعلا شرع الزجل في الوزن والرسم فإنه لو قال وما أعلا أتى بهمزة القطع التي هي من أكبر عيوب فن الزجل.
ومن الممنوعات عندهم الانتقال من كللي إلى قمري وهو الخبن عند العروضيين كالانتقال من فاعلن إلى فعلين فإن كان في الحشو جاز، وإن كان في القافية التي هي العروض والضرب عدة الزجالة خطأ في الوزن كقول الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي رسيل الحاج علي بن مقاتل في بعض مطالعه:
يا قلبي الهوى طيعو وطيع ما أمروعصي من رجع لك في المحبة يلوم
ون كان من تحبو بعد وصلو هجركن صابر فلا ذاك دام ولا ذا يدوم
وقال في بعض خرجات هذا الزجل:
لو كانت الناس تسجد أو تصوم لبشرلك كنت نسجد على الدوام ونصوم
فأتى بقمري موضع كللي في محل العروض والضرب وهذا عندهم خطأ في الوزن اللهم إلا أن يكون في الحشو لأن علماء الزجل منعوا من استعمال الزجافات العروضية وعدوها خطأ في الوزن وهي جائزة في الشعر، وزادوا على بحور الشعر التي هي ستة عشر بحراً من الأوزان ما لا ينحصر، وقال الشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى في تقريظ له على بعض أزجالي: فإن الزجل أوزانه ما انحصرت عدداً وسبله متشعبة، فهي تتلو طرائق قددا، قول الشاعر:
وله محاسن كلهن بدائعوله جموع فرقت وطرائق
فكأنه الثوب المجندر طرقهلا تستقيم وفيه معنى رائق
وفن الزجل لم تزل أوزانه إلى عصرنا هذا متجددة. ولكنها غير جائزة في الشعر لخروجها عن البحور المعهودة، ومخالفة كل شطر من البيت الآخر في القصر والطول والقافية، وبناء البيت الواحد على عدة أوزان وقوافٍ، وتقصير الأقفال إلى غاية من القصر، ولهم ملكة في تحرير الوزن وقوة في أن يستخرجوا منه وزناً ثانياً ولم يتغير اللفظ. ورأيتهم يستعينون على ذلك بالدمج، ويكون اللزوم في بعض الكلمة التي دمجها، وربما أنشدك أحدهم وزناً اخترعه وسألك عن لزومه فقلت: هذا بيت بقافية أو بقافيتين، فإذا قطعه لك وجدته مطلعاً أو بيتاً بسبع قواف يكون المطلع بقافيتين، والبيت أغصانه وخرجته بخمس قواف كقولهم:
كم نقا سي شقا وزماني رماني وما عاد لقاسي بقا
فإذا قطعه لك على ما ذكرته لك أيها المتأدب، كان مطلعاً وبيتاً بسبع قواف، وتقطيع المطلع:
كم نقا سي شقا
والبيت: وزما ني رما ني وما عاد لقا سي بقا.
ولهم أغرب من ذلك وأقصر على هذا النمط وهو:
البحر أصبح فرجاوالجاموس جا يسبح
وهذا أيضاً في الصورة مطلع واحد بقافيتين وتقطيعه:
البحر أصبح فرجاوالجاموس جا يسبح
فهذا بعد التقطيع انتظم منه مطلع وبيت لست قواف.
ولهم أغرب من ذلك وأقصر على هذا النمط، والمراد هنا بالقصر قصر الوزن وهو:
زمزم حرر درهم
هذا أيضاً مطلع واحد، فإذا قطعته انتظم منه بيت ومطلع بست قواف، وتقطيعه هذا:
زم زم حر رر در هم
فهذه من أشكال النكت القصار في فنهم.
قلت: قد تقرر وعلم أن الفنون سبعة لا اختلاف في عددها بين أهل البلاد، وهي: الشعر، والموشح، والدوبيت، والزجل، والمواليا، والكان وكان، والقوما، فهذه الفنون الأربع التي جاءت بعد المقدم من الشعر، والموشح، والدوبيت الإعراب فيها غير جائز وهو التزنيم بعينه، وقد تقدم وتقرر وعلم، ولكن الزجل أعلاها رتبة وأشرفها محلاً لكثرة أوزانه وعذوبة ألفاظه ورشاقتها، ومدائن المسلمين المختصة بهم دون النصارى بالأندلس أربعة: وهي إشبيليا، وقرطبة، وبلنسيا، ومالقة. والذين خرجوا منها من الزجالة سبعة وهم: مخلف بن راشد، الحييط البرذعي، ابن قزمان، مدغليس، ابن المليكة، الحمال وهو متأخر.
وأول ما نظموا الأزجال جعلوها قصائد وأبياتاً محررة في أبحر عروض العرب بقافية واحدة كالقريض لا يغايره بغير اللحن واللفظ العامي، وسموها القصائد الزجلية، فمن ذلك للشيخ أبي عبد الله مدغليس قصيدة في بحر الرمل عدتها ثلاثون بيتاً مطلعها:
الهوى حملني ما لا يحتملترد الحق ليس لمن يهوى عقل
ليس نقع في مثلها ما دمت حيّإن حماني من ذا تأخير الأجل
منها وهو لطيف:
اشتغل قلبي بذا العشق زمانفسقط لي نقطة العين واشتعل
وهذه القصائد لما كثرت واختلفت عدلوا عن الوزن الواحد العربي إلى تفريغ الأوزان المتنوعة، وتضعيف لزومات القوافي، وترتيب الأغصان بعد المطالع، والخرجات بعد الأغصان إلى أن صار فناً لهم بمفردهم.
واختلفوا فيمن اخترع الزجل، فقيل: إن مخترعه ابن غزلة المقدم ذكره، استخرجه من الموشح لأن الموشح مطالع وأغصان وخرجات، وكذلك الزجل والفرق بينهما الإعراب في الموشح واللحن في الزجل وقيل: بل مخلف بن راشد، وكان هو إمام الزجل قبل ابن قزمان.
وكان ينظم الزجل بالقوي من الكلام، فلما ظهر أبو بكر بن قزمان ونظم السهل الرقيق مال الناس إليه وصار هو الإمام بعده، وكتب إليه ينكت عليه في استعمال يابس الكلام القوي:
زجلك يا ابن راشد قوي متين
وإن كان هو بالقوة فالحملين
يريد: إن كان النظم بالقوة فالحمالون أولى به من أهل الأدب.
وقيل: بل مخترعه مدغليس وهذا السم مركب من كلمتين أصله مضغ الليس والليس جمع ليسة وهي ليقة الدواة، وذلك لأنه كان صغيراً بالمكتب يمضغ ليقته، والمصريون يبدلون الضاد دالاً فانطلق عليه هذا الاسم وعرف به وكنيته في ديوانه أبو عبد الله بن الحاج، عُرف بمدغليس والصحيح أنه ليس بمخترعه، لأنه عارض ابن قزمان، وهذا دليل على أنه معاصره أو متأخر عنه.
فمن السهل الرقيق لابن قزمان قوله في مطلع زجل:
ثلاث أشيا في البساتينلم تجد في كل موضع
النسيم والخضرة والطيرشمّ واتنزه واسمع
وقوله:
لولا الشراب واش كانبقي ترجع فقي
ومن رقيق مدغليس قوله في مطلع زجل:
ليس نتوب عن ذا المشربيهلو نهيت في السبت والحدّ
قد أعرت آذاني للومودفعت الجلد للحد
ومن لطائف ابن غزلة قوله في مطلع:
بعد ذبحك جريت يا فرخيواش يفيد الجري
كنت تجري من قبل ما تذبحوعنيقك بري
ومن لطائف ابن قزمان قوله في مطلع وبيت:
قالوا عني بأني عاشق فيكأش تقول يصدقوا
ياحبيبي لقيت كثير فيالناس بالحكم ينطق
هذا شي والنبييا نور عيني ما تحدثت بيه
ولَ والله خطر على باليلا ولا خضت فيه
إنما في الطريق أنانمشي كل من نلتقيه
يدنو ميني وسرعهليسألني عندما نلتقو
ويقول لي فلان بحق اللهمن صحيح تعشقو
ويعجبني قول مدغليس:
أنا راضي عن الشراب والطعامثلثين يوم لي في الصلاة والصيام
وقال ابن قزمان في مطلع:
يامن عليه للسفر علامهالحمد لله على السلامة
ويعجبني قول ابن قزمان في خرجة:
انهل شويّ يا صاح لا تقروبان الحبيب قد عزم أن يهروب
قلت: غاية المغاربة في نظم الزجل أن يتطاولوا إلى التعلق بأذيال السهولة والرقة، فإن العقادة غالبة على أزجالهم وتراكيبها، كقول ابن قزمان في ترك الخمر في بيت:
يتركوا قوم ونا لاإنما مذهبي الطلا
يا من على منّو بين ملاكان يكون أرجلي العقاب
ويكون فمي الدلو
ولكن لما دخل الزجل الديار المصرية ونظمه المصريون حلّوا موارده بعذوبة ألفاظهم ورشاقتها، وزادوا محاسنه بالزوائد المصرية، وحلوه في الأذواق لما صارت حلاوته قاهرية، ثم تفكه بعد ذلك من أهل الشام بثمرات المعاني الشهية، وحلوه بشعار التورية والنكت الأدبية، كقول الحاج علي بن مقاتل في بيت:
دي الذي وصالو عمري نرتجيما ندري في عشقو لمن نلتجي
وعد يوم الاثنين لعندي يجيراح اثنين في اثنين وما ريت أحد
وقال في بيت زجل آخر:
قلت هبني يا ذا الألماقبله في الجيد المسمى
قال بروحك قلت مهماسمتني في الجيد ما يغلا
وقال رسيله الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي معارضاً في الوزن والقافية وأجاد في قوله:
قلي والرقيب في غفلهلا يكون بحياتي بالله
لك حلت في جيدي قبلهقلت لو من فمك أحلا
ومن المرقص قوله في بيت بردفة زائدة:
غصن بان أوعدني وخلفقلت ليه قصه تعطف
دار وقال حين عني انحرفوقال من رأى من قبلك إنسان
صار عليه معطوف غصين البان بالورق
ويعجبني في هذا الباب قول محمد بن قيس قيم حلب:
تفور الما في البواطي بالعقاربالله اش تقولوا ما أنا مطالبي
وكلما أملك من مال أنفقواحتى تصفي الكاس على شواربي
ومثله في الحسن قوله في بيت وهو:
نرمي الأقداح من يديه
لجل من ساق هجرو ليه
وحرم بعدو عليه
ما العنب وما الزبيبوعلى الراووق صليب
وقال الأستاذ شمس الدين محمد الأعرج قيم الديار المصرية في مطلع من أزجاله:
يا طلعة الهلاللا تكشف اللثام
تفطر القلوبفي شهر ذا الصيام
ومما يعزى إليه من المطالع البديعة قوله:
وجه المشرقيةبالأنوار مبرقع
قمر هي والأقمارمن الشرق تطلع
وله من الأبيات العامرة قوله:
كشف الساق ندرة ملاح ذا الزمان
قامت قيامة قلبي وزادو هوان
فلا تعجب من قصتي يا فلانالقيامة تقوم بكشف الساق
ويعجبني في باب الاستعارة والتشبيه قول أحمد القماح راجح رجاح مصر في بيت ومطلع:
كف الظلام أرخى على وجه الليلشعرية سودا وكحلو دون مرود
وبدى المصباح من بين جفونو يغسلبما الضيا كحل الظلام الأسود
البيت
وفي الأراضي قوم ترى شي نذهبوشي تصيبو قد زها واتفضض
النرجس أحداقو الشهل نعسانهإلا أنها من ذا الندا ليس تغمض
والأقحوان ثغرو ضحك وتبسّموأصفر ويحكي لنا في الأبيض
مازعفران فوقه نصافي مطبوعولا فصوص كارب في بلاد توجد
ولا بحال شمسات لجين مبروداتقد أسمرو فيها مسامير عسجد
وأبلغ منه في التشبيه وأبدع قول الحاج علي بن مقاتل في بيت زجل الخياط حيث قال:
قال فشبّة خدي وقم عرّضبالعارض أحسن صفات
قلت حلة وردية من أطلسٍفيها جمع الشتات
وعليها دار الطراز تنبترقم محلاه نبات
قال ما هو إلاّ ثوب شرب والخمردم من تقتلو
فيه خيالات خيوطها تلعبورق لاعب
من جفون يغزلوا
ويعجبني في الرشاقة والجزالة وتسيير الأمثال قول علي النجار قيم الشام في مطلع زجل:
جا سهدي سرق مناميراح باعوا بيع المسامح
وآش قلتو أنه خسر فيهكيف ما باع اللص رابح
وأنشدني من لفظه لنفسه الشيخ شمس الدين محمد بن الطراح قيم الشام على هذه الطريقة بيتاً من بعض أزجاله قوله:
شدة ما تدوميا بني لا تسوم
إن العسر شوموالسماح رباح
يا أخا الأدب ما يتمكن الشاعر في بيت شعره من إرسال هذه الأمثال ولا يتوصل في باب إعرابه إلى فتح هذه الأقفال، فإن هذا البيت فيه ثلاثة أمثال سيارة ولفظة يا بني لا تسوم يصلح أن تكون مثلاً رابعاً.
وأنشدني لنفسه أيضاً على طريقة التورية مطلعاً بديعاً وهو:
غصني النضير في الحسن مالوا نظيروحياة هيف قدو ما نعشق سواه
وإن ميلوا عني نسيم الدلالوما عطف خلوه يميل مع هواه
ويعجبني في هذا الباب مطلع القيم أحمد بن العطار قيم الشام في الصراع وراجح الرجاح في الزجل وهو هذا:
على قامة قدّك في ليل شعركأشرقت طلعتك وهي تامه
فعجبنا كيف ما يزول الظلاموادي شمس الضحى على قامه
وأنشدني من لفظه لنفسه الكريم مولانا قاضي القضاة عماد الدين إسماعيل بن القضامي تغمده الله برحمته ورضوانه بيتاً من زجل جعله لمصونات التواري حذراً وهو هذا
لولا أنت يا حاجبو تحجبنيماذا ورد سايل دموعي محروم
ولولا أنت يا قواموا عادلقتلتني من زمان فيه مظلوم
ولولا أنت يا عذارو نمامبثيت إليك سر حالي المكتوم
ولولا أنك ياردفو مثقلبحمل شوقي إليه ثقلتك
ولولا أنك يا جفنو مكسورلكنت دين الوصال كفلتك
انظر أيها المتأمل إلى هذه الجزالة والرقة والسهولة مع إطلاق أعنة التورية واجتناب العيوب المنهي عنها في نظم الزجل.
ومن ذلك قولي في بعض أزجالي في بيت هو:
شكيت لساقو حالتيوقلت لو كم ذا الجفا
أظهر لي وجهين وانثنىوخلف لي عرقوب في الوفا
ناديت وقد أمسيت فقيرإليه نريد منو الصفا
ما هو فقيري في الطريقيا جاعل السادات خدم
تمشي بوجهين بينناوالناس تقول صاحب قدم
ومنه قولي:
لاحظني بالالحاظ وقالآش قلت ناديت يا قمر
هذي مسالك ضيقةتقتلني في لمح البصر
قال لي ورسام عارضيحين بان على ورد الخفر
قال إن مرسومو شريففي طي منشور وحكم
آش قلت في هذا العذارفقلت هو كما رسم
ومنه قولي تابعاً ذكر العذار:
قال لي عدو لك قد راهلام قلت يا زين الوجود
لام كي تكوي مهجتيفي نصبها بين الورود
وهي بلامين دايرةبيني وفي لوح الخدود
قلم عذارك قد جرىحين أحكمو باري النسم
قلي صحيح يا عاشقيجرى القلم بما حكم
ومنه قولي:
رنا لي بسهام المقلناديت بآمال خايبه
يا دمعتي لا تسبليهذي مصيبة صايبه
قلي وقد أمسيت مصابولي غداير شايبه
بحياتي أقسم يا قتيلإن الذي أحيا الرمم
قسم لي ذا الحسن البديعفقلت وحياتك قسم
وقلت في بيت من غير هذا الوزن وهو:
عارضو لما عشق خدوغرت من وجدي بقيت حاير
جيت إلى طرفو وناديت لوإحرسو وكون عليه ناظر
بعد حين نظرت في خدوالنقي العارض وهو داير
وعليه قد دب بالسرقةجيت لطرفو قلت يا كسلان
هكذا هي عادة الحراسقلي اعذرني أنا نعسان
ومنه قولي:
قلت لو قد ذبت في عشقكوضنيت قلي الخبر عندي
قلت لو دمعي قد اتلونويجري اليوم على خدي
دار إلى إنسان مقلتي قلوأنت ما عندك نظر بعدي
ما ترى ما قد جرى منكعلى خدو قلو يافتان
دخل الماتحتي من بعدكراقب الله ما أنا إنسان
ومنه قوله:
بدر شعبان منيتي لمافي بروج السعد لاح نجمو
شلت ليه قصة بفيض دمعيأطلقوا وأجراه على رسمو
قلت لو دام الله إطلاقكفالحزين قلبي لشوم قسمو
إيش قد أذنب حتى فطرتوراد يوري قولي بالبهتان
قال يصوم عن الوصال ناديتليس نصوم يا بدر في شعبان
وقلت في غيره من زجل مطلعه هو:
ناديت لمن شرقني حين غربنيبدمعي قبلني وارحم ترحم
وقول نعم وانعم على مشتاقكقال: ميل إلى خدي لأنو أنعم
قلي نهار صف وجنتي والعارضوارعى النظر ناديت يا غصني الناضر
شعة الورود حين ضاع شذاها الموجودرأيت طراز الآس عليه صار داير
قلي وخالي والجبين ناديتلو بلال يراعي الصبح بأمر القادر
قال هات صفات شعري وسرح باحسانفي التورية واظهر لي معنى يفهم
فقلت لو الله قد أسبغ ظلكإلا أنت جيت ظالم وشعرك أظلم
ومنه قولي
دعى إلى الروض ماس بأهيف قدوفغنت الأطيار فرح بالخاطر
راد الغصن يحكي هيف خطراتوقام ناظرو في اللين ودا شي ظاهر
واعوجاج قدو يقول القايلإني على غير العدالة ساير
حكم نسيم الروض بقطع أكمامووالزهر من فوقو عليه ابتسم
فقلت يا مقصوف وعادل قدوكم لي أقيمك ونت ما تتقوم
ومنه قولي
يوم زارني طايع بقرب العاصيوماه قد أصبح مثل عيشي رايق
أسقاني من بارد لماه مشروبيأنساني أيام العذيب في بارق
وفي حرم حسنو تمتع طرفيعند السقاية في مقام الفايق
قال يا بن حجة فوز بهذي الوقفةفما بقي قعده لمن هو مغرم
وبعد ذا زمزم وغاب في الحضرةيا محلا في وسط المقام ما زمزم
وسألني بعض مشايخ حماة المحروسة كل منهم من أدرك الحاج علي بن مقاتل رحمه الله تعالى، وأنا إذ ذاك في عنفوان الشبيبة ومبادىء النظم أن أعارض لهم زجلاً من أزجاله، وها زجل قافيته لامية، ذكروا أن الحاج علي المذكور كان يتغالى به في المجالس كثيراً، فعارضته وأثبت الزجلين هنا ليتفكه المتأمل في جنى الجنتين ويتنزه في حدائق الروضتين، فزجل الحاج علي بن مقاتل ﵀ هو:
يا مليح الشباب يا حلو الشمايلإن عينيك تعمل في قلبي عمايل
فيها فترة تخطر لمن بها يجهل
إنها سهلة والمنون منها أسهل
ورباب الفضل والتشابيه يا شهل
قالوا عينيك نرجس وصدغيك خمايلصبتها أسياف معقربات الحمايل
من ذا يحمل حور العوينات بتاعك
وأنت سلطان على المعاشيق وماعك
رمح قامة بلينها اشتد باعك
وحواجب قسي على جفن نابلسهمها أنفذ في القلب من سحر بابل
قلي إنسان هذا الذي تثني عنو
وتقول في مديحك أنو وأنو
ما رأيت في الملاح مليح أحلامنو
قلت لولا فتش وقايس وقابلوعلى هينتك هذا العام وقابل
راح عذولي كما وصيتو وجاني
وقال الله محبوبك ابن الفلاني
قلت: هو هو ومن بعشقو بلاني
قلي ذاك الذي ألف قدو مايلعند صحبي المعشوق فليس لو مماثل
موطا خلقو مليح وما أعلا قدرو
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع