تجاوز إلى المحتوى

من «بلوغ الأمل في فن الزجل» لابن حجة الحموي (ت ٨٣٧هـ)

الفن الأول والثاني: الزجل والمواليا

الصفحة ١ من ٣

الحمد لله الذي علا زجل الملائكة في عالم الملكوت بحمده، ونظمنا في سلك العبودية فوقف كل منا متأدباً عند حده، أحمده حمداً يقوم وزنه بالقسط ولا يخسر الميزان، وأشكره شكراً تقوم لنا بركته بمعرفة قواعد الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نترقى بها إلى أعلى الرتب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المنعوت بحسن الأدب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة نترجح بها يوم الحسرة والندامة، وتعمنا بركتها بين يدي الحكم العدل يوم القيامة، وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد فإن الأدب جنس يصدق على أنواع عجيبة وفنون غربية، شهرتها تغني عن أن يجلى في هذا الأفق الزاهر بدرها، أو ينفث في عقد الأقلام سحرها، ولكن نعمل هنا بقول القائل:

إذا كان مدح فالنسيب المقدم

ونسيب الشعر هو المقدم بفصاحته، والموشح ببلاغته.

ولما كان لا ينظم إلا باللفظ الصحيح المعرب، لم يصل إليه إلا من تعاطى الآلة في العلوم وتأدب ولعمري هذا مضمار لم يحز قصبات السبق فيه غير الفحول، ولم يدرك شأوه إلا كل ضامر مهزول، ولكن في الناس من في طبعه ذوق الأدب والنكت الأدبية، ولم يعد نفسه من فرسان العربية، منهم الشيخ برهان الدين المعمار رحمه الله تعالى، فإنه نشأ بالديار المصرية ونكت فاستحلوا على زايد النيل زايده، ونقل عن الشيخ جمال الدين بن نباتة أنه قال: قطعنا المعمار بمقاطيعه.

وناهيك بهذه الصلة التي هي على مثله عايدة، واغتفر له أهل عصره اللحن وعدوه له من مطرب التلحين، فإنه أتى في نظمه بنكت تحرك العيدان وتغني عن القوانين، ولهذا عدل قبلة المغرب وهو الامام أبو بكر بن قزمان تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه، واخترع فناً سماه الزجل لم يسبق إليه، وجعل إعرابه لحنه، فامتدت إليه الأيدي، وعقدت الخناصر عليه.

ولما نظم بلفظ العوام تمكن منه أديب الطبع، وكان قد حبس عنانه عن العربيات ورأى بيوته واسعة الفنا، فأسكن مخدرات نكته بتلك الأبيات، غير أن مصنفه ومن تابعه من أهل عصره من علماء هذا الفن امروا فيه باجتناب أشياء منها الألفاظ المشرقية، فإن المصنف أو غيره من المغاربة قال:

لله در الزجل ويا ما لقيما يوافق عمرو لسان مشرقي

وكما أن اللفظ المشرقي لا يجوز في الزجل، فاللفظ المغربي لا يجوز في المواليا لكون أنها من مخترعات المشارقة مثاله: إذا قلت في الزجل طلعتك، ووجنتك، وقامتك بسكون التاء لم تجز هذه الألفاظ عند الزجالة بل يعدونها خطأ في الوزن، فأن سكون هذه التاء لا تجوز عندهم، وعكس ذلك لا يجوز عند الموالة لأن تحريك هذه التاء لا يجوز عندهم البتة، وأقل من في الزجالة والموالة لا يجهل هذين العيبين، وكذلك تاء المتكلم مثل قلت وهمت لا يجوز في الزجل وهي ركن من أركان المواليا لأن المشارقة يتلفظون بها على صيغتها كقول الشيخ صفي الدين الحلي في بعض أزجاله:

مااجتمعنا تا أقول كناوازعق فينا غراب البين
أو أقول عين ضد صابتنابعد ما كنت قرير العين

فقوله كنت عيب فاحش عند الزجالة، ولا يجوز استعماله عندهم.

وهو أكبر عيوب الزجل بل محو رسمه وإخراجه عن قاعدة المصنف الإعراب، لأنه قال في خطبة ديوانه:

وقد جردته من الاعرابكما تجرد السيف من القراب

وموجب ذلك أن ابن غزلة الشاعر المغربي وهو من أكبر أشياخهم كان ينظم الموشح والزجل فيلحن في الموشح ويعرب في الزجل قصداً واستهتاراً ويقول: القصد من الجميع عذوبة اللفظ وسهولة السبك، وكان ابن سناء الملك يعيب عليه ذلك، ولهذا لم يثبت شيئاً من موشحاته في دار الطراز لكون أنها مزنمة، لأن التزنيم هو ما أعرب من ألفاظ الفنون الأربع، الزجل والمواليا، والكان وكان، والقوما.

وسيأتي الكلام على بقية الفنون بعد الزجل إن شاء الله تعالى.

واشتقاق المزنم، وهو المستلحق في قوم ليس منهم، وأما قوله تعالى: " عتل بعد ذلك زنيم " أي لئيم، وكأنهم ألحقوا الزجل بالموشح من طريق إعراب بعضه وألحقوا بالموشح الزجل لما أظهروا اللحن في بعض ألفاظه، فمن الموشحات المزنمة التي نظمها ابن غزلة المغربي المشار إليه الموشحة التي قتل بسببها لأنه شبب فيها بذكر أخت عبد المؤمن الأموي، ولم يكتم غرامه وهيمانه بها، بل صرح بالاجتماع بها، والواقعة مشهورة، وكانت هي أيضاً جميلة الخلق فصيحة اللسان تنظم الأزجال الرائعة الفايقة ومطلع الموشح قوله:

من يصيد صيدا فليكن كما صيديصيدي الغزالة من مراتع الأسد
كيف لا أصولواقتنصت وحشيه
ظبية تجولفي ردا وسوسيّه
صاغها الجليلفهي شبه حوريه
تنثني رويدا إذ تميس في البرديتعجن الغلاله والردى مع النهدي
رب ذات ليلهزرتها وقد نامت
والرقيب في غفلهوالنجوم قد مالت
رمت منها قبلهعند ضمها قالت
قرقر واهدا لا تكون متعديتكسر النباله وتفرط العقدي

فهذا البيت أكثر ألفاظه زجلية ملحونة، وجل قصده في ذلك عذوبة الألفاظ ورشاقتها.

وقيل: إنه لما أخرجه الملك للقتل نظر إلى الناس وارتجل بيتاً في الوزن والقافية يستنجد به عشيرته لأخذ ثأره. وهو:

خدها الأسيلبدت منه أنوار
طرفها الكحيلسل منه بتار
ها أنا القتيلفهل يؤخذ الثار
قد أسرت عبدا ولم أك بالعبديمت لا محالة فاطلبوا دمي بعدي

ومن نظمها فيه الزجل المشهور الذي مطلعه:

مشى السهر حيرانحتى رأى إنسانعيني وقف

ومن الأزجال التي زنم فيها ابن قزمان، وأعرب في بعض ألفاظها وهو الناهي عن ذلك قوله في بيت من زجل مطلعه:

شرب الخمر المحتسب وزناقاضي المسلمين أت هو السبب

سيدي ليش جعلت ذا محتسب

ومحكم في أمر أهل الأدب

وهو زاني زنيم كثير الزنا

الإمام لم يكفه فتح الياء وتحريكها من الاسم المنقوص الذي هو القاضي حتى فتح أيضاً نون المسلمين. وفتح نون الجمع من أكبر علائم الإعراب، وبدون فتحها يخطئ الوزن ولفظه. وهو أيضاً مقبول في الزجل.

وله فتح الياء في غير المنقوص أيضاً وهو من علائم الإعراب، وذلك في مثل ياء المتكلم، والياء في لفظه هي وغيرها كقوله في زجل مطلعه هذا:

قلي يا عيد فيما يسرني جيتأو تجدد علي ما قد نسيت

فيقول في خرجة بيت منه:

إذا انقطع زماني الأطولوعليه الثنا يكون ما بقيت

فقد فتح ياء المتكلم في زماني الأطول ولولا ذلك لفسد الوزن.

وقال في تحريك هي:

الجنة لو عطيتهي الراحوعشق الملاح

فإذا أسكن في لفظة هي فسد الوزن.

وأزجال ابن قزمان، ومدغليس، وابن عمير، والشاطبي، وابن حسون أئمة هذا الفن كلها مشحونة من ذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردت لهم كثيراً من العيوب، وكيف يجوز لهم ذلك وقد قال ابن قزمان، وهو الإمام المخترع في خطبة ديوانه لما قال:

وجردت فني من الإعرابكما يجرد السيف من القراب
فمن دخل علي من هذا البابفقد أخطأ وما أصاب

قال بعض زجالة المغرب: المصنف رحمه الله تعالى قال ذلك نهياً عن تقصد الإعراب وتتبعه والاستكثار منه لئلا يغلب على معظم أزجالهم التزنيم، بدليل قوله، سيما أن قصد ولو نهى عنه مطلقاً، أو عن اليسير منه ثم استعمله هو وقومه يصدق عليه قول القائل:

لا تنه عن خلق وتأتي مثلهعارٌ عليك إذا فعلت عظيم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

وإنما أراد بذلك الغالب، والعلماء يطلقون على الغالب حكم الكل مجازاً.

وقد جاء مثل ذلك في القرآن العظيم والحديث الصحيح؛ فأما ما جاء في القرآن الكريم فقوله تعالى: " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس " يريد: غالب القرآن لأنه لم ينزل فيه بأجمعه.

وأما الحديث فقوله ﷺ للمرأة التي جاءته تشاوره: أي الرجلين تتزوج؟ فأشار عليها بأحدهما وقال لها عن الآخر: إن فلاناً لا يضع عصاه عن عاتقه، لا إنه في حال الصلاة والنوم كذلك، وإنما أراد النبي ﷺ انه كثير الأسفار، فغالب وقته تكون عصاه على عاتقه.

ومنهم من قال: استعملها ضرورة وهو يعلم أنها عيوب.

ومنهم من قال: إن ذلك لم يكن مشروطاً عنده، وإنما عوام المتأخرين إبتدعوا ذلك، وأقاموا لهم قواعد هذه من جملتها، كابتداعهم شد الغلام وتسميته الراجح وراجح الرجاح والقيم.

وذكر الإنسان اسمه في آخر زجله، ويسمونه الاستشهاد، ويثني فيه على نفسه الثناء البالغ، ولعب المناصف بالرهان على يد الحاكم أسوة بأرباب الملاعيب، الذين هم أراذل الناس، والجلوس في الحلق في يوم معين، ويسمونه الطابق يقام لهم محفل من الجماري والحرافيش، وهذا لم يسمع بشيء منه للأئمة المتقدمين، ولا وجد لهم في كتاب.

ومنهم من قال: إن فصحاء المتأخرين حرموا ذلك، وحملوا على الإمام المخترع في قوله.

وجردت فني من الإعراب.......

على الإطلاق.

وهذا الذي أجمع عليه علماء فن الزجل، وهو أصح الأقوال، وأقرب الأحوال؛ وإلا فما الفرق بين الزجل والموشح، هذا معرب وهذا ملحون، ولحن الزجل إعرابه. وابن سناء الملك رحمه الله تعالى أظهر لنا الفرق بين الزجل والموشح بقرينة لطيفة، وهو أنه جعل في آخر غالب موشحاته خرجة مزجلة تارة تدخل عليها بأغصان من موشحه، وتكون الخرجة من نظم أئمة الزجالة، وتارة تكون الخرجة المزجلة من نظمه، وغالب أئمة الوشاحة فعلوا ذلك، ليظهر الفرق، وهو مثل الصبح ظاهر.

وعند الجميع أن التزنيم في الموشح أقبح منه في الزجل، لأن من أعرب في الملحون فقد رد الشيء إلى أصله، ومن لحن في المعرب فقد زل عن الطريقين وخالف المذهبين، وقد وقفت للإمام أبي بكر بن قزمان مع علمه أن التزنيم في الموشح أقبح من التزنيم في الزجل، على موشحة لم يسلم له بيت منها من التزنيم، وقد أثبتها هنا بكمالها، وهي هذه الموشحة:

معشر العذال بي من الأقمارأغصنٌ ميادة مسن في أكفالي
قد جنا من لاماكل عانٍ صب
ببدور ذا ماطلعت من قضب
من قدود هامافي هواها قلبي
رية الخلخال قد براها الباريلعذابي غادة هيجت بلبالي
عجباً للوامقروحه موصولا
مستهامٌ زاهقحيث نال السولا
وجمال رائقزاد فيه القيلا
نهيت والقالي لا يقيم أعذاريشغفي قد زاده وهي لا ترعاني
غايتي في الحسنغايةٌ لا تدرك
لم يكن في عدنمثلها قط يدرك
وكلت بجفنٍلحظات تفتك
فتكة الأبطال كهزبر ضاريسحرها قد صاده وهو ذو أشبالي
أين منها البدرأين منها الشمس
زان فاها الدروالشفاه اللعس
ولماها الخمرليس فيها لبس
لم تزل عن بالي لا وعن أفكاريوهي لي منقادة دون ما إدلالي

فهذه الأبيات لم يخل منها بيت من التزنيم والألفاظ الزجلية، ولعمري إن عذر الإمام لا يقبل في مثل هذا، لا سيما لفظة ذا في البيت الأول التي أراد بها ذاما وقد تقدم قول ابن سناء الملك وغيره من أن أئمة الوشاحة أتوا في آخر كل موشح معرب بخرجة مزجلة لظهور الفرق والتحلي برشاقة الزجل، وعذوبة ألفاظه، فمن ذلك قوله في موشحة، مطلعها:

البدر يحكيك لولا تثنيكوأنت جنة الصديق لولا تجنيك
لم يلق نعما ونعيممن لم يلاقك
حملتني كل عظيميوم فراقك
وإن لي دنيا قديمعلى عناقك
بالضم اجنيك للصدر ادنيكلأن لي قلب رقيق عساه يعديك
رأيت ربعاً من بعيدقد كنت تأويه
ثوى به الحسن الجديدإذ أنت ثاويه
وزهرة الدر النضيدلا بل دراريه
فخرت تشكيك فهل معانيكخلعتها روضاً أنيق على معانيك
أهواك معسول القبلتحلو وتحلي
يملأ عينيك الكحلمن غير كحلي
وأنت روضة الأملفكيف قل لي
أترك تجنيك وعاذلي فيكفي فمه مسك سحيق لما يسميك
يعذلني ومادرىلحسن حالي
وأنني منك أرىكنه الجمالي
بكل شيء نشتريولست غالي
بالروح يشريك من ليس يدريكفكيف من ذاق الرحيق والشهد من فيك

والبيت الذي فيه الخرجة المزجلة:

لما أتى وقد أبايعطي وصاله
جردته من القبامع الغلاله
فقال خلي ذا الصبافقلت لا له
على آش نخليك وليش نداريكما في الهوى قاطع طريق لا بد يغريك

فقلت: سبحان المانح، لقد حيرني أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك، إن حكمت لتوشيحه بالتقديم لما فيه من الرشاقة والسهولة والانسجام وعذوبة الألفاظ أتى في تزجيله بشهود لا ترد.

ومن الغايات التي لا تدرك في الباب موشحة إبراهيم بن سهل الإشبيلي وهي هذه:

يا لحظات للفتنفي كسرها أوفى نصيب
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يا لحظات للفتن»
ترمي وكلي مقتلووكلها سهم مصيب
اللوم للاحي مباحأما قبوله فلا
علقتها شمس صباحبما ارتعاه في الفلا
كالظبي ثغره أقاحريقو طلا عيني طلا
يا ظبي خذ قلبي وطنفذاك في الأنس غريب
وارتع فدمعي سلسلوومهجتي مرعى خصيب
من اللما والحورفيها الحياة والأجل
سقى رياض الخفرمن خدها ورد الخجل
غرسته بالنظروأجتنيه بالقبل
من نزعة الظبي الأغنوهزة الغصن الرطيب
يجري لدمعي جدولوفينثني منها قضيب
أأنت حورا أرسلكرضوان صدقا بالخبر
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يا لحظات للفتن»
قطعت القلوب لكوقيل ما هذا بشر
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يا لحظات للفتن»
ما كنه إلا ملكلكن بصورة القمر
حتى ترك في المحنأمر الهوى أمر عجيب
كأن عشقي مندلزاد بنار الهجر طيب
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يا لحظات للفتن»
أهدت إلى نار العتاببرد اللمى وقد وقد
فلو لثمته لذابمن نفسي ذاك البرد
ثم لوت جيد كعابما خلته إلا الغيد
بطرفها الساجي وسنأسهر أجفان الكئيب
والردف فيه ثقلخف له عقل اللبيب
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يا لحظات للفتن»

والبيت الذي فيه الخرجة المزجلة قوله:

أعربت عن وجدي البديعفراح وجدي معربا
شمل الهوى عندي جميعوأدمعي أيدي سبا
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «يا لحظات للفتن»
فاستمعي صباً خليعغنى لعين الرقبا
هذا الرقيب مثواه بطنأش لو كان الإنسان مريب
يا منيتي قم نعملوذاك الذي قال الرقيب

ومن موشحاتي التي نسجتها على هذا المنوال قولي

جاءت تغازل بالأجفان والمقلفاهتز عطف غرامي وانجلى غزلي
فيالها لحظات للخطا نصبتتصيب باللمح قلب الفارس البطل
فقلت يا منيتي وزينتيتريد الصبر يوم بيني
كحل بعينيك قالت وهي في خجلليس التكحل في العينين كالكحل
ماست بقامتها يوماً بذي سلموالشعر كالعلم المنشور للأمم
فقلت يا قلب أعلام الهوى نصبتها أنت تخطر بين البان والعلم
وأسود الخال مذ تبدافي جيدها همت فيه وجدا
قالت وطلعتها كالشمس في الحملفي طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
سألتها برد ما عندي من الكمديوقلت نار الجوى قد أضعفت جلدي
قالت بريقي أطفيها إذا التهبتيا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وغرقتني بدمع طرفيوقالت اسمع كفيت خلفي
ألم تخف بللا ناديت يا أمليأنا الغريق فما خوفي من البلل
بالله يا برق إن أومضت في الثغروحارس اللحظ في شك من الخبر
قف بالثنيات واذكرني إذا عذبتتلك النهيلات للوراد في السحر
وارسل عليل النسيم خلفيفإنه قوة لضعفي
عسى تصحح جسماً بالفراق بليفربما صحت الأجسام بالعلل
رقم السوالف يروينا بمسندهعن أبرقين الحما أيام معهده
وثغرها قد روى عن طيب مولدهورقمتين الحما قد طاب مشهده
والخال أضحى عن المبرديروي حديث العذيب مسند
عن الصفا عن مذاق الشهد والعسلعن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي
إنسان مقلتها لما رأى كلفيبسيفه قد أقام الحد في تلفي
فمت بالسيف قهراً والحشا نهبتلكنني عند موتي قد قوي شغفي
ناديته والدموع طوفانوقلت هذا فعال إنسان
إلى م تعجل في قتلي بلا زللفقال لي خلق الإنسان من عجل

هذا الموشح لكون أنه مبني على التضمين، ضمنت في الخرجة المزحلة التي من نظم الحاج علي بن مقاتل الحموي، والتضمين يسمونه عند الزجالة دخولاً وهو قولي:

وغادة أشرق الوادي بطلعتهاقد رققت غزلي من غزل مقلتها
شكوتها سهراً قالت وقد سلبتعقلي بلطف معانيها وحشمتها
إن كنت سهران من هياميفإنني يا أخا الغرام
اعشق غزال مقلو قد أسهرت مقليوغزل أجفانو رقق حاشية غزلي

قلت: لم أطلق عنان القلم في تدقيق الفرق بين الموشح والزجل، إلا ليتأكد عند الطالب أن التزنيم الذي هو عبارة عن اللحن في الموشح والإعراب في الزجل من الذنوب التي تغتفر للبارع الماهر فإنه غير عاجز عن اجتنابه، ولهذا ما اغتفر للحاج علي بن مقاتل قوله في معارضته رسيله القيم شهاب الدين أحمد الأمشاطي:

خدك وعارضك والثغر يا حسنما وخضره ومنظر حسن

ومطلع الأمشاطي الذي عارضه ابن مقاتل سالم من ذلك وهو:

أسباني في هواكوافتني يا حسن
جمالك الجميلوخلقك الحسن

وكيف يغتفر للحاج علي بن مقاتل هذا القدر الزائد، وقد عابوا على الإمام أبي بكر بن قزمان استعمال بعض الألفاظ الصحيحة الفصيحة العربية، حيث قال في زجله الذي مطلعه:

ليس هو عندي قوامولا هو فلاح

إلا شرب الشرابوعشق الملاح وقال في البيت الذي استعمل فيه الألفاظ الفصيحة مشيراً إلى الفقيه بقوله:

تعرف اسما هنا يقل يقل لك لا، قلو خذ تملا

منها إذنك ملا هي هي القهوة والمدام والطلا

والحميا والخندريس والراح

فهذه ست لفظات في أسماء الخمر لم يغتفر لابن قزمان استعمالها في الزجل مع أنه لم يدخل عليها حركة إعراب، وإنما قالوا: هذه لغة العرب العرباء وقد تقدم أن تحريك لفظة هي أقبح العيوب. وعابوا عليه في بعض أزجاله الشحنا، وقالوا: هذه لفظة فصيحة لم ينطق بها غير الفصحاء ومعناها: العداوة. وعابوا عليه أيضاً قوله في مطلع زجل، وهو:

نظر بأهداب عينو وعبسفرج لعمري كربة وأنس

وقالوا: لفظة لعمري مختصة بالعرب وهي قسم لهم معناها: وحياتك، إن كانت للمخاطب، وللمتكلم: وحياتي، وقد فسر المفسرون قوله تعالى للنبي ﵇ " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " أي: وحياتك.

وعابوا عليه أيضاً في بعض أزجاله استعمال لفظة الزرد.

وعابوا عليه استعمال لفظه مرحبا في بعض مطالع أزجاله، وقالوا لفظة مرحباً وأهلاً وسهلاً بإجماع سائر النحاة ألفاظ عربية، وهي منصوبة أبداً بتقدير فعل محذوف تقديره أتيت أهلاً ولقيت سهلاً وصادفت مرحباً وما أشبه ذلك، وأول من قالها سيف بن ذي يزن ملك العرب، قالها لعبد المطلب جد النبي ﷺ حين بشره بنبوة محمد ﷺ في عام ولادته، وأسلم على يده لما وفد عليه ثم تداولها العرب بعده.

وذكر الشيخ صفي الدين الحلي في كتابه المسمى بالعاطل الحالي والمرخص الغالي أن الأستاذ شهاب الدين أحمد الأمشاطي عابها على الحاج علي ابن مقاتل إمام هذا الفن - أعني فن الزجل - حيث قال في بعض مطالعه:

جا الرسول مرحباً أهلاًبمجيه وألف سهلاً

وعاب عليه في موضع آخر لفظة ألما وأغيد فقال في آخر زجله:

دوني من ليس فعلو يحمدفي الزجل ما يصلح أفسد
ونظم ألما واغيدونصب أهلاً وسهلاً

وهذه اللفظات الأربع قد استعملها ابن قزمان وأثبتها في ديوانه ووقفت عليها.

ومما سامحوا في استعماله من هذه الألفاظ الفصيحة اللغوية لفظة الغ.

فإنهم عابوها على أحد أئمة هذا الفن. وهو محمد بن حسون لما أوردها في بعض مطالعه وهو:

ارفع قطيعك وطيب وتملاّوالغ عمن ولى

وقالوا هذا لفظة عربية خالصة.

ومن الممنوعات عند علماء هذا الفن إعراب الألفاظ بالحروف أو بالحركات، أما من الإعراب بالحروف، فكقول بن قزمان:

أنا حدو على الشراب وانفيهولا تقبل من جا يسألك فيه
هذا ريح الشراب يفوح من فيهالله قد أوقعوا بجرمو لنا

فقد أعرب في هذا البيت لفظة فيه بالياء، وهذا حكمها لأنها من الأمثلة الستة التي رفعها بالواو ونصبها بالألف وجرها بالياء، وهذا أفحش من الإعراب بالحركات.

وللأستاذ أبي عبد الله محمد بن حسون في بعض مطالعه:

مع الذي قطع قلبي هواهفم صغير يفتن لمن يراه
لو كان معو خاتماً يحاكي فاهمن صغر ولم يقدر يختمو

فقد أعرب فاه بالألف في حالة النصب وهذا حكمها.

وأما الإعراب بالحركات فكثير، وأزجالهم مشحونة منه، وقد جمع ابن حسون بين الإعراب بالحروف والحركات في لغطة فاه ولغطه فم في مطلعه.

ومن العيوب القبيحة عندهم فتح كاف الخطاب، واستعمال أدوات النحو المختصة كالسين وسوف اللتين هما في ظروف الزمان، وكاف التشبيه، وإذ، وثم، وهمزة القطع إذا كان ما قبلها محركاً بحركة إعراب كقولهم:

إن كنت اخطيت في عشقك بينياستغفر الله مما جرى مني

وكقول صفي الدين الحلي في بعض أزجاله:

ريت حبيبي في الرياض يمرحبين أقرانو وأترابو

فلو لم يحرك النون أخطأ الوزن.

وأما السين فكقول ابن قزمان:

صبي نعشق من السوقإن خطر بيك ستدريه

وأما سوف فكقول ابن الحسين بن عمير في بعض مطالعه:

جهدي نصبر على حبيب قلبيحن ظلمي وجار
سوف يرى ما يلاقي من ظلميعند نبت العذار

وأما منذ فكقول ابن قزمان في بعض مطالعه:

حق هو ليس يمزحمنذ فقدت الحبيب ليس نفرح

ومثله قول الأستاذ أبي عبد الله بن حسون في بعض مطالع أزجاله:

لي تقدير شهرمنذ عشقت الفلانية
لم نطيق سهرولا لقيت ليلة مهنية

وأما: مذ، واذ، وثم، وكاف التشبيه، فاشهر من قفا نبك في القوم.

ومن الممنوعات عندهم استعمال الحركات الثقيلة التي عابها ابن قزمان على ابن نمارة، كالمدّ الفاحش والهمز الذي تقدم ذكره، وقد استعمل هو وأهل عصره ما هو أفحش من ذلك وأثقل، وهو القائل في بيت من بعض أزجاله:

كل ثناء جميل فيه مجموعوكل شاعر بمدحو مولوع
عاليش ينكرون الجميل المصنوعوآش يفيد الإنكار

إما مكافأة وإما إقرار

فهذه المدة في لفظ ثناء أفحش من غيرها لاقترانها بالهمز والتنوين، وإثبات السكون في ينكرون أفحش.

ومن الممنوعات عندهم التشديد في غير التصغير، فإنهم مجمعون على لفظه كقولهم: فميم، وخديد، وغدير، وأما في غير التصغير فممنوع، والتشديد الذي استثقلوه في غير المصغر فكقول علي بن نمارة في مطلع زجله الذي سارت به الركبان:

كن كما شيت مهاود أو تياهأو بعيد أو قريب
من يحبك ويقدر أن يعصيكليس يسمى حبيب

فقد شدد الميم من لفظة يسمى وكان يمكنه تخفيفها مع حسن السبك والتصرف، ويقول: ذاك ما يسمى حبيب، فيفر من عقادة التشديد إلى حلاوة الرشاقة والسهولة، فالقوم نهوا عن ذلك واستعملوه وكانوا كما قال السمؤل:

وننكر إن شئنا على الناس قولهمولا ينكرون القول حين نقول
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ألا إننا للأشعري انتماؤنا»

وأما التشديد الذي لا يحمل من ثقله فكقول ابن قزمان في بعض مطالعه المسلسلة:

كيف يرى قلبي سروروحبيب قلبي منصور هجرني

سكري المراشف

غصني المعاطف

لولا ما هو مخالف

حين يرى ظلي ينفورأنا مت بالله فانظور في كفني

ومن الممنوعات المستثقلة: التنوين، وقد نهوا عنه واستعملوه، فمن ذلك قول ابن قزمان في خرجة بيت من بعض أزجاله:

ليس لذي البنيهفي الدنيا نظير
الملاح رعيهوهي كالأمير
آش قمر هيّأبهى وأملح بكثير
في جمال وطلعهوقدٍ وخدّ

فقد نون لفظة قدّ وجاءت في غاية الثقل، وكاف التشبيه في لفظة الأمير أثقل منها.

ومن الممنوعات عندهم إثبات نون الجمع، وقد عابوه على البغاددة في أزجالهم، وجعلوه من أكبر عيوبهم مع علمهم أن لغتهم تقتضي ذلك ولكن أثبتها ابن قزمان في عدة مواضع، منها قوله في خرجة بيت مطلعه:

يامن عليه للسفر علامهالحمد لله على السلامة

ويقول في خرجة بيت معتذراً من تأنيث المدام:

جايز هو لا تغمزون لماقلت مكان المدام مدامه

فقد أثبت النون في تغمزون وفتحها مع أن اللفظة مجزومة بلا الناهية.

ومن الممنوعات عندهم تضمين آية من كتاب الله ﷿، فقد نقلوا عن ابن قزمان أنه قال: القرآن الكريم لا يكون إلا معرباً والزجل لا ينبغي أن يدخله الإعراب، فمن ضمن آية من كتاب الله تعالى فقد زنم، وقد وجد له زجل في تهنئة بمولود مطلعه:

محسن اخلاقو تجدمن يهنا بولد

وقال في بعض أبياته:

اخبئوه خلف الستور

وأكثروا من النذور

وأطلقوا حولو البخور

واكتبوا بالزنجفور

من حوالين المهدقل هو الله أحد

وقال الأستاذ أبو الحسن بن عمير في مطلع زجل:

سافر حبيبي ونا بعدو مقيمأعوذ بالله السميع العليم

ومن الممنوعات عندهم وعندنا استعمال الظاء مع الضاد في قافية واحدة، وقد وجدنا لابن قزمان، وهو إمام الزجل، في بيت من أزجاله:

كذا غرض ذا العشق فيما مضى

إن صدّ محبوبك فأت في لظى

وإن نظر مرة بعين الرضا

فقد نظر ألف بعين الغضب

فلفظة لظى من ذوات الظاء لا يجوز استعمالها مع الضاد عند جميع أهل الأدب.

ومن الممنوعات عندهم، وعند جميع أهل الأدب أيضاً استعمال الذال المعجمة مع الدال المهملة، وقد وجدنا له ولغيره في مواضع كثيرة، فمن ذلك قول ابن قزمان في زجل كتبه إلى ممدوحه يطلب منه حنطة بسبب رمضان مطلعه وهو:

إش نحتج إن نقل لكقد تدري ما نريد
قوم اعطيني نصيبيمن قمحك الجديد

ويقول في خرجة بيت منه وهو:

والعيد قرب والافطارلابد من سميذ

ولفظة سميذ بالذال المعجمة، بإجماع أهل الأدب.

وقد وجدنا للاستاذ مدغليس من ذلك في بيت من أزجاله وهو:

قوم ترى النسيم يولولوالطيور عليه تغرد
والسما تنثر جواهرفوق بساط من الزمرذ
وفي وسط المرج الأخضروادي كالسيف المجرد

فلفظة الزمرد من ذوات الذال المعجمة، قلت: ذكرت بأشكال الفرق بين الذال والدال والضاد والظاء على مثل هذه الأئمة رتبة الحاج علي بن مقاتل الحموي تغمده الله برحمته ورضوانه وإجماع الناس على تقديمه لإمامه هذا الفن فإنه نظم زجلين جانس بين الذال والدال والضاد والظاء فيهما قصرت فحول الأدب عن إدراكهما، وتا الله لم ينسج الحريري في الفرق بين الضاد والظاء على منوالهما، فمطلع أحد الزجلين قوله:

إن مع معشقي جفون والحاظلو رآهم عابد لهام ولخاض
ومع انو من سحر عينيه إذاحفظوا باب أنساه صلاتو أدا

والبيت الذي نظمه بعد المطلع قوله:

حضرني لما دا يغيب عنيفي غيابو يا ماذا تحفظ فصول
حتى أنو يصير قريب منيولو أني نكون في ميدان نجول
أيش تضيق الدنيا على ذهنيولا نعرف أيش كان نريد لو نقول
واش ما قد حفظت من الفاظويضيق بي رحب المكان الفاض
ولا نطلب يومي شراب وغذاوابقى سكران طول ليلتي وغدا
يا نسيم السحر على حبي....أقري مني طيب السلام كلو
لله ووصيه بالعاشق المسبىقلبي ذاك الذي إلف طلو
وإن تيسر لك أن ترى قلبيوسال عن جسمي الضعيف قلو
انتحل من بعدك إلى أن قاظواغتسل مما بعينو فاض
وعلى خدو الدار حين قد حذاوفي بابو حادي المنية حدا
حن ذكرني في عتبووحد النهارغطتو حتى وقف على ماجرى
وبقي هو يحمار ونا نصفارونوادر مني ومنو ترى
فلا تعجب من خدّو كيف يحمارفوقو ورد الخجل وتحتو جرى
ما الحيا في الخدود إذا ما اغتاظونشف ما لوني إلى أن غاض
فلا تعجب مني ومنه فذاسر فيه ممن أنا لو فدا

هذا الزجل الذي أينع زهره في حدائق الأدب حفظته ورياحين الشبيبة غضة، ولكني شذ عني بيته الرابع لعدم التفاتي إلى المذاكرة بهذا الفن، ولما بهر المصنف رحمه الله تعالى به عقول أيمة هذا الفن، وقالوا: إنه ما نسج على منواله ولا ينسج، شفعه بزجل ثان حير فيه الإفهام، وقالت علماء هذا الفن: ما نشك أن علياً إمام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع