تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ما يشبّه بالكلب وليس هو منه

وإذا جرى الفرس المحجّل شبّهوا قوائمه بقوائم الكلب إذا ارتفعت في بطنه، فيصير تحجيلها كأنّه أكلب صغار تعدو، كما قال العمانيّ:

كأن تحت البطن منه أكلبابيضا صغارا ينتهشن المنقبا
للشاعر العماني الراجز، اقرأ القصيدة

وقال البدريّ:

كأنّ أجراء كلاب بيضدون صفاقيه إلى التّغريض

وقال الآخر:

كأنّ قطّا أو كلابا أربعادون صفاقيه إذا ما ضبعا

ويصفون الطّلع أوّل ما يبدو صغارا بآذان الكلاب البيض. وقال في ذلك الرّاجز:

أنعت جمّارا على سحيضيخرج بعد النّجم والتبعيض

طلعا كآذان الكلاب البيض

ويوصف صوت الشّخب في الإناء بهرير هراش الكلاب.

وقال أعرابيّ:

كأنّ خلفيها إذا ما هرّاجروا كلاب هورشا فهرا

وقال الآخر:

كأنّ صوت شخبها المسحنفربين الأباهيم وبين الخنصر

هراش أجراء ولما تثغر

وقال أبو دؤاد:

طويل طامح الطّرفإلى وهوهة الكلب

وزعم الهيثم بن عدي قال: كان رجل يسمّى كلبا، وكان له بنيّ يلعب في الطريق، فقال له رجل: ابن من؟ فقال: ابن وو وو وو !

ويحبّون أن يكون ذنب الكلب الصّائد يابسا، ليس له من اللحم قليل ولا كثير، ولذلك قال:

تلوي بأذناب قليلات اللّحا

وقال الشاعر:

إنّي وطلب ابن غلّاق ليقرينيكالغابط الكلب يبغي الطّرق في الذّنب

الطّرق: الشحم اليسير، يقال: ليس به طرق.

ويقال: ليس في الأرض فرخ ولا جرو ولا شيء من الحيوان أسمن ولا أرطب ولا أطيب من أجراء الكلب. وهي أشبه شيء بالحمام، فإنّ فراخ الحمام أسمن شيء ما دامت صغارا من غير أن تسمّن، فإذا بلغت لم تقبل الشحم، وكذلك أولاد الكلاب.

وقال الآخر:

وأغضف الأذن طاوي البطن مضطمرلوهوه رذم الخيشوم هرّار

الأصمعيّ قال: قال أعرابيّ: أصابتنا سنة شديدة، ثم أعقبتها سنة تتابع فيها الأمطار فسمنت الماشية، وكثرت الألبان والأسمان، فسمن ولدان الحيّ، حتّى كأنّ است أحدهم جرو يتمطّى!

أبو الحسن قال: قال أبو العبّاس أمير المؤمنين لأبي دلامة: سل! قال: كلبا.

قال: ويلك! ما تصنع بالكلب؟! قال: قلت أصيد به. قال: فلك كلب. قال: ودابّة.

قال: ودابّة. قال: وغلاما يركب الدابة ويصيد. قال: وغلاما. قال: وجارية. قال:

وجارية. قال: يا أمير المؤمنين! كلب وغلام وجارية ودابّة، هؤلاء عيال، ولا بدّ من دار. قال: ودار. قال: ولا بدّ لهؤلاء من غلّة ضيعة. قال: أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأيّ شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: أنا أقطعك خمسمائة جريب من فيافي بني أسد غامرة. قال: قد جعلنا لك المائتين عامرتين كلّها، ثمّ قال: أبقي لك شيء؟ قال: نعم، أقبّل يدك. قال: أمّا هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منه؟!.

أبو الحسن عن أبي مريم قال: كان عندنا بالمدينة رجل قد كثر عليه الدّين حتّى توارى من غرمائه، ولزم منزله. فأتاه غريم له عليه شيء يسير، فتلطّف حتّى وصل إليه، فقال له: ما تجعل لي إن أنا دللتك على حيلة تصير بها إلى الظهور والسّلامة من غرمائك؟ قال: أقضيك حقّك، وأزيدك ممّا عندي ممّا تقرّ به عينك.

فتوثّق منه بالأيمان، فقال له: إذا كان غدا قبل الصّلاة مر خادمك يكنس بابك وفناءك ويرشّ، ويبسط على دكّانك حصرا، ويضع لك متّكأ، ثمّ أمهل حتى تصبح ويمرّ الناس، ثمّ تجلس، وكلّ من يمرّ عليك ويسلّم انبح له في وجهه، ولا تزيدنّ على النّباح أحدا كائنا من كان، ومن كلّمك من أهلك أو خدمك أو من غيرهم، أو غريم أو غيره، حتّى تصير إلى الوالي فإذا كلّمك فانبح له، وإيّاك أن تزيده أو غيره على النّباح؛ فإنّ الوالي إذا أيقن أنّ ذلك منك جدّ لم يشكّ أنّه قد عرض لك عارض من مسّ فيخلّي عنك، ولا يغري عليك. قال: ففعل، فمرّ به بعض جيرانه فسلّم عليه، فنبح في وجهه، ثم مرّ آخر ففعل مثل ذلك، حتّى تسامع غرماؤه فأتاه بعضهم فسلّم عليه فلم يزده على النّباح، ثمّ آخر، فتعلّقوا به فرفعوه إلى الوالي، فسأله الوالي فلم يزده على النّباح، فرفعه معهم إلى القاضي، فلم يزده على ذلك، فأمر بحبسه أيّاما وجعل عليه العيون، وملك نفسه وجعل لا ينطق بحرف سوى النّباح، فلمّا رأى القاضي ذلك أمر بإخراجه ووضع عليه العيون في منزله، وجعل لا ينطق بحرف إلّا النباح، فلما تقرّر ذلك عند القاضي أمر غرماءه بالكفّ عنه، وقال: هذا رجل به لمم. فمكث ما شاء الله تعالى. ثمّ إنّ غريمه الذي كان علّمه الحيلة، أتاه متقاضيا لعدته فلمّا كلمه جعل لا يزيده على النّباح، فقال له ويلك يا فلان!! وعليّ أيضا، وأنا علّمتك هذه الحيلة؟! فجعل لا يزيده على النّباح، فلمّا يئس منه انصرف يائسا مما يطالبه به.

قال أبو الحسن عن سلمة بن خطّاب الأزديّ، قال: لمّا تشاغل عبد الملك بن مروان بمحاربة مصعب بن الزّبير، اجتمع وجوه الرّوم إلى ملكهم فقالوا له: قد أمكنتك الفرصة من العرب، بتشاغل بعضهم مع بعض، لوقوع بأسهم بينهم، فالرأي لك أن تغزوهم إلى بلادهم، فإنّك إن فعلت ذلك بهم نلت حاجتك، فلا تدعهم حتّى

تنقضي الحرب التي بينهم فيجتمعوا عليك! فنهاهم عن ذلك وخطّأ رأيهم، فأبوا عليه إلّا أن يغزوا العرب في بلادهم. فلمّا رأى ذلك منهم أمر بكلبين فحرّش بينهما، فاقتتلا قتالا شديدا، ثمّ دعا بثعلب فخلّاه، فلما رأى الكلبان الثعلب، تركا ماكانا فيه، وأقبلا عليه حتّى قتلاه، فقال ملك الروم: كيف ترون!؟ هكذا العرب، تقتتل بينها، فإذا رأونا تركوا ذلك واجتمعوا علينا فعرفوا صدقه، ورجعوا عن رأيهم.

قال: وقال المغيرة لرجل خاصم إليه صديقا له، وكان الصديق توعّده بصداقة المغيرة، فأعلمه الرجل ذلك، وقال: إنّ هذا يتوعّدني بمعرفتك إيّاه، وزعم أنّها تنفعه عندك. قال: أجل! إنّها والله لتنفع، وإنّها لتنفع عند الكلب العقور !.

فإذا كان الكلب العقور كذلك، فما ظنّك بغيره؟ وأنت لا تصيب من الناس من تنفع عنده المعرفة من ألف واحدا.

وهذا الكرم في الكلاب عامّ. والكلب يحرس ربّه، ويحمي حريمه شاهدا وغائبا، وذاكرا وغافلا، ونائما ويقظان، ولا يقصّر عن ذلك وإن جفوه، ولا يخذلهم وإن خذلوه.

والكلب أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجتهم إلى النوم، وإنّما نومه نهارا، عند استغنائهم عن حراسة، ثمّ لا ينام إلّا غرارا وإلّا غشاشا. وأغلب ما يكوم النّوم عليه وأشدّ ما يكون إسكارا له أن يكون كما قال رؤبة:

لاقيت مطلا كنعاس الكلب

يعني بذلك القرمطة في المواعيد.

وكذلك فإنّه أنوم ما يكون أن يفتح عينه بقدر ما يكفيه للحراسة، وذلك ساعة،

وهو في هذا كلّه [أيقظ من ذئب، و] أسمع من فرس. وأحذر من عقعق، مع بعد صوته.

وقيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.

هذا مع قلة السآمة، والصّبر على الجفوة، واحتمال الجراحات الشّداد، وجوائف الطعان ونوافذ السهام. وإذا ناله ذلك لم يزل ينظّفه بريقه؛ لمعرفته بأنّ ذلك هو دواؤه حتّى يبرأ، لا يحتاج إلى طبيب، ولا إلى مرهم ولا إلى علاج.

وتقول العرب: «الضبّ أطول شيء ذماء»، والكلب أعجب في ذلك منه.

وإنّما عجبوا من الضّبّ، لأنّه يغبر ليلته مذبوحا مفريّ الأوداج، ساكن الحركة، حتّى إذا قرّب من النار تحرّك. كأنّهم يظنّون أنّه قد كان حيا، وإن كان في العين ميّتا.

والأفعى تبقى أيّاما تتحرّك.

فأمّا الذي يعتريه الاختلاج بعد جموده ليلة، فلحم البقر والجزر، تختلج وهي على المعاليق اختلاجا شديدا.

والحيّة يقطع ثلثها الأسفل، فتعيش وينبت ذلك المقطوع.

قال: والكلب أشدّ الأشياء التي تعيش على الجراح، التي لا يعيش عليها شيء إلا الكلب، والخنزير، والخنفساء.

والكلب أشدّ الأشياء فكّا، وأرهفها نابا، وأطيبها فما، وأكثرها ريقا، يرمى بالعظم المدمج، فيعلم بالغريزة أنّه إن عضّه رضّه، وإن بلعه استمرأه.

وهو ألوف للناس، مشارك من هذا الموضع العصافير والخطاطيف والحمام والسنانير، بل يزيد على ذلك في باب الخاصّ وفي باب العامّ. فأمّا باب الخاصّ، فإن من الحمام ما هو طورانيّ وحشيّ، ومنه ما هو آلف أهلي. والخطّاف من القواطع غير الأوابد، إذا قطع إلى الإنس لم يبن بيته إلّا في أبعد المواضع، من حيث لا تناله أيديهم. فهو مقسوم على بلاده وبلاد من اضطرّته إليه الحاجة. والعصافير تكون في القرب حيث تمتنع منهم في أنفسها. والكلاب مخالطة لها ملابسة، ليس منها وحشيّ، وكلّها أهلي. وليس من القواطع ولا من الأوابد ما يكون آنس بالناس- من كثير ممّا يوصف بالأنس والإلف- من الكلاب دون سواها. وفي السّنانير الوحشيّة والأهلية.

وعلى أنّ إلف الكلب فوق إلف الإنسان الألوف، وهو في الكلب أغرب منه في الحمام والعصفور؛ لأنّه سبع، والحمام بهيمة والسبع بالسباع أشبه، فتركها ولم يناسبها، ورغب عنها. وكيف، وهو يصيد الوحوش ويمنع جميع السّباع من الإفساد؟! فذلك أحمد له وأوجب لشكره. ثمّ يصير في كثير من حالاته، آنس بالنّاس منه بالكلاب دنيّة وقصرة، ولا تراه يلاعب كلبا مادام إنسان يلاعبه. ثمّ لم

يرض بهذه القرابة وهذه المشاكلة، وبمقدار ما عليه من طباع الخطّاف والحمام والعصفور، وبمقدار ما فضّلها الله تعالى به من الأنس، حتّى صار إلى غاية المنافع سلّما، وإلى أكثر المرافق.

وليس لحارس الناس ولحارس أموالهم بدّ من كلب، وكلّما كان أكبر كان أحبّ إليه. ولا بدّ لأقاطيع المواشي من الكلاب، وإلّا فإنّها نهب للذئاب ولغير الذئاب ثمّ كلاب الصّيد، حتّى كان أكثر أهل البيت عيالا على كلّ كلب.

وقد صار اليوم عند الكلب من الحكايات وقبول التلقين، وحسن التصريف في أصناف اللّعب، وفي فطن الحكايات ما ليس في الجوارح المذلّلة لذاك، المصرّفة فيه، وما ليس عند الدبّ والقرد والفيل، والغنم المكّيّة، والببغاء.

والكلب الزّينيّ الصّينيّ يسرج على رأسه ساعات كثيرة من اللّيل فلا يتحرّك. وقد كان في بني ضبّة كلب زينيّ صينيّ، يسرج على رأسه، فلا ينبض فيه نابض، ويدعونه باسمه ويرمى إليه ببضعة لحم والمسرجة على رأسه، فلا يميل ولا يتحرّك، حتّى يكون القوم هم الذين يأخذون المصباح من رأسه، فإذا زايل رأسه وثب على اللحم فأكله!. درّب فدرب وثقّف فثقف، وأدّب فقبل. وتعلّق في رقبته الزنبلة والدّوخلّة وتوضع فيها رقعة، ثم يمضي إلى البقّال ويجيء بالحوائج.

ثمّ صار القرّاد وصاحب الرّبّاح من ثمّ يستخرج فيما بين الكلب والقرد ضروبا من العمل، وأشكالا من الفطن، حتّى صاروا يطحنون عليه، فإذا فرغ من طحنه مضوا به إلى المتمعّك، فيمعّك كما يمعّك حمار المكاري وبغل الطحّان.

وقرابة أخرى بينه وبين الإنسان: أنّه ليس شيء من الحيوان لذكره حجم باد إلا الكلب والإنسان.

والكلب بعد هذا أسبح من حيّة، ولا يتعلّق به في ذلك الثّور، وذلك فضيلة له على القرد، مع كثرة فطن القرد وتشبّهه بالإنسان؛ لأنّ كلّ حيوان في الأرض فإنّه إذا ألقي في الماء الغمر سبح، إلّا القرد والفرس الأعسر. والكلب أسبحها كلّها، حتّى إنّه ليقدّم في ذلك على البقرة والحيّة.

وفي طباع أرحام الكلاب أعجوبة؛ لأنّها تلقح من أجناس غير الكلاب، ويلقحها كما يلقح منها، وتلقح من كلاب مختلفة الألوان، فتؤدّي شبه كلّ كلب، وتمتلئ أرحامها أجراء من سفاد كلب، ومن مرة واحدة، كما تمتلئ من عدّة كلاب ومن كلب واحد. وليست هذه الفضيلة إلّا لأرحام الكلاب.

قالوا: والزّنج صنفان، قبيلة زنجيّة فوق قبيلة، وهما صنفان: النمل والكلاب، فقبيلة هم الكلاب، وقبيلة هم النمل، فخر هؤلاء بالكثرة، وفخر هؤلاء بالشدّة.

وهذان الاسمان هما ما اختاراهما لأنفسهما ولم يكرها عليهما.

قال: ويقال إنّ النبي ﷺ قال لعتبة بن أبي لهب: «أكلك كلب الله» فأكله الأسد. [ففى هذا الخبر فائدتان]. فواحدة: قد ثبت بذلك أنّ الأسد كلب الله.

والثانية: أنّ الله ﵎ لا يضاف إليه إلّا العظيم، من جميع [الأشياء من] »

الخير والشرّ. فأما الخير فقولك: بيت الله، وأهل الله، وزوّار الله، وكتاب الله، وسماء الله، وأرض الله، وخليل الله، وكليم الله، وروح الله، وما أشبه ذلك. وأما الشرّ

فكقولهم: دعه في لعنة الله وسخط الله، [وأليم عذابه]، ودعه في نار الله وسعيره، وما أشبه ذلك. وقد يسمّي المسلمون والنّاس كلبا.

وقد زعم آخرون: أنّ بنات آوى، والثعالب والضّباع، والكلاب كلّها كلاب، ولذلك تسافد وتلاقح.

وقال آخرون: لعمري إنّها الكلاب إذا أردتم أن تشبّهوها، فأمّا أن تكون كلابا لعلّة أو علّتين- والوجوه التي تخالف فيها الكلاب أكثر فإنّ هذا ممّا لا يجوز.

وقول من زعم أنّ الجواميس بقر وأنّ الخيل حمر، أقرب إلى الحقّ من قولكم، وقول من زعم أنّ الجواميس ضأن البقر. والبقر ضأن أيضا، ولذلك سمّوا بقر الوحش نعاجا، كأنهم إنما ابتغوا اتّفاق الأسماء.

وما بال من زعم أنّ الأسد والذئب والضبع والثعلب وابن آوى كلاب أحقّ بالصواب ممّن زعم أنّ الجواميس ضأن والبقر ضأن والماعز كلها شيء واحد. وهذا أقرب إلى الإمكان؛ لتشابهها في الظّلف والقرون والكروش وأنّها تجترّ. والسّنّور والفهد والنمر والببر والأسد والذئب والضبع والثّعلب إلى أن تكون شيئا واحدا أقرب. وعلى أنّنا لم نتبين إلى الساعة أنّ الضّباع والكلاب وبنات آوى والذئاب تتلاقح؛ وما رأينا على هذا قط سمعا ولا عسبارا، ولا كلّ ما يعدّون. وما ذكرهم لذلك إلّا من طريق الإخبار عن السّرعة، أو عن بعض ما يشبه ذلك. فأمّا التلاقح والتركيب العجيب الغريب، فالأعراب أفطن- والكلام عندهم أرخص- من أن يكونوا وصفوا كلّ شيء يكون في الوحش، وكلّ شيء يكون في السّهل والجبل، مما إذا جمع جميع أعاجيبه لم يكن أظرف ولا أكثر ممّا يدّعون من هذا التّسافد والتّلاقح والتراكيب في الامتزاجات. فكيف يدعون ما هو أظرف، والذي هو أعجب وأرغب، إلى ما يستوي في معرفته جميع الناس؟!.

وقال آخرون: ليس الكلب من أسماء الأسد، كما أن ليس الأسد من أسماء الكلب، إلّا على أن تمدحوا كلبكم فيقول قائلكم: ما هو إلّا الأسد؛ وكذلك القول في الأسد إذا سمّيتموه كلبا، وذلك عند إرادة التصغير والتحقير، والتأنيب والتقريع؛ كما يقال ذلك للإنسان على جهة التشبيه.

فإن كان النبي ﷺ قال ذلك فإنّ ذلك على بعض ما وصفنا لك. ويقول أهل حمص: إنهم لا يغلبون؛ لأن فيها نور الله في الأرض. وما كلب الله إلا كنور الله.

والله، ﵎ علوّا كبيرا، لا تضاف إليه الكلاب والسنانير والضّباع والثعالب.

والنبي ﷺ لم يقل هذا قطّ. وإن كان قاله فعلى صلة كلام أو على حكاية كلام.

وقال صاحب الكلب: قد وضح الأمر، وتلقّاه الناس بالقبول، في أنّ النبي ﷺ قال: «أكلك كلب الله» وهو يعني الأسد. ومن دفع هذا الحديث فقد أنكر علامات الرسول ﷺ.

والنّاس قد سمّوا الناس بكلب وكليب وكلاب وأكلب ومكاليب ومكالبة بنو ربيعة، وكليب بن ربيعة بن عامر. وفي العرب من القبائل كلب، وبنو الكلبة، وبنو كلاب، وأكلب بن ربيعة بن نزار عمارة ضخمة. وكلب بن وبرة جذم من الأجذام وهم نفر جمجمة، وكلّ سادات فهو يكنى أبا كليب، ومن ذلك عمرو ذو الكلب وأبو عمرو الكلب الجرمي وأبو عامر الكلب النحوي. وكيف لا يجوز مع ذلك أن يسمّى الأسد بالكلب، وكلّ هؤلاء أرفع من الأسد؟! وقد قالوا: كلب الماء، وكلب الرحى. والضّبّة التي في الرحل يقال لها الكلب، والكلب: الخشبة التي تمنع الحائط من السّقوط، وتشخص في القناطر والمسنّيات.

والكلب الذي في السماء ذو الصّور.

ويقال: داء الكلب، وقد اعتراه في الطعام كلب، وقد كلب عليهم في الحرب، و «دماء القوم للكلبى شفاء».

ومنه الكلبة والكلبتان والكلّاب والكلّوب ثمّ المكلّب والمكلب وهذا مختلف مشتق من ذلك الأصل.

ومنه علّويه كلب المطبخ، وحمويه كلب الجنّ.

ولما شهد أبو علقمة المزنيّ عند سوّار بن عبد الله أو غيره من القضاة وتوقّف في قبول شهادته، قال له أبو علقمة: لم توقّفت في إجازة شهادتي؟ قال: بلغني أنّك تلعب بالكلاب والصّقور. قال: من خبّرك أنّي ألعب فقد أبطل، وإذا بلغك أنّي أصطاد بها فقد صدقك من أبلغك، وإنّي أخبرك أنّي جادّ في الاصطياد بها غير لاعب ولا هازئ، فقد وقف المبلّغ على فرق ما بين الجدّ واللّعب. قال: ما وقف ولا وقّفته عليه. فأجاز شهادته.

وقد قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ

فقال لنبيّه: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ

. فاشتقّ لكلّ صائد وجارح كاسب من باز، وصقر، وعقاب، وفهد، وشاهين، وزرّق، ويؤيؤ، وباشق، وعناق الأرض، من اسم الكلب. وهذا يدلّ على أنّه أعمّها نفعا، وأبعدها صيتا،

وأنبهها ذكرا. ثمّ قال: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ

فذكر تعليمهم لها إذ أضاف ذلك إلى نفسه، ثمّ أخبر عن أدبها وأنّها تمسك على أربابها لا على أنفسها. وزعم أصحاب الصّيد أن ليس في الجوارح شيء أجدر أن يمسك على صاحبه ولا يمسك على نفسه من الكلب.

قال الله تعالى لنبيّه ﷺ: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا: رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً

. فخبّر كما ترى عن دعائهم وإخلاصهم، ثمّ قال جلّ وعزّ: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً

، ثمّ قال ﷿: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً. وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً

ثم قال: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ

ثمّ قال بعد هذه الصّفة لحالهم، والتمكين لهم من قلوب السّامعين، والأعجوبة التي أتاهم بها: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ

ثمّ قال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً

فخبّر أنّهم لم يستصحبوا من جميع من يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا غير الكلب، فإنّ ممّا يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا غير الكلب، فإنّ ممّا يألف النّاس ويرتفقون به، ويسكنون إليه: الفرس والبعير والحمار والبغل، والثّور والشاة، والحمام والدّيكة، كلّ ذلك مما يرتفق به ويستصحب في الأسفار، وينقل من بلد إلى بلد.

والناس يصطادون بغير الكلب، ويستمتعون بأمور كثيرة، فخبّر عنهم بعد أن جعلهم خيارا أبرارا، أنّهم لم يختاروا استصحاب شيء سوى الكلب، وليس يكون ذلك من الموفّقين المعصومين المؤيّدين، إلّا بخاصّة في الكلب لا تكون في غيره.

ثمّ أعاد ذكر الكلب، ونبّأ عن حاله، بأن قال ﷿: إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً. سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ. فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً

وفي قولهم في الآية ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ

دليل على أنّ الكلب رفيع الحال، نبيه الذكر، إذ جعل رابعهم، وعطف ذكره على ذكرهم، واشتقّ ذكره من أصل ذكرهم، حتّى كأنّه واحد منهم، ومن أكفائهم أو أشباههم أو ممّا يقاربهم. ولولا ذلك لقال: سيقولون ثلاثة معهم كلب لهم. وبين قول القائل معهم كلب لهم، وبين قوله رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ

- فرق بيّن وطريق واضح.

فإن قلتم: هذا كلام لم يحكه الله تعالى عن نفسه، وإنّما حكاه عن غيره، وحيث يقول: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ

وقد صدقتم، والصّفة على ما ذكرتم؛ لأنّ الكلام لو كان منكرا لأنكره الله تعالى، ولو كان معيبا لعابه الله، فإذ حكاه ولم يعبه، وجعله قرآنا وعظّمه بذلك المعنى، ممّا لا ينكر في العقل ولا في اللغة، كان الكلام إذا كان على هذه الصفة مثله؛ إذ كان الله ﷿ المنزل له.

ومثل ذلك مثّل بعض المخالفين في القدر، فإنّه سأل بعض أصحابنا فقال: هل تعرف في كتاب الله تعالى أنّه يخبر عن الاستطاعة، أنّها قبل الفعل؟ قال: نعم، أتى كثير، من ذلك قوله تعالى قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ

. قال المخالف: سألتك أن تخبرني عن الله، فأخبرتني عن عفريت لو كان بين يديّ لبزقت في وجهه! قال صاحبنا: أمّا سليمان النبيّ، ﷺ، فقد ترك النّكير عليه، ولو كان مثل هذا القول كفرا وافتراء على الله، ومغالبة وتفويضا للمشيئة إلى النفس، لكان سليمان ومن حضره من المسلمين من الجنّ والإنس أحقّ بالإنكار، بل لم يكن العفريت في هذا الموضع هو الذي يسرع فيه

ويذكر الطاعة، ولا يتقرّب فيه بذكر سرعة النفوذ، ويبشر فيه بأنّ معه من القوّة المجعولة ما يتهيأ لمثله قضاء حاجته، فيكذب ثمّ لا يرضى بالكذب حتّى يقول قولا مستنكرا، ويدّعي قوّة لا تجعل له، ثمّ يستقبل بالافتراء على الله تعالى والاستبداد عليه، والاستغناء عنه- نبيّا قد ملك الجنّ والإنس والرّياح والطير، وتسيير الجبال، ونطق كلّ شيء، ثمّ لا يزجره فضلا عن أن يضربه، ويسجنه فضلا عن أن يقتله.

وبعد، فإن الله ﵎ لم يجعل ذلك القول قرآنا، ويترك التنبيه على ما فيه من العيب، إلا والقول كان صدقا مقبولا. وبعد، فإن هذا القول قد سمعه رسول الله ﷺ، وتلاه على الناس، وما زالوا يتلونه في مجالسهم ومحاريبهم، أفما كان في جميع هؤلاء واحد يعرف معرفتك، أو يغضب لله تعالى غضبك؟!.

قال صاحب الكلب: لو اعترضت جميع أهل البدو في جميع الآفاق من الأرض، أن تصيب أهل خيمة واحدة، ليس عندهم كلب واحد فما فوق الواحد لما وجدته. وكذلك كانوا في الجاهليّة، وعلى ذلك هم في الإسلام. فمن رجع بالتخطئة على جميع طوائف الأمم، والتأنيب والاعتراض على جميع اختيارات الناس، فليتّهم رأيه؛ فإنّ رأي الفرد ولا سيّما الحسود، لا يفي برأي واحد، ولا يرى الاستشارة حظا وكيف بأن يفي بجميع أهل البدو من العرب والعجم. والدليل على أنّ البدو قد يكون في اللّغة لهما جميعا قول الله ﷿: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي

»

ولو ابتلي صاحب هذا القول بأن ينزل البادية، لتحوّل رأيه، واستبدل به رأي من قد جرّب تقريب الكلب وإبعاده. وقد قال أبو عبّاد النميري: لا يكون البنيان قرية حتى ينبح فيه كلب، ويزقو فيه ديك.

ولمّا قال أحمد بن الخاركي: لا تصير القرية قرية حتّى يصير فيها حائك ومعلّم، قال أبو عبّاد: يا مجنون إذا صارت إلى هذا فقد صارت مدينة.

وللكلب إثباته وجه صاحبه، ونظره في عينيه وفي وجهه، وحبّه له، ودنوّه منه، حتّى ربّما لاعبه ولاعب صبيانه بالعضّ الذي لا يؤثّر ولا يوجع، وهي الأضراس التي لو نشّبها في الصخر لنشبت، والأنياب التي لو أنحى بها على الحصى لرضّها.

وقد تراه وما يصنع بالعظم المدمج، وبالفقرة من الصّلب القاسي الذي ليس بالنّخر البالي، ولا بالحديث العهد بالودك الذي يلين معه بالمضغ ويطيب، فتراه كيف يرضّه ويفتّته، ثمّ إن مانعه بعض الممانعة، ووافق منه بعض الجوع، كيف يبتلعه وهو واثق باستمرائه وهضمه، أو بإذابته وحلّه.

وله ضروب من النّغم، وأشكال من الأصوات، وله نوح وتطريب، ودعاء وخوار، وهرير وعواء، وبصبصة، وشيء يصنعه عند الفرح، وله صوت شبيه بالأنين إذا كان يغشى الصيد، وله إذا لاعب أشكاله في غدوات الصّيف شيء بين العواء والأنين.

وله وطء للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء الكلب يربى على وزنه مرارا.

وإذا مرّ على واد جامد ظاهر الماء، تنكّب مواضع الخرير في أسفله.

قال الشاعر- ورأى رجلا اسمه وثّاب واسم كلبه عمرو- فقال:

ولو هيّا له اللهمن التّوفيق أسبابا
لسمّى نفسه عمراوسمّى الكلب وثّابا
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة

قال: والكلبة كثيرة الأطباء، وكذلك الخنزيرة. وللفهدة أربعة أطباء من لدن صدرها وقرب إبطيها إلى رفغيها، وللفيل حلمتان تصغران عن جثّته. وهما مما يلي الصّدر مثل الإنسان، والذّكر في ذلك يشبّه بالرجل؛ لأن للرجل ثديين صغيرين عن جثته.

ويقال: إنّ على الكلاب واقية من عبث السّفهاء والصّبيان بها. قال دريد بن الصّمّة، حين ضرب امرأته بالسيف ولم يقتلها:

أقرّ العين أن عصبت يداهاوما إن يعصبان على خضاب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أقر العين أن عصبت يداها»
فأبقاهنّ أنّ لهنّ جدّاوواقية كواقية الكلاب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أقر العين أن عصبت يداها»

وقال الآخر:

إن يقنا الله من شرّهافإنّ الكلاب لها واقيه

ويروى:

سينجيه من شرّها شرّه

وقال غيره:

ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمتإن الكلاب طويلة الأعمار

وقال بشر بن المعتمر:

الناس دأبا في طلاب الثّرافكلّهم من شأنه الختر
كأذؤب تنهشها أذؤبلها عواء ولها زفر

قال: ويقال قزح الكلب ببوله يقزح قزحا، إذا بال. قال: وقال أبو الصّقر: يقزح ببوله حين يبول، وشغر الكلب يشغر إذا رفع رجله، بال أو لم يبل. ويقال شغرت بالمرأة أشغرها شغرا إذا رفعت رجلها للنّكاح، قال: ويقال عاظل الكلب معاظلة، يعني السّفاد، قال أبو الزحف:

كمشية الكلب مشى للكلبةيبغي العظال مصحرا بالسّوءة

قال: ويقال كلب عاظل وكلاب عظّل وعظالى.

وقال حسان بن ثابت الأنصاري:

ولست بخير من يزيد وخالدولست بخير من معاظلة الكلب

قال مالك بن عبد الله الجعديّ، يوم فيف الرّيح: حدّثني أبي، لقد نظرت

يومئذ إلى بني عبد الحارث بن نمير، فما شبّهتهم إلّا بالكلاب المتعاظلة حول اللواء.

وقال أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنّة- لاعبه الحارث واليوم قال فقال منذ يومئذ.

قال: والسّلوقيّة منسوبة إلى سلوق من بلاد اليمن، لها سلاح جيّد وكلاب فرّه. وقال القطاميّ:

معه ضوار من سلوق لهطورا تعانده وتنفعه
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

قالوا: وليس في الأرض بهيمة ولا سبع أنثى تريد فطام ولدها وإخراجه من اللّبن إلى اللحم، أو من اللبن إلى العشب، إن كانت بهيمة إلّا وهي تعفر ولدها. والتعفير:

أن ترضعه وتمنعه حتى يجوع ويطلب اللحم إن كان سبعا، والعشب إن كان بهيمة.

فلا تزال تنوّله وتماطله وكلما مرّت عليه الأيّام كان وقت منعها له أطول، حتّى إذا قوي على أكل اللّحم أو العشب فطمته. قال لبيد في مثل ذلك:

أفتلك أم وحشيّة مسبوعةخذلت وهادية الصّوار قوامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»
خنساء ضيّعت الفرير فلم يرمعرض الشّقائق طوفها وبغامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»
لمعفّر قهد تنازع شلوهغبس كواسب لا يمنّ طعامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»
صادفن منها غرّة فأصبنهاإنّ المنايا لا تطيش سهامها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

لأنّ البقرة إذا كانت بحضرة ولدها لم تضيّعه ومنعت السّباع منه، وقاتلت دونه بقرونها أشدّ القتال، حتّى تنجيه أو تعطب.

قال: وكان ابن لسان الحمّرة يكنى أبا كلاب. وكان زوج حبّى المدنيّة يقال له ابن أمّ كلاب، وقال الشّاعر يذكرها:

وما وجدت وجدي به أمّ واحدولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب
رأته طويل السّاعدين شمردلاكما انبعثت من قوّة وشباب

وقال آخر يصف عيون الكلاب إذا أبصرت الصّيد:

مجزّعة غضف كأنّ عيونهاإذا آذن القنّاص بالصّيد عضرس

مجزّعة: في أعناقها جزع، وهو الودع يجعل في القلائد. يقول: تبيضّ عيونها حين تختل الصّيد. والعضرس هاهنا: البرد.

وقال الآخر:

خوص تراح إلى الصّراخ إذا غدتفعل الضّراء تراح للكلّاب

وقال آخر وذكر الضّراء، وهو يصف الشّيخ وضعفه:

ومنها أن يقاد به بعيرذلول حين تهترش الكلاب

قال: وهم عند الحاجة يعدّون الكلب والمطيّة، وأنشد:

فأعقب خيرا كلّ أهوج مهرجوكلّ مفدّاة العلالة صلدم
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكرت منا بعد معرفة لمي»

وقال الآخر:

مفدّيات وملقّبات

وأنشد قول أبي ذؤيب في شبيه بالمعنى الأوّل:

شغف الكلاب الضّاريات بهفإذا يرى الصّبح المصدّق يفزع

يقول: هذه الثّيران لما قد لقّين مع الصبح والإشراق من الكلاب، صار أحدها حين يرى ساطع الصبح يفزع، وذلك أنّها تمطر ليلتها فتشرّق في الشمس، فعندها ترسل عليها الكلاب.

ويقال إنّ أكثر ما يعرض الذّئب للغنم مع الصّبح، وإنّما رقب فترة الكلب وكلاله، لأنه بات ليلته دائبا يحرس.

وقال أعرابيّ وكسر ذئب شاة له مع الصّبح، فقال:

أودى بوردة أمّ الورد ذو عسلمن الذّئاب إذا ما راح أو بكرا
لولا ابنها وسليلات لها غررما انفكّت العين تذري دمعها دررا
كأنّما الذّئب إذ يعدو على غنميفي الصّبح طالب وتر كان فاتّأرا
اعتامها اعتامه شثن براثنهمن الضّواري اللّواتي تقصم القصرا

ولما قال النبيّ ﵊ لزيد الخيل من الخير ما قال. وسمّاه زيد الخير، ما سأله زيد شيئا، ولا ذكر له حاجة، إلّا أنّه قال: يا رسول الله، فينا رجلان يقال لأحدهما ذريح، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة تصيد الظباء، فما

ترى في صيدهم؟ فأنزل الله ﷿: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ

فأوّل شيء يعظّم في عينك شأن الكلب، أنّ هذا الوافد الكريم الذي قيل له ما قيل، وسمّي بما لم يسمّ به أحد- لم يسأل إلّا عن شأن الكلب.

وثانية وهي أعظمها: أنّ الله تعالى أنزل فيه عند ذلك آيا محكما فقال: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ

فسمّى صيدها طيّبا، ثم قال: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ

مخبرا عن قبولها للتعليم والتأديب. ثم قال: مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ

ولولا أنّ ذلك الباب من التعليم والعلم مرضيّ عند الله ﷿، لما أضافه إلى نفسه. ثم قال:

فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ

فأوّل شيء يعظم به في عينك إمساكه عليك. وهكذا يقول أصحاب الصيد، إن كل صائد فإنّما يمسك على نفسه إلّا الكلب فإنّه يمسك على صاحبه.

ولو كان الجواب لزيد الخيل سنّة من سنن النبي ﷺ لكان في ذلك الرّفعة، فكيف والكتاب فوق السّنّة.

وقد روى هشام أنّ ابن عبّاس سمّى كلاب ذريح هذه وكلاب أبي دجانة فقال:

المختلس، وغلّاب، والقنيص، وسلهب، وسرحان، والمتعاطس.

وزعم الأطبّاء أنّ من أجود أدوية الذّبحة والخانوق أن ينفح في حلق من كان ذلك به، ما جفّ من رجيع الكلاب. وأجود ذلك أن يكون يتغرغر به وربّما طلوه على جلد المحموم الحديد الحمّى.

وأجود رجيع الكلاب أن يشتدّ بياضه. وليس يعتريه البياض إلّا عن أكل الطعام، وذلك رديء للقانص منها.

والجعور قد تبيضّ إذا كان قوت صاحبها اللبن، ولذلك قال أبو كلاب- وهو ابن لسان الحمّرة- ومرّ به رجل من بني أسد فقال: قد علمت العرب يا معشر بني أسد أنّكم أشدّها بياض جعور، فعكف عليه فضربه بالسيف حتى برد.

وذلك أنّه عيّره بأنّهم لا يعرفون البقل، ولا يعرفون إلّا اللبن. وقال الشاعر يهجو ناسا منهم:

عراجلة بيض الجعور كأنّهمبمنعرج الغيطان شهب العناكب

والعرب تقول: اللّحم أقلّ الطّعام بخرا.

وقال صاحب الكلب: وما للدّيك وللكلاب، والكلاب ينزّل فيها القرآن ويحدث فيها السنن، ويشتقّ من أسمائها للنّاس وللأسد، ولها أسماء معروفة وأعراق منسوبة، وبلدان مشهورة، وألقاب وسمات، ومناقب ومقامات!! وما للدّيك إلّا ما تقول العوام: إنّه إذا كان في الدار ديك أبيض أفرق لم يدخله شيطان. وليس يقوم خير ذلك، ولو كان ذلك حقّا، بشؤمه؛ لأنّ العوامّ تقضي على من كان في داره ديك أبيض أفرق بالزندقة.

والذين يقولون إنّ الدار إذا كان فيها ديك أفرق لم يدخلها شيطان، هم الذين يقولون من أكل لحم سنّور أسود لم يضره سحر، وإذا دخّنت الدار بالدّخنة التي سمّوها بدخنة مريم، أو باللّبان، لم يكن عليها لعمّار الدّار سبيل، فإن مرّت ساحرة تطير سقطت. وهم الذين لا يشكّون أنّ من نام بين البابين تخبّطه العمّار وخبلته الجنّ.

قال: ويقال لولد الكلب والذّئب والسّنّور أشباه ذلك: جرو. ويقال للصغير من الحنظل على مثل ذلك: جرو. وقال النّمر بن تولب:

بجرو يلقّى في سقاء كأنّهمن الحنظل العاميّ جرو مفلّق
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وممّا زاد في ذكر الكلب قول السّيّد بن محمد في شأن عائشة في الحديث

الذي رووه - وكان السّيّد رافضيّا غاليا، وليس في ذكره شرف، ولكنّه أجمع للفنّ-:

تهوي من البلد الحرام فنبّهتبعد الهدوّ كلاب أهل الحوءب
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

قال: ويقال صرفت الكلبة صرافا وصروفا، وظلعت تظلع ظلوعا

قال: ومن الأمثال في ذلك: «لا أفعل حتّى ينام ظالع الكلاب». قال الأصمعيّ: هذا باطل، إنّما ذلك إذا أصاب الكلب ما يظلع منه لم يطق سفاد الكلبة حتّى تهدأ الرّجل، وحتّى تملّ الكلاب النّباح وتفترق، وتحتاج إلى النّوم لطول التعب، وإذا كان في ذلك الوقت يلتمس الظالع ورام سفاد الكلبة، لم يعرف ظلعه إلّا الكلبة. وأنشد فقال:

تسدّيتها من بعد ما نام ظالع الكلاب وأخبى ناره كلّ موقد

وأنشد غيره لجران العود:

وكان فؤادي قد صحا ثمّ هاجهحمائم ورق بالمدائن هتّف
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة
كأنّ الهديل الظّالع الرّجل وسطهامن البغي شرّيب يغرّد مترف
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

وقالوا أبياتا في غير هذا الباب، قال الأعرابيّ:

نزلنا بعبّاد فأشلى كلابهعلينا فكدنا بين بابيه نؤكل
فقلت لأصحابي أسرّ إليهمأذا اليوم أو يوم القيامة أطول

وقال آخر:

أعددت للضّيفان كلبا ضارياعندي وفضل هراوة من أرزن

وقال في خلاف ذلك مالك بن حريم الهمدانيّ:

وواحدة إلّا أبيت بغرّةإذا ما سوام الحيّ بات مصرّعا
وثانية ألّا تفزّع جارتيإذا كان جار القوم فيهم مفزّعا
وثالثة ألّا أصمّت كلبناإذا نزل الأضياف حرصا لتوزعا

قال: ويقال لحز الكلب الإناء، فهو يلحزه لحزا، ولحسه فهو يلحسه لحسا.

قال أبو يزيد: وذلك إذا لحس الإناء من باطنه. والقرو: ميلغة الكلب، فإذا كان للكلب فإنّما هو من أسفل كوز أو ما أشبه ذلك، وإلّا فالقرو أسفل نخلة ينجر ويقوّب وينتبذ فيه.

وقال الأعشى:

أرمي بها البيد إذا أعرضتوأنت بين القرو والعاصر
في مجدل شيّد بنيانهيزلّ عنه ظفر الطّائر
للشاعر الأعشى، من قصيدة «شاقتك من قتلة أطلالها»

وممّا يحاجي به النّاس بعضهم بعضا أن يقولوا: أتعرفون شيئا إذا قام كان أقصر منه إذا قعد؟ يريدون الكلب، لأنّ الكلب قعوده إقعاؤه، وهو إذا أقعى كان أرفع لسمكه، وأرفع في الهواء طولا منه إذا قام. وقال عمر بن لجأ:

عليه حنوا قتب مستقدممقع كإقعاء الكليب المعصم

ويقال أقعى الكلب إقعاء، ولا يقال قعد ولا جلس، وفي الحديث: «أنّه نهى أن يقعي أحدهم في الصلاة إقعاء الكلب».

قال صاحب الكلب: يعرف فتاء الكلب وهرمه بالأسنان، فإذا كانت سوداء كانت دليلا على كبره، وإذا كانت بيضا حادّة دلّت على الفتاء والحداثة. وقال: أسنان الذّكر أكثر.

وأصناف الحيوان المشقوقة الأفواه كالكلب والأسد والفهد موصوفات بشدّة المماضيغ والفكّ والخراطيم. كالكلب والخنزير والذئب، فأشبه الكلب الأسد في شحو الفم واتّساعه، وعلى أنّ شحو فمه على مقدار جسمه، وأشبه الذّئب والخنزير في طول الخطم وامتداد الخرطوم، ولذلك كان شديد القلب، جيّد الاسترواح. فجمع الكلب دون هذه الأصناف ما يصلح للرضّ والحطم، كما جمع ما يصلح للابتلاع والالتهام والحطم والاستمراء.

والأسد حريص واسع الشّحو، فهو يبتلع البضعة التي لو رآها الإنسان لم يظنّ أنّ حلقه يتّسع لمرور ذلك. ويقال إنّ عنقه عظم واحد واللّقم لا تجول فيه، وهو في ذلك قليل الرّيق، فلا يسلس في حلقه ما يمرّ فيه، بل يبتلع لفرط نهمه وشحو لحييه ضعفي ذلك المقدار.

وقد زعم ناس أنّ الذي يدلّ على أنّ عنق السبع عظم واحد، ضعفه عن تصريفه عنقه، فلا يلتفت إلّا معا، فيسمّى الأصيد.

وقال جران العود في الذئب:

شدّ المماضغ منه كلّ ملتفتوفي الذّراعين والخرطوم تسهيل

وقالوا في أسنان الذئب وفي أسنان بعض الحيّات بأنّها ممطولة في الفكّين، يذهب إلى أنّه عظم مخلوق في الفك، وأنّه لا يثغر. وأنشدوا:

مطلن في اللّحيين مطلأ إلىرأس وأشداق رحيبات

والحيّات توصف بسعة الأشداق، والأفاعي خاصّة هي المنعوتة بذلك.

وقال الشاعر- وهو جاهلي-:

خلقت لهازمه عزين ورأسهكالقرص فلطح من طحين شعير
ويدير عينا للوقاع كأنهاسمراء طاحت من نفيض برير
وكأنّ شدقيه إذا استعرضتهشدقا عجوز مضمضت لطهور

وممّا أشبه فيه الكلب الإنسان والأسد، أنّ كلّ واحد من هذه الأجناس إنّما له بطن واحد، وبعد البطن المعى، إلا أنّ بعض بطنها أعظم من بعض، ويناسبها في الذي ذكرنا الذئب والدّبّ، فما أكثر ما يناسبان الكلب، فلذلك صارا يتناكحان ويتلاقحان. وهذا قول صاحب المنطق. قال: وأمعاء الكلب أشبه شيء بأمعاء الحيّة، وهذا أيضا مما يزيد في قدره، لأنّه إمّا أن يشبه الإنسان، وإمّا أن يشبه رؤساء السباع ودواهي الحشرات، وكلّما كانت هذه المعاني فيه أكثر كان قدره أكبر.

قال: والكلب يحلم ويحتلم، وكذلك الفرس والحمار، والصبيّ يحلم ولا يحتلم، والثّور في هذا كله كالصبيّ. ويعرف ذلك في الكلب إذا تفزّع وأنعظ.

وزعم أنّ الاحتلام قد عوين من الفرس والبرذون والحمار.

قالوا: وليس العظال والتحام الفرجين إلّا في الكلب والذئاب، ومن أراد أن يفرّق بين الكلاب إذا تعاظلت وتسافدت رام أمرا عسيرا.

قالوا: والحيوان الذي يطاول عند السّفاد معروف، مثل الكلب والذئب والعنكبوت والجمل، وإن لم يكن هناك التحام. وإذا أراد العنكبوت السفاد جلبت الأنثى بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعلت ذلك فعل الذكر مثل ذلك، فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذّكر قبالة بطن الأنثى. وذلك شبيه بعادات الضفادع.

وقال أبو الحسن عن بعض الأعراب، قال: إذا هجم الرّجل على الذّئب والذّئبة وهما يتسافدان، وقد التحم الفرجان، قتلهما ذلك الهاجم عليهما كيف شاء، لأنّهما قليلا ما يوجدان كذلك، لأنّ الذئب وحشيّ جدّا وشهيّ جدّا، صاحب قفرة وخلوة، وانفراد وتباعد، وإذا أراد الذّئبة توخّى موضعا من القفار لا يطؤه الأنيس، خوفا على نفسه، وضنّا بالذي يجد في المطاولة من اللّذة.

وحدّثني أحمد بن المثنّى قال: خرجت إلى صحراء خوخ لجناية جنيتها وخفت الطّلب، وأنا شابّ، إذ عرض لي ذئب فكنت كلّما درت من شقّ استدار بي، فإذا درت له دار من خلفي، وأنا وسط برّيّة لا أجد معينا إلّا بشيء أسند إليه ظهري، وأصابني الدّوار، وأيقنت بالهلكة. فبينا أنا كذلك وقد أصابني ما أصابني- وذلك هو الذي أراده الذّئب وقدّره- إذا ذئبة قد عرضت، وكان من الصّنع وتأخير الأجل أنّ ذلك كان في زمن اهتياجها وتسافدها، فلما عاينها تركني وقصد نحوها، فما تلعثم أن ركبها. وقد كنت قرأت في بعض الكتب أنّها تلتحم، ففوّقت سهمي وهما ينظران إليّ، فلمّا لم أر عندهما نكيرا حقّق ذلك عندي ما كان في الكتاب من تلاحمهما، فمشيت إليهما بسيفي حتّى قتلتهما.

قال: ومما يعدّ للكلاب أنّها كثيرا ما تلقح وتلقح لحال الدّفء أو الخصب، والكلب والخنزير في ذلك سواء، ولا يكاد غيرهما من الأصناف يتلاقح في ذلك الزمان. فالكلب كما ترى ينازع أيضا مواضع الإساءة والمحاسن في جميع الحيوان.

قال: وإناث الكلاب تصعب أخلاقها إذا كان لها جراء. وكلّ شيء له بيض أو جراء أو فراخ فأسوأ ما يكون خلقا وأنزق وأكثر ما يكون أذى وأعرم- إذا كان كذلك، إلّا إناث البقر.

والكلب كلما كان أسنّ كان صوته أجهر وأغلظ.

قال: والكلب ينزو إذا تمّت له ستّة أشهر، وربّما كان ذلك منه وهو ابن ثمانية أشهر. والكلبة الأنثى تحمل واحدا وستين يوما، أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن يتمّ لحملها ستّون يوما، ولا يبقى الجرو ولا يثربّى إذا قصّر عن ذلك، والأنثى تصلح أن ينزى عليها بعد ستّة أشهر

والكلبة والحجر والمرأة وغير ذلك، يكون أوّل نتاجها أصغر جثّة، وكذلك البيض إذا كان بكرا، وكذلك ما يخرج منه من فرّوج أو فرخ.

وذكور الكلاب تهيج قبل الإناث في السّنّ، والإناث تهيج قبلها في وقت حركتها، وكلما تأخّر وقت الحدث إلى تمام الشّباب كان أقوى لولده.

والكلاب لا تريد السّفاد عمرها كله، بل إلى وقت معلوم.

وهي تلقح إلى أن تبلغ ثماني عشرة سنة، وربما انتدرت الكلبة فبلغت العشرين.

والكلاب أجناس كثيرة: الكلب السلوقيّ يسفد إذا كان ابن ثمانية أشهر، والأنثى تطلب ذلك قبل الثمانية، وذلك عند شغور الذكر ببوله. والكلبة تحمل من نزو واحد. وقد عرف ذلك الذين عرفوا الكلاب وحضروا ليعرفوا ذلك. قال: والكلبة السّلوقيّة تحمل سدس السنة ستّين يوما، وربّما زادت على ذلك يوما أو يومين.

والجرو إذا وضع يكون أعمى اثني عشر يوما ثمّ يبصر، والكلبة تسفد بعد وضعها في الشهر الثاني، ولا تسفد قبل ذلك.

ومن إناث الكلاب ما تحمل خمس السنة، يعني اثنين وسبعين يوما، وإذا وضعت الجراء تكون عمياء اثنين وعشرين يوما.

ومن أصناف الكلاب ما يحمل ربع السنة، أعني ثلاثة أشهر، وتضع جراء وتبقى كذلك سبعة عشر يوما، ثمّ ترضع جراءها على عدد أيّامها التي لا تبصر فيها.

وزعم أنّ إناث الكلاب تحيض في كلّ سبعة أيام، وعلامة ذلك ورم أثفارها، ولا تقبل السفاد في ذلك الوقت، بل في السبعة التي بعدها ليكون ذلك تمام أربعة عشر يوما أكثر ما يكون، وربما كان كذلك لتمام ستّة عشر يوما.

قالوا: وإناث الكلاب تلقي بعد وضع الجراء رطوبة غليظة بلغميّة، وإذا وضعتها بعد الجراء اعتراها هزال، وكذلك عامّة الإناث. ولبنها يظهر في أطبائها قبل أن تضع بخمسة أيام أكثر ذلك. وربما كثر اللبن في أطبائها قبل ذلك بسبعة أيام، وربّما كان ذلك في مقدار أربعة أيام. ولبنها يظهر ويجود إذا وضعت من ساعتها. قال: فأمّا السلوقيّة فيظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوما، ويكون لبنها أوّل ما تضع غليظا، فإذا أزمن رقّ ودقّ. ولبن الكلاب يخالف لبن سائر الحيوان بالغلظ، بعد لبن الخنازير والأرانب.

وقد تكون علامة مبلغ سفادها مثل ما يعرض للنّساء من ارتفاع الثّديين.

ومعرفة ذلك عسيرة، وهذه علامات تظهر لأناث الكلاب. وذكورة الكلاب ترفع أرجلها وتبول لتمام ستّة أشهر، ومنها ما لا يفعل ذلك إلى أن يبلغ ثمانية أشهر، ومنها ما يعجّل قبل ذلك. قال: ونقول بقول عامّ إنّ الذكور تفعل ذلك إذا قويت، فأمّا الإناث فهي تبول مقعية، ومنها ما تشغر.

وأكثر ما تضع الكلبة اثنا عشر جروا، وذلك في الفرط، وأكثر ذلك الخمسة والسّتة، وربّما وضعت واحدا. فأمّا إناث السلوقّية فهي تضع ثمانية أجراء، وإناثها وذكورها تسفد ما بقيت، ويعرض للكلاب السلوقيّة عرض خاصّ: وهي أنّها كلّما بقيت كانت أقوى على السّفاد.

وذكورة السلوقيّة تعيش عشر سنين، والإناث تعيش اثنتي عشرة سنة، وأكثر أجناس الكلاب تعيش أربع عشرة سنة. وبعض الأجناس تبقى عشرين سنة.

قال: وإناث الكلاب أطول أعمارا من الذكور، وكذلك هي في الجملة، وليس يلقي الكلب من أسنانه سنّا ما خلا النّابين، وإنّما يلقيهما إذا كان ابن أربعة أشهر.

قال: ومن أجل أنّ الكلاب لا تلقي غير هذين النّابين يشكّ بعض الناس أنها لا تلقى سنّا البتّة.

قال: وللكلاب ثلاثة أصناف من المرض، وأسماؤها: الكلب بفتح اللام، والذبحة، والنقرس. والكلب جنون، فإن عرض لشيء من الحيوان كلب أيضا أماته، ما خلا الإنسان. وهو داء يقتل الكلاب، وتقتل به الكلاب كلّ شيء عضّته، إلّا الإنسان فإنّه يعالج فيسلم.

قال: وداء الكلب يعرض للحمار، فأمّا الجنون وذهاب العقل فإنّه يصيب كلّ شيء، فمن ذلك ما يصيب الدوابّ، فإنّ منها ما يصرع كما يصرع المجنون.

والسائس من الدواب: الذاهب العقل.

وقد كان شأن أعين الطبيب عجبا، وذلك أنّه كان يصرع، واتّفق أنّه كان له بغل يصرع، فكان ربّما اتّفق أن يصرعا جميعا ! وقد رأى ذلك كثير من أصحابنا البصريّين.

والصّرع عامّ في الحيوان، ليس يسلم منه صنف منها حتّى لا يعرض له منه شىء. والإنسان فوق جميع الحيوان تعذيبا، وكذلك هو في العقل والمعرفة والاحتيال له، مع دفع المضرّة واجتلاب المنفعة، وما أكثر ما يعتريهم ذلك. ومن ذلك ما يذهب، ومن ذلك ما لا يذهب.

وقد كان بختيشوع المتطبّب عرض له ذلك، وقد كان عرض لعبد الملك بن قريب فذهب عنه. وربّما عرض للرّجل الذي لا يظنّ به ذلك في بيان ولا تبيين، ولا

في أدب، ولا في اعتدال من الأخلاط، والصحّة من المزاج، ثمّ لا يعرض من ذلك إلّا ما لا حيلة له فيه، كما كان يعرض لبشر بن أبي عمرو بن العلاء النحويّ المازنيّ وكما عرض لعبد الرحمن ومنصور الأسدّيين، فما زالا كذلك حتّى ماتا، ولم يبلغنا أنهما صرعا.

والموتة جنس من الصّرع، إلّا أنّ صاحبه إذا أفاق عاد إلى كمال عقله كالنائم والسكران والمغشيّ عليه، وإن عاش صاحب الموتة في ذلك مائة عام.

وليس يلقى شيء من الحيوان في هذا الباب كما يلقى الورشان.

وأمّا السّكر فليس شيء من الحيوان إلّا وهو يسكر، واختلاف سكره كاختلاف سكر الإنسان، فإنّ من الناس من تراه يتحدّث وهو يشرب فلا تنكر منه شيئا، حتّى يغلب عليه نوم السّكر ضربة واحدة، ومنهم من تراه والنبيذ يأخذ منه الأوّل فالأوّل، وتراه كيف تثقل حركته، ويغلظ حسّه ويتمحّق، حتى يطيش عليه السّكر بالعبث، ويطبق عليه النوم. ومنهم من يأخذه بالعبث لا يعدوه. ومنهم من لا يرضى بدون السّيف، وإلا بأن يضرب أمّه ويطلّق امرأته. ومنهم من يعتريه البكاء، ومنهم من يعتريه الضّحك، ومنهم من يعتريه الملق والتّفدية، والتّسليم على المجالس، والتّقبيل لرؤوس الناس، ومنهم من يرقص ويثب، ويكون ذلك على ضربين: أحدهما من العرض وفضل الأشر، والآخر تحريك المرارة، وهي علّة الفساد وهيجان الآفة.

وكلّ هذه الحالات والصّور، والعنوت، والأجناس، والتوليد، الذي يختلف في طبائع الناس، وطبائع الأشربة؛ وطبائع البلدان والأزمان والأسنان، وعلى قدر الأعراق والأخلاق، وعلى قدر القلّة والكثرة، وعلى قدر التصريف والتوفيق، قد وجدوه في جميع أصناف الناس والحيوان، إلّا أنّ في الناس واحدة لم توجد في سائر الحيوان قط، فإنّ في الناس من لا يسكر البتّة، كان [منهم] محمد بن الجهم وأبو عبد الله العمّيّ.

وكان بين عقل زبيد بن حميد إذا شرب عشرة أرطال، وبين عقله إذا ابتدأ الشرب، مقدار صالح.

وإمّا العمّيّ فإنّ بني عبد الملك الزياديّين دعوني مرّة ليعجّبوني منه، ولم ينبّهوني على هذه الخاصّة التي فيه، لأكون أنا الذي أنتبه عليه، فدخلت على رجل ضخم فدم غليظ اللسان، غليظ المعاني، عليه من الكلام أشل المؤنة، وفي معانيه اختلاف، ليس منها شيء يواتي صاحبه ولا يعاونه ولا يشاركه ولا يناسبه، وحتّى ترى أنّ أذنه في شقّ ولسانه في شقّ، وحتّى تظنّ أنّ كلامه كلام محموم أو مجنون، وأنّ كلّ واحد منهما يقطع نظام المعاني، ويخلط بين الأسافل والأعالي. فشرب القوم شرب الهيم، وكانت لهم أجساد مدبرة، وأجواف منكرة، وكنت كأنّي رجل من النّظّارة. فما زال العمّيّ يشرب رطلا، ويرقّ لسانه، وينحلّ عقده، ويصفو ذهنه، ويذهب كدره. ولو قلت إنّي لم أر مثله حسن نفس كنت صادقا. فالتفت إليّ القوم أجمعهم فقالوا: لولا هذا العجب ما عجّبناك اليوم مع حداثة عهدنا بك.

وزعم العمّيّ وكان كثير المنازعة عند القضاة، أنّه كان إذا قارب العشرة الأرطال ثمّ نازع الخصوم، كان ذلك اليوم الذي يفوت فيه ذرع الخصوم للحن بحجّته، ويستميل فيه رأي القاضي المنعقد في مجلسه الطويل، القطوب في وجه من نازع إليه.

وقال الشاعر:

وجدت أقلّ النّاس عقلا إذا انتشىأقلّهم عقلا إذا كان صاحيا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أرى الخمر تربي في العقول فتنتضي»
تزيد حسى الكاس السّفيه سفاهةوتترك أخلاق الرّجال كما هيا

قال: وهذا شعر بعض المولّدين، والأعاريب لا تخطئ هذا الخطأ؛ قد رأينا أسفه الناس صاحيا أحلم الناس سكران؛ وهو مرداس صاحب زهير، ورأينا أحسن

النّاس خلقا وأوزنهم حلما، حتّى إذا صار في رأسه رطل كان أخفّ من فراشة، وأكثر نزوا من جرادة رمضة، فإنّ المثل بها يضرب.

وكان سبب ما له عرف أصحابنا سكر البهائم. أنّ محمّد بن عليّ بن سليمان الهاشميّ لمّا شرب على علّويه كلب المطبخ، وعلى الدّهمان، وعلى شرّاب البصريّين، وعلى كلّ من نزع إليه من الأقطار، وتحدّاه من الشرّاب الجوادّ من الشّرّاب، أحبّ أن يشرب على الإبل من البخاتيّ والعراب، ثمّ على الظّلف من الجواميس والبقر، ثم على الخيل العتاق والبراذين، فلمّا فرغ من كلّ عظيم الجثة واسع الجفرة. صار إلى الشاء والظّباء، ثمّ صار إلى النّسور والكلب وإلى ابن عرس، وحتّى أتاهم حاو فأرغبوه، فكان يحتال لأفواه الحيّات حتّى يصبّ في حاقّ أجوافها بالأقماع المدنيّة، وبالمساعط، ويتّخذ لكلّ شيء شكله، وكان ملكا تواتيه الأمور، وتطيعه الرجال، فأبصروا تلك الاختلافات في هذه الأجناس المختلفة.

فخبّرني أبو إسحاق إبراهيم النّظام، وقد كان جالسه حينا- وكان إبراهيم مأمون اللّسان، قليل الزّلل والزّيغ في باب الصدق والكذب. ولم أزعم أنّه قليل الزّيغ والزّلل على أنّ ذلك قد كان يكون منه وإن كان قليلا، بل إنّما قلت على مثل قولك: فلان قليل الحياء، وأنت لست تريد هناك حياء البتة، وذلك أنّهم ربّما وضعوا القليل في موضع ليس. وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنّه، وجودة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله. فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص، ولكنّه كان يظنّ ثمّ يقيس عليه وينسى أنّ بدء أمره كان ظنّا فإذا أتقن ذلك وأيقن، جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحّة معناه. ولكنّه كان لا يقول سمعت، ولا رأيت. وكان كلامه إذا خرج مخرج الشّهادة القاطعة لم يشكّ السامع أنّه إنّما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته.

فحدّثني إبراهيم قال: شهدت أكثر هذه التّجرية التي كانت منهم في إسكار البهائم وأصناف السباع، ولقد احتال لأسد مقلّم الأظفار ينادى عليه: العجب العجب!! حتى سقاه وعرف مقداره في الاحتمال، فزعم، أنّه لم يجد في جميع الحيوان أملح سكرا من الظّبي. ولولا أنّه من الترفّه لكنت لا يزال عندي الظّبي حتّى أسكره وأرى طرائف ما يكون منه.

قال: وإناث الكلاب السّلوقيّة أسرع تعلّما من الذّكورة.

قال: وجميع أصناف السباع ذكورتها أجرأ وأمضى وأقوى، إلّا الفهدة والذّيبة.

والعامّة تزعم أنّ اللّبؤة أجرأ من الأسد، وليس ذلك بشيء، وهو أنزق وأحدّ، وأفرق من الهجهجة، وأبعد من التصميم وشدّة الصّولة.

قال بشر بن سعيد: كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له عروة بن مرثد، نزل ببني أخت له في سكّة بني مازن، وبنو أخته من قريش، فخرج رجالهم إلى ضياعهم وذلك في شهر رمضان، وبقيت النّساء يصلّين في مسجدهم، فلم يبق في الدار إلّا كلب يعسّ، فرأى بيتا فدخل وانصفق الباب، فسمع الحركة بعض الإماء فظّنوا أنّ لصّا دخل الدار فذهبت إحداهنّ إلى أبي الأعزّ، وليس في الحيّ رجل غيره، فأخبرته فقال أبو الأعزّ: ما يبتغي اللصّ منّا؟! ثمّ أخذ عصاه وجاء حتّى وقف على باب البيت فقال: إيه يا ملأمان ! أما والله إنّك بي لعارف، وإنّي بك أيضا لعارف، فهل أنت إلا من لصوص بني مازن، شربت حامضا خبيثا، حتّى إذا دارت الأقداح في رأسك منّتك نفسك الأماني، وقلت دور بني عمرو، والرّجال خلوف، والنّساء يصلّين في مسجدهنّ، فأسرقهنّ! سوءة والله، ما يفعل هذا الأحرار! لبئس والله ما منّتك نفسك! فاخرج وإلّا دخلت عليك فصرمتك منّي العقوبة! لايم الله لتخرجنّ أو لأهتفنّ هتفة مشؤومة عليك، يلتقي فيها الحيّان: عمرو وحنظلة، ويصير أمرك إلى

تباب، ويجيء سعد بعدد الحصى، ويسيل عليك الرّجال من هاهنا وهاهنا!! ولئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود في بني تميم!! فلما رأى أنّه لا يجيبه أخذه باللّين وقال:

اخرج يا بنيّ وأنت مستور، إنّي والله ما أراك تعرفني، ولو عرفتني لقد قنعت بقولي واطمأننت إليّ، أنا عروة بن مرثد أبو الأعزّ المرثديّ، وأنا خال القوم وجلدة ما بين أعينهم لا يعصونني في أمر، وأنا لك بالذّمة كفيل خفير، أصيّرك بين شحمة أذني وعاتقي لا تضارّ، فاخرج فأنت في ذمّتي، وإلا فإنّ عندي قوصرّتين إحداهما إلى ابن أختي البارّ الوصول. فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من الله تعالى ورسوله ﷺ.

وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق، وإذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهافت الأعرابيّ، أي تساقط، ثمّ قال: يا ألأم الناس وأوضعهم، ألا يأني لك أنّا منذ الليلة في واد وأنت في آخر، إذا قلت لك السّوداء والبيضاء تسكت وتطرق، فإذا سكتّ عنك تريغ المخرج؟! والله لتخرجنّ بالعفو عنك أو لألجنّ عليك البيت بالعقوبة! فلما طال وقوفه جاءت جارية من إماء الحيّ فقالت: أعرابيّ مجنون!! والله ما أرى في البيت شيئا!! ودفعت الباب فخرج الكلب شدّا، وحاد عنه أبو الأعزّ مستلقيا، وقال:

الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفاني منك حربا!! ثم قال: تالله ما رأيت كاللّيلة، ما أراه إلّا كلبا!! أما والله لو علمت بحاله لو لجت عليه.

قال صاحب الديك: في الدّيك الشّجاعة، وفي الديك الصّبر عند اللّقاء، وهم لا يجدون الصّبر تحت السّياط والعصا، إلّا أن يكون ذلك موصولا بالصّبر في الحرب على وقع السّلاح.

وفي الدّيك الجولان، وهو ضرب من الرّوغان، وجنس من تدبير الحرب، وفيه الثّقافة والتسديد؛ وذلك أنّه يقدّر إيقاع صيصيته بعين الديك الآخر ويتقرّب إلى المذبح فلا يخطئ.

وهم يتعجّبون من الجزّار، ويضربون به المثل إذ كان لا يخطئ اللّبّة، ومن اللحّام إذا كان لا يخطئ المفصل، ولذلك قالوا في المثل: «يطبّق المحزّ ولا يخطئ

المفصل!». وهذا القول يذمّون به ويمدحون. والديك في ذلك أعجب، وله مع الطّعنة سرعة الوثبة، والارتفاع في الهواء. وسلاحه طرير، وفي موضع عجيب، وليس ذلك إلّا له، وبه سمّى قرن الثور صيصية، ثم سمّوا الآطام التي كانت بالمدينة للامتناع بها من الأعداء صياصي، قال الله ﷿: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ

. والعرب تسمّي الدّارع وذا الجنّة صاحب سلاح، فلما كان اسم سلاح الديك وما يمتنع به صيصية، سمّوا قرن الثور الذي يجرح صيصية. وعلى أنّه يشبّه في صورته بصيصية الديك وإن كان أعظم. ثمّ لمّا وجدوا تلك الآطام معاقلهم وحصونهم وجنّتهم، وكانت في مجرى التّرس والدرع والبيضة، أجروها مجرى السلاح، ثم سمّوها صياصي. ثمّ أسموا شوكة الحائك التي بها تهيّأ السّداة واللّحمة صيصية إذ كانت مشبّهة بها في الصورة، وإن كانت أطول شيئا؛ ولأنّها مانعة من فساد الحوك والغزل؛ ولأنّها في يده كالسلاح، متى شاء أن يجأ بها إنسانا وجأه به.

وقال دريد بن الصّمّة:

نظرت إليه والرّماح تنوشهكوقع الصّياصي في النّسيج الممدّد

وقد تسمّي العرب إبرة العقرب شوكة، كما تسمّي صيصية الديك شوكة، وهي من هذا الوجه شبيهة بشوك النّخل.

ويقال لمن ضربته الحمرة. قد ضربته الشّوكة؛ لأنّ الشّوكة إذا ضربت إنسانا، فما أكثر ما تعتريه من ذلك الحمرة.

وقد قال القطاميّ في تسمية إبرة العقرب شوكة:

سرى في جليد الأرض حتّى كأنّماتخزم بالأطراف شوك العقارب

وتوصف الحجر وتشبّه بالشّوكة؛ لأنّ الشّوكة غليظة المآخر، لطيفة المقادم. والشّوك والسّلّاء سواء. وقال في ذلك علقمة بن عبدة يصف الحجر:

سلّاءة كعصا النّهديّ غلّ لهاذو فيئة من نوى قرّان معجوم

ومن سمّى إبرة العقرب حمة فقد أخطأ. وإنّما الحمة سموم ذوات الشعر كالدّبر والزّنابير، وذوات الأنياب والأسنان كالأفاعي وسائر الحيات، وسموم ذوات الإبر من العقارب. فأمّا البيش وما أشبهه من السّموم، فليس يقال له حمة.

وها هنا أمور لها سموم في خراطيمها، كالذّبّان والبعوض وأشياء من الحشرات تعضّ وربّما قتلت، كالشّبث وسامّ أبرص. والطّبّوع شديد الأذى، والرّتيلاء ربما قتلت، والضّمج»

دون ذلك، وعقارب طيّارة: ولم نرهم يسمّون جميع السّموم بالحمة، فقلنا مثل ما قالوا، وانتهينا إلى حيث انتهوا.

وقد يعرف بعض النّاس بأنّه متى عضّ قتل، كان منهم صفوان أبو جشم الثّقفيّ، وداود القرّاد.

وسيقع هذا الباب في موضعه على ما يمكننا إن شاء الله تعالى.

والناس يسمّون الرّجل إذا بلغ من حرصه ألّا يدع ذكرا، غلاما كان أو رجلا،

وخصيّا كان أو فحلا، إلّا نكحه من فرط غلمته، ومن قوّة فحلته: صيصية. ويقولون:

ما فلان إلا صيصية، وهو عندهم اسم لمن اشتدّ لواطه؛ تشبيها منهم بصيصية الديك في الحدّة والصّلابة.

وللديك انتصابه إذا قام، ومباينته صورة في العين لصورة الدجاجة، وليس هذا الفرق الواضح من جميع الإناث والذكور موجودا إلّا فيه، وليس ذلك للحمام والحمامة، ولا للحمار والحمارة، ولا للبرذون والرّمكة ولا للفرس والحجر، ولا للجمل والنّاقة؛ وليس ذلك إلّا لهذه الفحولة لأنّها كالرّجل والمرأة، والتّيس والظبية، والدّيك والدّجاجة وكالفحّال والنخلة المطعمة. ألا ترى أنّك لو رأيت ناقة مقبلة لم تدر أناقة هي أم جمل، حتى تنظر إلى موضع الثّيل والضّرع، وإلى موضع الحيا.

وكذلك العنز، وكذلك جميع ما وصفت، إلّا أن يدّعوا أن للعامة أو لبعض الخاصة في ذلك خصوصيّة. ولذلك ضربوا المثل بالتّيس والنخلة والفحّال، فاشتقوا من هذا الفحل. وهذا أيضا من خصال الدّيك.

ثمّ للديك لحية ظاهرة، وليست تكون اللّحى إلّا للجمل فإنّه يوصف بالعثنون، وإلّا للتّيس وإلّا للرّجل. وقال الرّاجز في الجمل:

مختلط العثنون كالتّيس الأحمّسام كأنّ رأسه فيه وذم

إذ ضمّ من قطريه هياج قطم

ثمّ الديك بعد صاحب اللّحية والفرق. وقالت امرأة في ولدها وزوجها:

أشهب ذي رأس كرأس الديك

أمّا قولها أشهب، فإنّها تريد أنّ شعر جسده قد ابيضّ من الكبر، وإنّما جعلت شعر رأسه كرأس الديك لأنّه كان مخضوب الرأس واللّحية بالحمرة، ثمّ لم ترض له بشبه الرجال من هذا الوجه حتّى جعلت رأسه أفرق، وذلك شيء من الجمال والوقار والفضل، لايتهيّأ للناس مع كمالهم وتمامهم إلّا بالتكلف والاحتيال فيه.

ثمّ يبلغ من شدّة تعجله ومن قوّته على السّفاد، وعلى الباب الذي يفخر به الإنسان إذا كان ذا حظّ منه وهو ممّا يذكي النّفس- كنحو ما ذكر عن التّيس المراطيّ، وكنحو ما تراهم يبركون للبختيّ الفالج عدّة قلاص، فإذا ضرب الأولى فخافوا عليها أن يحطمها وهو في ذلك قد رمى بمائه مرارا أفلته الرّجال على التي تليه في القرب، حتى يأتي على الثّلاث والأربع على ذلك المثال. وما دعاهم إلى تحويله عن الثالثة إلى الرابعة إلّا تخوفهم من العجز منه.

وزعم أبو عبد الله الأبرص العمّيّ، وكان من المعتزلين، أنّ التّيس المراطي قرع في أول يوم من أوّل هيجة نيّفا وثمانين قرعة.

والنّاس يحكون ما يكون من العصفور في الساعة الواحدة من العدد الكثير.

والنّاس يدخلون هذا الشكل في باب الفضل، وفي باب شدّة العجلة وتظاهر القوّة.

والديك يكون له وحده الدّجاج الكثير، فيوسعها قمطا وسفادا.

وقد قلنا في حالة البيض الكثير التّرابي وقلبه إيّاه بسفاد إلى الحيوانيّة. وعلى أنّ الذي يخصيه إنّما يخرج له من بين الزّمكّي وموضع القطاة بيضتين عظيمتين معروفتين.

وأنا رأيت ديكا هنديّا تسنّم دجاجة هنديّة فلم يتمكّن منها، فرأيت نطفته حين مجّها- وقد زلق عن ظهرها- على مدرة، وكانت الدار مثارة لتجعل بستانا، فإذا تلك المجّة كالبزقة البيضاء، فأخذها بعض من كان معنا فشمّها حين رأى بياضها وخثورتها وكدرتها، ليعلم هل تناسب ريحها ريح نطفة الإنسان، وريح طلع الفحّال، فلم يجد ذلك.

ثمّ معرفة الدّيك باللّيل وساعاته، وارتفاق بني آدم بمعرفته وصوته: يعرف آناء الليل وعدد الليل وعدد السّاعات، ومقادير الأوقات، ثمّ يقسّط أصواته على ذلك تقسيطا موزونا لا يغادر منه شيئا. ثمّ قد علمنا أنّ اللّيل إذا كان خمس عشرة ساعة

أنّه يقسّط أصواته المعروفة بالعدد عليها، كما يقسطها والليل تسع ساعات، ثمّ يصنع فيما بين ذلك من القسمة وإعطاء الحصص على حساب ذلك. فليعلم الحكماء أنّه فوق الأسطرلاب، وفوق مقدار الجزر والمدّ على منازل القمر، وحتّى كأنّ طبعه فلك على حدة. فجمع المعرفة العجيبة والرّعاية العجيبة.

وربّ معرفة تكون نبيلة وأخرى لا تكون في طريق النّبالة. وإن كانت المعارف كلّها مفصّلة مقدّرة، إلّا أنّها في منازل ومراتب. وليس في الأرض معرفة بدقيق ولا جليل وهي في نفسها شريفة كريمة.

والمعرفة كلّها بصر، والجهل كله عمى، والعمى كلّه شين ونقص، والاستبانة كلّها خير وفصل.

ثمّ له بعد ذلك ارتفاق الناس بهذا المعنى منه.

ومن ذلك بعد صوته، وأنّه يدلّ على أنّ موضعه مأهول مأنوس، ولذلك قالوا:

لا يكون البنيان قرية حتّى يصقع فيها ديك.

وليس في الأرض طائر أملح ملحا من فرّوج، وليس ذلك الاسم إلّا لولد الديك، وإلّا فكلّ شيء يخرج من البيض فإنّما هو فرخ والفرّوج حين تنصدع عنه البيضة، يخرج كاسبا عارفا بموضع لقط الحب وسدّ الخلّة، وهو أصيد للذّباب من السّودانيّ، ويدرج مع الولادة بلا فصل.

وهذا مع ما أعطى من محبّة النساء، ورحمة الرجال، وحسن الرّأي من جميع الدار، ثم اتّباعه لمن دعاه، وإلفه لمن قرّبه. ثمّ ملاحة صوته وحسن قدّه، ثمّ الذي فيه ممّا يصحّ له الفروج ويتفرّج فيه.

وكان جعفر بن سعيد، يزعم أنّ الدّيك أحمد من الطاوس، وأنّه مع جماله وانتصابه واعتداله وتقلّعه إذا مشى، سليم من مقابح الطاوس ومن موقه وقبح صورته، ومن تشاؤم أهل الدار به ومن قبح رجليه، ونذالة مرآته. وزعم أنّه لو ملك طاوسا لألبس رجليه خفّا.

وكان يقول: وإنّما يفخر له بالتّلاوين، وبتلك التعاريج التي لألوان ريشه. وربّما

رأيت الدّيك النّبطيّ وفيه شبيه بذلك. إلّا إنّ الدّيك أجمل من التّدرج؛ لمكان الاعتدال والانتصاب والإشراف، وأسلم من العيوب من الطاوس.

وكان يقول: ولو كان الطاوس أحسن من الدّيك النّبطي في تلاوين ريشه فقط لكان فضل الديك عليه بفضل القدّ والخرط، وبفضل حسن الانتصاب وجودة الإشراف أكثر من مقدار فضل حسن ألوانه على ألوان الديك، ولكان السليم من العيوب في العين أجمل لاعتراض تلك الخصال القبيحة على حسن الطاوس في عين الناظر إليه. وأوّل منازل الحمد السلامة من الذّمّ.

وكان يزعم أنّ قول الناس فلان أحسن من الطاوس، وما فلان إلّا طاوس، وأنّ قول الشاعر:

جلودها مثل طواويس الذّهب

وأنّهم لمّا سمّوا جيش ابن الأشعث الطواويس لكثرة من كان يجتمع فيه من الفتيان المنعوتين بالجمال، إنما قالوا ذلك لأن العامّة لا تبصر الجمال. ولفرس رائع كريم أحسن من كلّ طاوس في الأرض، وكذلك الرّجل والمرأة. وإنّما ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط، ولم يذهبوا إلى حسن تركيبه وتنصّبه، كحسن البازي وانتصابه، ولم يذهبوا إلى الأعضاء والجوارح وإلى الشّيات والهيئة، والرأس والوجه الذي فيه.

وكان جعفر يقول: لمّا لم يكن في الطاوس إلّا حسنه في ألوانه، ولم يكن فيه من المحاسن ما يزاحم ذلك ويجاذبه وينازعه ويشغل عنه، ذكر وتبيّن وظهر.

وخصال الديك كثيرة، وهي متكافئة في الجمال. ونقول: لم يكن لعبد المطّلب في قريش نظير، وكما أنّه ليس للعرب في النّاس نظير؛ وذلك حين لم تكن فيه خصلة أغلب من أختها، وتكاملت فيه وتساوت، وتوافت إليه فكان الطّبع في وزن المعرفة، فقالوا عند ذلك: سيّد الأبطح وسيّد الوادي وسيّد قريش. وإذا قالوا سيّد قريش فقد قالوا سيّد العرب، وإذا قالوا سيّد العرب فقد قالوا سيّد الناس.

ولو كان مثل الأحنف الذي برع في حلمه وبرع في سائر خصاله لذكروه بالحلم؛ ولذلك ذكر قيس بن زهير في الدّهاء، والحارث بن ظالم في الوفاء، وعتيبة ابن الحارث في النّجدة والثّقافة.

ولو أنّ الأحنف بن قيس رأى حاجب بن زرارة، أو زرارة بن عدس، أو حصن بن حذيفة، لقدّمهم على نفسه. وهؤلاء عيون أهل الوبر لا يذكرون بشيء دون شيء لاستواء خصال الخير فيهم.

وفي منحول شعر النابغة:

فألفيت الأمانة لم تخنهاكذلك كان نوح لا يخون
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نأت بسعاد عنك نوى شظون»

وليس لهذا الكلام وجه، وإنّما ذلك كقولهم كان داود لا يخون، وكذلك كان موسى لا يخون ﵉. وهم وإن لم يكونوا في حال من الحالات أصحاب خيانة ولا تجوز عليهم، فإنّ النّاس إنّما يضربون المثل بالشيء النادر من فعل الرجال ومن سائر أمورهم، كما قالوا: عيسى ابن مريم روح الله، وموسى كليم الله، وإبراهيم خليل الرحمن، صلى الله عليهم وسلم.

ولو ذكر ذاكر الصبر على البلاء فقال: كذلك كان أيّوب لا يجزع كان قولا صحيحا. ولو قال: كان كذلك نوح ﵇ لا يجزع لم تكن الكلمة أعطيت حقّها.

ولو ذكر الاحتمال وتجرّع الغيظ فقال: وكذلك كان معاوية لا يسفه، وكان حاتم لا يفحش، لكان كلاما مصروفا عن جهته ولو قال: كذلك كان حاتم لا يبخل لكان ذلك كلاما معروفا ولكان القول قد وقع موقعه، وإن كان حاتم لا يعرف بقلّة الاحتمال وبالتّسرّع إلى المكافأة.

ولو قال: سألتك فمنعتني وقد كان الشّعبيّ لا يمنع، وكان النّخعيّ لا يقول «لا»، لكان غير محمود في جهة البيان، وإن كان ممّن يعطي ويختار «نعم» على «لا». ولكن لمّا لم يكن ذلك هو المشهور من أمرهما لم تصرف الأمثال إليهما، ولم تضرب بهما.

قال جعفر: وكذلك القول في الديك وجماله؛ لكثرة خصاله، وتوازن خلاله، ولأنّ جمال الديك لا يلهج بذكره إلّا البصراء بمقادير الجمال والتوسّط في ذلك، والاختلاط والقصد، وما يكون ممزوجا وما يكون خالصا. وحسن الطاوس حسن لا تعرف العوامّ غيره، فلذلك لهجت بذكره.

ومن الدّجاج الخلاسيّ والهنديّ، ومن الدّجاج الزّنجي ومنها الكسكريّ، ومن الدّيكة ما يخصى فلا يبلغه في الطّيب والسّمن شيء وإن اشتدّ لحمه. وإن كان غير خصيّ فقد يمدح ذلك من وجه هو أردّ عليه في باب الفخر، من رخاوة اللّحم واستطابة الأكل. وعلى أنّه لو كان أدناه من بعض سباع الطّير، أو عدا خلفه إنسان، فكان يريد أخذه حتّى إذا فسخه البهر ارتدّ في موضعه لا يبرحه، ثم ذبحه على المكان، لجمع به الخصال كلّها.

ولو علّق في عنقه حجر ليلته بعد أن ذبحه، أو أولج بطنه شيئا من حلتيت لجمع به الخصال؛ فإنّه أعمل فيه من البورق وقشور البطّيخ في اللحم المفصّل.

وهو بعد غيور يحمي دجاجه. وقال الرّاجز:

يغار والغيرة خلق في الذّكر

وقال الآخر:

الفحل يحمي شوله معقولا

ولحم الدّجاج فوق جميع اللّحمان في الطّيب والبياض، وفي الحسن. والملوك تقدّمه على جميع الفراخ والنواهض، والبطّ، والدّرّاج، وهم للدّرّاج آكل منهم للجداء الرّضّع، وللعنق الحمر من أولاد الصّفايا.

والدّجاج أكثر اللّحوم تصرّفا، لأنّها تطيب شواء، ثم حارّا وباردا، ثمّ تطيب في البزماورد، ثم تطيب في الهرائس، ويحدث لها به نفحة لا تصاب مع غيرها،

وتطيب طبيخا، وتطيب فصوصها، وإن قطّعتها مع اللحم دسم ذلك اللحم. وتصلح للحشاوى، وللملاقسطي، وتصلح في الاسفرجات وسمينها يقدّم في السّكباجة على البطّ، إلّا أنها تطعم المفصود وليس ذلك للبطّ.

قال: والدّيكة دجاج إذا ذكرت في جملة الجنس، وهذا الباب مما تغلّب فيه الإناث على الذّكورة. وقال آخرون: لا، ولكنّ الدّيك نفسه دجاجة، إلّا أنّهم أرادوا إبانته بأنّه ذكر فقالوا: ديك، كما يسمّون الذّكر والأنثى فرسا بلا هاء، فإذا أرادوا أن يثبتوا إناثها قالوا حجر، وإن كانت حجرا فهي فرس. وقال الأخطل:

نازعته في الدّجى الرّاح الشّمول وقدصاح الدّجاج وحانت وقفة السّاري

وقد بيّن ذلك القرشيّ حيث يقول:

اطردوا الدّيك عن ذؤابة زيدكان ما كان لا تطاه الدّجاج

وذلك أنّه كان رأى رأس زيد بن علي في دار يوسف بن عمر، فجاء ديك فوطئ شعره ونقره في لحمه ليأكله.

قالوا: قد أخطأ من زعم أنّ الدّيكة إنّما تتجاوب، بل إنّما ذلك منها شيء يتوافق في وقت، وليس ذلك بتجاوب كنباح الكلاب؛ لأنّ الكلب لا وقت له، وإنّما هو صامت ساكت ما لم يحسّ بشيء يفزع منه، فإذا أحسّ به نبح، وإذا سمع نباح كلب آخر أجاب ثم أجاب ذلك آخر، ثمّ أجابهما الكلب الأوّل، وتبيّن أنّه المجاوب جميع الكلاب. والدّيك ليس إذا من أجل أنّه أنكر شيئا استجاب، أو سمع صوتا صقع، وإنّما يصقع لشيء في طبعه، إذا قابل ذلك الوقت من اللّيل هيّجه. فعدد أصواته في الوقت الذي يظنّ أنّه تتجاوب فيه الدّيكة، كعدد أصواته في القرية وليس

في القرية ديك غيره، وذلك هو في المواقيت. والعلّة التي لها يصقع في وقت بعينه شائعة فيها في ذلك الوقت. وليس كذلك الكلاب! قد تنبح الكلاب في الخريبة وكلاب في بني سعد غير نابحة، وليس يجوز أن تكون ديكة المهالبة تصقع، وديكة المسامعة ساكتة.

فإن أراد مريد بقوله إنّ الدّيكة تتجاوب، وعلى مثل قول العرب: هذه الجبال تتناظر، إذا كان بعضها قبالة بعض، وإذا كان الجبل من صاحبه بالمكان الذي لو كان إنسان رآه- جاز ذلك. وعلى هذا المثال قال النبيّ ﷺ في نار المشركين ما قال، حيث قال: «لا تتراءى ناراهما»، ومع قول الشاعر:

لا تتراءى قبورهما

وقال ابن مقبل العجلانيّ:

سل الدّار من جنبي حبّر فواهبوحيث يرى هضب القليب المضيّح

وتقول العرب: إذا كانت بمكان كذا وكذا، حيث ينظر إليك الجبل فخذ عن يسارك أو عن يمينك.

وقال الرّاجز:

وكما يرى شيخ الجبال ثبيرا

وشيخ الجبال عنده أبو قبيس.

وقال النبي ﷺ وعلى آله الأخيار: «أنا بريء من كلّ مسلم مع كلّ مشرك».

قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: «لا تتراءى ناراهما».

وقال الكسائيّ: تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تتناظر. وقال الله ﵎: وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ

وإنّما قال القوم في تجاوب الدّيكة ببيت شعر سمعوه للطّرمّاح، جهلوا معناه، وهو:

فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعداببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أَلاَ أَيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ، أَلاَ اصْبِحِي»
إذا صاح لم يخذل وجاوب صوتهحماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا أيها الليل الطويل ألا أصبحي»

وكذلك غلطوا في قول عبدة بن الطبيب:

إذ صفّق الدّيك يدعو بعض أسرتهإلى الصّباح وهم قوم معازيل

وإنّما أراد توافي ذلك منها معا؛ فجعلها دعاء وتجاوبا على ما فسرناه.

قال صاحب الكلب: لولا أنّا وجدنا الحمار المضروب به المثل في الجهل، يقوم في الصّباح وفي ساعات اللّيل مقام الدّيكة، لقد كان ذلك قولا ومذهبا غير مردود. ولو أنّ متفقّدا يتفقّد ذلك من الحمار لوجده منظوما يتبع بعضه بعضا على عدد معلوم؛ ولوجد ذلك مقسوما على ساعات الليل، ولكان لقائل أن يقول في نهيق الحمار في ذلك الوقت: ليس على تجاوب، إنّما ذلك شيء يتوافى معا، لا ستواء

العلة، ولم تكن للدّيك الموصوف بأنّه فوق الأسطرلاب فضيلة ليست للحمار.

وعلى أنّ الحمار أبعد صوتا، وقد بلغ من شدّة صوته ما إن حلف أحمد بن عبد العزيز: إنّ الحمار ما ينام! قيل له: وما ذاك؟ قال: لأنّي أجد صياحه ليس بصياح شيء انتبه تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء صياحه!.

هذا والحمار هو الذي ضرب به القرآن المثل في بعد الصوت، وضرب به المثل في الجهل، فقال: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً

. فلو كان شيء من الحيوان أجهل بما في بطون الأسفار من الحمار، لضرب الله المثل به دونه.

وعلى أنّ فيه من الخصال ما ليس في الديك، وذلك أنّ العرب وضعته من الأمثال التي هي له في عشرة أماكن، فقال رسول الله ﷺ: «كلّ الصّيد في جوف الفرا» وكفاك به مثلا إذا كان لرسول الله ﷺ في تفضيل هداية أبي سفيان.

وقال العرب: «أنكح من الفرأ». والفرأ مهموز مفتوحة الفاء مجموعه فراء، قال الشاعر:

بضرب كآذان الفراء فضولهوطعن كإيزاغ المخاض تبورها

وتقول العرب: «العير أوقى لدمه». وقولهم: «من ينك العير ينك نيّاكا». وقالوا: «الجحش إذا فاتتك الأعيار» وقالوا: «أصبر من عير أبي

سيّارة»؛ لأنّه كان دفع بأهل الموسم على ذلك الحمار أربعين عاما.

وقالوا: «إن ذهب عير فعير في الرّباط». وقالوا في المديح لصاحب الرأي:

«جحيش وحده»، و «عيير وحده»، و «العير يضرط والمكواة في النّار»؛ وقالوا: «حمار يحمل أسفارا»، و «أضلّ من حمار أهله»، و «أخزى الله الحمار مالا لا يزكّى ولا يذكّى»، و «قد حيل بين العير والنّزوان».

فالذي مدح به أكثر؛ فقد وجدنا الحمار أبعد صوتا، ووجدناه يعرف من أوقات الليل ويميّز عددا معلوما إلى الصبح، إلّا أنّ له في الأسحار فضيلة.

والحمار أجهل الخلق، فليس ينبغي للدّيك أن يقضى له بالمعرفة والحمار قد ساواه في يسير علمه، ثم باينه أنّ الحمار أحسن هداية. والدّيك إن سقط على حائط جاره لم يحسن أن يهتدي إلى داره، وإن خرج من باب الدار ضلّ، وضلاله من أسفل كضلاله من فوق.

قال صاحب الديك: حدّثونا عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله

ابن عتبة، قال: «صرخ ديك عند النبي ﷺ فسبّه بعض أصحابه، فقال: لا تسبّه فإنّه يدعو إلى الصلاة».

وعن ابن الماجشون، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، عن يزيد بن خالد الجهني: «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن سبّ الديك وقال: إنّه يؤذّن للصّلاة».

الحسن بن عمارة، عن عمرو بن مرّة، وعن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى النبي ﷺ قال: «إنّ مما خلق الله تعالى لديكا عرفه تحت العرش وبراثنه في الأرض السّفلى، وجناحاه في الهواء، فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلثه ضرب بجناحه ثم قال:

سبّحوا الملك القدّوس، سبّوح قدّوس- أي أنّه لا شريك له- فعند ذلك تضرب الطّير بأجنحتها وتصيح الدّيكة».

وأبو العلاء عن كعب: «إنّ لله تعالى ديكا عنقه تحت العرش، وبراثنه في أسفل الأرضين، فإذا صاحت الديكة يقول: سبحان الملك القدّوس الملك الرّحمن، لا إله غيره». قال: والدّيكة أكيس شيء.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الدّيك الأبيض صديقي، وعدوّ عدوّ الله، يحرس دار صاحبه وسبع دور».

وكان رسول الله ﷺ يبيّته معه في البيت.

وروي أنّ أصحاب النبي ﷺ كانوا يسافرون بالدّيكة.

وزعم أصحاب التّجربة أنّه كثيرا ما يرون الرّجل إذا ذبح الدّيك الأبيض الأفرق، أنّه لا يزال ينكب في أهله وماله.

وممّا في المحاجاة أن يقال: كيف تعرف الدّيك من الدجاجة إذا كان صغيرا حين يخرج من البيضة؟ فقالوا: يعلّق بمنقاره، فإن تحرّك فهو ديك وإن لم يتحرّك فهو دجاجة.

قال الشاعر في حسن الدّجاجة ونبل الديك:

غدوت بشربة من ذات عرقأبا الدّهناء من حلب العصير
وأخرى بالعقنقل ثم رحنانرى العصفور أعظم من بعير
كأنّ الدّيك ديك بني نميرأمير المؤمنين على السّرير
كأنّ دجاجهم في الدّار رقطابنات الرّوم في قمص الحرير
فبتّ أرى الكواكب دانياتينلن أنامل الرّجل القصير
أدافعهنّ بالكفّين عنّيوأمسح جانب القمر المنير

وقال صاحب الكلب: الأشياء التي تألف الناس لا تريد سواهم كالعصفور والخطّاف والكلب والسّنور. والدّيك ممّا يتّخذه الناس، وليس ممّا يحنّ إليهم فيقطع البلاد نزاعا، فيكون كالقواطع من الطير التي تريدهم كالخطّاف، ولا هو من الأوابد كالعصفور الذي حيثما دار رجع إليهم، ولا هو كالكلب الذي لا يعرف سواهم، ولا هو كالأهليّ من السنانير التي متى ألفتهم لم تفارقهم، وتعسّ باللّيل، وتطوف في القبائل من دار إلى دار ثمّ لا يكون مرجعها إلّا إليهم. والدّيك في خلاف ذلك كلّه، ثمّ لا يألف منزله ولا يعرف ربعه، ثم لا يحنّ إلى دجاجه، ثمّ لا تتوق نفسه إلى طروقته، ولا يشتاق إلى ولده، ولا يعرف الذين غذوه وربّوه، بل لم يدر قطّ أنّ له ولدا، ولو كان درى لكان على درايته دليل، فإذ قد وجدناه لفراريجه وبيضه المخلوقة منه ومن نجله، كما نجده لما لم يلد ولما ليس من شكله أيضا ولا يرجع إلى نسبه، فكيف لا نقضي عليه بالنّقص، إذ كانت الأمور لا تعرف إلّا بهذا وشبهه!!.

وهو لا يعرف أهل داره، ولا يثبت وجه صاحبه الذي لم يخلق إلّا عنده، وفي ظلّه وتحت جناحه، ولم يزل في رزقه وعياله. والحمام ترجع إليه من مائتي فرسخ،

ويصطاد فيتحوّل عن وطنه عشر حجج، ثمّ هو على ثبات عهده وقوّة عقده، وعلى حفاظه وإلفه، والنّزاع إلى وطنه. فإن وجد فرجة ووافق جناحه وافيا وافاه وصار إليه، وإن كان جناحه مقصوصا جدف إلى أهله، وتكلّف المضيّ إلى سكنه، فإمّا بلغ وإمّا أعذر.

والخطّاف يقطع إليهم من حيث لا يبلغه خبر، ولا يطؤه صاحب سفر؛ على أنّا لا نراه يتّخذ وكره إذا صار إليهم إلّا في أحصن موضع، ولا يحمله الأنس بهم على ترك التّحرّز منهم، والحزم في ملابستهم، ولا يحمله الخوف منهم على منع نفسه لذّة السّكون إليهم، ولا يبخس الارتفاق بهم حظّه.

والعصافير لا تقيم في دار إلّا وهي مسكونة، فإن هجرها الناس لم تقم فيها العصافير.

والسّنّور يعرف ربّة المنزل، ويألف فرخ الحمام، ويعابث فراريج الدار. إن سرق وربط شهرا عاد عند انفلاته، وانحلال رباطه.

والهرّة تعرف ولدها وإن صار مثلها، وإن أطعمت شيئا حملته إليه وآثرته به.

وربّما ألقي إليها الشيء فتدنو لتأكله، ويقبل ولدها فتمسك عنه، وترضّه له. وربّما طرح لها الشيء وولدها غائب عنها- ولها ضروب من النّغم، وأشكال من الصّياح- فتصيح ضربا من الصّياح يعرف أهل الدّار أنّه صياح الدّعاء لا غير ذلك. ويقال: «أبرّ من هرّة».

ومتى أرادت ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدّار فتبحثه، حتّى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثمّ غطّته من ذلك التّراب، ثمّ تشمّمت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتّى تعلم أنّها قد أخفت المرئيّ والمشموم جميعا. فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السّطح، حتّى تبلغ في الحفر المبلغ، ومن ستر ذلك المجهود.

وزعم ناس من الأطبّاء أن السّنّور يعرف وحده ريح رجعه، فإنما يستره لمكان شمّ الفأر له، فإنها تفرّ من تلك الرائحة. أو يغطّيه لما يكون فيه من خلق من أخلاق

الأسد. وما يشاكل فيه الأسد في الخلق، على قدر ما يشاكله في الخلق. وتعداد ذلك كثير.

والدّيك لا تراه إلّا سالحا، ثمّ لا يتوقّى ثوب ربّ الدار ولا فراشه ولا بساطه.

هذا، وحياته التّراب، ولذا يدفن نفسه فيه، ويدخله في أصول ريشه.

ثمّ لا ترى سلاحا أنتن من سلاحه، ولا يشبه ذرق الحمام، وصوم النّعام، وجعر الكلب. ثم مع ذلك لا تراه إلّا سائلا رقيقا. ولو كان مدحرجا كأبعار الشاء والإبل والظباء، أو متعلقا يابسا كجعر الكلب والأسد، ثمّ لو كان على مقدار نتنه لكان أهون في الجملة.

وقال أبو نواس في ديك بعض أصحابه:

آذيتنا بديكك السّلّاحفنجّنا من منتن الأرواح

وقال صاحب الكلب: ومن مرافق الكلب أنّ الخنّاقين يظاهر بعضهم بعضا، فلا يكونون في البلاد إلّا معا، ولا يسافرون إلّا معا؛ فربّما استولوا على درب بأسره، أو على طريق بأسره. ولا ينزلون إلّا في طريق نافذ، ويكون خلف دورهم: إمّا صحارى وإمّا بساتين، وإما مزابل وأشباه ذلك. وفي كلّ دار كلاب مربوطة، ودفوف وطبول.

ولا يزالون يجعلون على أبوابهم معلّم كتّاب منهم، فإذا خنق أهل دار منهم إنسانا ضرب النّساء بالدّفوف، وضرب بعضهم الكلاب فسمع المعلّم فصاح بالصّبيان: انبحوا! وأجابهم أهل كلّ دار بالدفوف والصّنوج، كما يفعل نساء أهل القرى، وهيّجوا الكلاب. فلو كان المخنوق حمارا لما شعر بمكانه أحد، كما كان ذلك بالرّقّة.

وانظر كيف أخذوا أهل درب بأسره!! وذلك أنّ بعضهم رغب في ثويب كان على حمّال، وفيه دريهمات معه، فألقى الوهق في عنقه فغشي عليه ولم يمت،

وتحرّك بطنه فأتى المتوضّأ وتحرّك الحمّال والسّاجور في عنقه، فرجعت نفس الحمال، فلمّا لم يحسّ بأحد عنده، قصد نحو باب الدار، وخرح وزياره في عنقه، وتلقّته جماعته فأخبرهم الخبر، وتصايح النّاس فأخذوا عن آخرهم.

وقد كان بالكوفة شبيه بذلك، وفي غيرها من البلدان. فقال حماد الرّاوية، وذكر المرميّين بالخنق من القبائل وأصحاب القبائل والنّحل، وكيف يصنع الخنّاق، وسمّى بعضهم فقال:

إذا سرت في عجل فسر في صحابةوكندة فاحذرها حذارك للخسف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وفي شيعة الأعمى زيار وغيلةوقشب وإعمال لجندلة القذف
وكلّهم شرّ على أنّ رأسهمحميدة والميلاء حاضنة الكسف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
متى كنت في حيّي بجيلة فاستمعفإنّ لهم قصفا يدلّ على حتف
إذا اعتزموا يوما على خنق زائرتداعوا عليه بالنّباح وبالعزف

وأمّا ذكره لبني عجل فلمكان ذي الضفرتين وغيره من بني عجل. وأمّا ذكره كندة، فقد أنشدنا سفيان بن عيينة، وأبو عبيدة النحويّ:

إذا ما سرّك العيشفلا تأخذ على كنده

ومن كندة أبو قصبة أخذ بالكوفة وقتل وصلب.

وكان بالكوفة ممّن يأكل لحوم النّاس عديّة المدنية الصّفراء. وكان بالبصرة رادويه صاحب قصاب رادويه.

وأمّا الأعمى في بني ضبّة الذي ذكره فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيريّة، وهم صنف ممّن يعمل في الخنق بطريق المنصوريّة.

والمغيرة هذا من موالي بجيلة، وهو الخارج على خالد بن عبد الله القسريّ، وعند ذلك قال خالد وهو على المنبر: أطعموني ماء!

وفي ذلك يقول يحيى بن نوفل:

وقلت لما أصابك أطعمونيشرابا ثمّ بلت على السّرير
لأعلاج ثمانية وشيخكبير السّنّ ذي بصر ضرير
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة

وأما حميدة فقد كانت لها رياسة في الغالية، وهي ممّن استجاب لليلى السبائية الناعظية، والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصوريّة، وهو الكسف.

قالت الغالية: إيّاه عنى الله ﵎ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ

. وقد ذكره أبو السريّ معدان الأعمى الشّميطي في قصيدته التي صنّف فيها الرّافضة ثم الغالية، وقدّم الشّميطيّة على جميع أصناف الشيعة، فقال:

إنّ ذا الكسف صدّ آل كميلوكميل رذل من الأرذال
تركا بالعراق داء دويّاضلّ فيه تلطّف المحتال
منهم جاعل العسيب إماماوفريق يرض زند الشّمال
وفريق يقول إنّا براءمن عليّ وجندب وبلال
وبراء من الذي سلّم الأمر على قدرة بغير قتال
وفريق يدين بالنصّ حتماوفريق يدين بالإهمال

لأنّ الكميليّة لا تجيز الوكالة في الإمامة، وتقول لا بدّ من إمام صامت أو ناطق، ولابدّ من علم يمدّ الناس إليه أعناقهم. وأبو منصور يقول بخلاف ذلك.

وأمّا قوله:

وفي شيعة الأعمى زيار وغيلةوقشب وإعمال لجندلة القذف

فقد قال معدان:

حبشيّ وكافر سبيانىحربيّ وناسخ قتّال
تلك تيميّة وهاتيك صمتثمّ دين المغيرة المغتال
خنق مرّة وشمّ بخارثمّ رضخ بالجندل المتوالي

لأنّ من الخنّاقين من يكون جامعا، وبذلك يسمّونه إذا جمع الخنق والتشميم، وحمل معه في سفره حجرين مستديرين مدملكين وململمين فإذا خلا برجل من أهل الرّفقة استدبره فرمى بأحدهما قمحدوته، وكذلك إن كان ساجدا. فإن دمغه الأول سلبه، وإن هو رفع رأسه طبّق بالآخر وجهه. وكذلك إن ألفاه نائما أو غافلا.

ولقد صحب منهم ناس رجلا خرج من الرّيّ، وفي حقوه هميان، فكان لا يفارق معظم النّاس، فلمّا رأوه قد قرب من مفرق الطّريقين ورأوا احتراسه، وهم نزول إمّا في صحراء وإمّا في بعض سطوح الخانات، والنّاس متشاغلون بأمورهم، فلم يشعر صاحب الهميان نهارا والنّاس حوله إلا والوهق في عنقه، وطرحه الآخر حين ألقاه في عنقه، ووثب إليه وجلس على صدره، ومدّ الآخر برجليه وألقى عليه ثوبا وأذّن في أذنه فقام إليهم بعض أهل الرّفقة كالمعين والمتفجّع، فقالوا له: مكانك؛ فإنّه إن رآك خجل واستحى. فأمسك القوم عنهم، وارتحل القوم، وأعجلوا بصاحبهم، فلمّا خلوا به أخذوا ما أحبّوا، وتركوا ما أحبّوا، ثمّ حملوه على أيديهم، حتى إذا برزوا رموه في بعض الأودية.

وقد ذكر أعشى همدان السّبئيّة وشأنهم في كرسيّ المختار:

شهدت عليكم أنّكم سبئيّةوإنّي بكم يا شرطة الكفر عارف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وأقسم ما كرسيّكم بسكينةوإن كان قد لفّت عليه اللفائف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وأن لبّس التّابوت فتنا وإن سمتحمام حواليه وفيكم زخارف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وإنّي امرؤ أحببت آل محمّدوآثرت وحيا ضمّنته المصاحف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وإن شاكرا طافت به وتمسّحتبأعواد ذاو دبرت لا تساعف
ودانت به لابن الزّبير رقابناولا غبن فيها أو تحزّ السّوالف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
وأحسب عقباها لآل محمّدفينصر مظلوم ويأمن خائف
للشاعر أعشى همدان، اقرأ القصيدة
ويجمع ربى أمّة قد تشتّتتوهاجت حروب بينهم وحسائف

أبو عبيدة: الحسيفة الضغينة، وجمعها حسائف

وما أكثر من قتل نفسه بيده، إمّا لخوف المثلة، وإمّا لخوف التعذيب والهوان وطول الأسر.

وقد كان الحكم بن الطّفيل، أخو عامر بن الطفيل، وأصحابه خنقوا أنفسهم في بعض الأيام، فعيّروا بذلك تعييرا شديدا، فقال خراشة بن عامر بن الطفيل:

وقدتهم للموت ثمّ خذلتهمفلا وألت نفس عليك تحاذر
فهل تبلغنّي عامرا إن لقيتهأسلّيت عن سلمان أم أنت ذاكر
فإنّ وراء الحيّ غزلان أيكةمضمّخة آذانها والغدائر
وإنّكم إذ تخنقون نفوسكملكم تحت أظلال العضاه جرائر

وقال عروة بن الورد في يوم ساحوق، ويذكر خنق الحكم بن الطّفيل وأصحابه أنفسهم، فقال:

ونحن صبحنا عامرا في ديارهاعلالة أرماح وعضبا مذكّرا
بكلّ رقيق الشّفرتين مهنّدولدن من الخطّيّ قد طرّ أسمرا
عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهمومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «ونحن صبحنا عامرا إذ تمرست»
يشدّ الحليم منهم عقد حبلهألا إنّما يأتي الذي كان حذّرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «ونحن صبحنا عامرا إذ تمرست»

وقال أبو زبيد في كلب له، كان يساور الأسد ويمنعه من الفساد، حين حطمه الأسد، وكان اسمه أكدر، فقال:

أخال أكدر مختالا كعادتهحتى إذا كان بين الحوض والعطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهيةأسرت وأكدر تحت الليل في قرن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
حطّت به سنّة ورهاء تطردهحتّى تناهى إلى الأهوال في سنن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
إلى مقارب خطو الساعدين لهفوق السّراة كذفرى القارح الغضن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
ريبال ظلماء لا قحم ولا ضرعكالبغل خطّ به العجلان في سكن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
فأسريا وهما سنّا همومهماإلى عرين كعشّ الأرمل اليفن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
هذا بما علقت أظفاره بهموظنّ أكدر غير الأفن والحتن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
حتّى إذا ورد العرزال وانتبهتلحسّه أمّ أجر ستة شزن
باد جناجنها حصّاء قد أفلتلهن يبهرن تعبيرا على سدن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
وظنّ أكدر أن تموا ثمانيةأن قد تجلّل أهل البيت باليمن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
فخاف عزّتهم لما دنا لهمفحاص أكدر مشفيّا من الوسن
بأربع كلّها في الخلق داهيةعضف عليهنّ ضافي اللحم واللبن
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
ألفاه متّخذ الأنياب جنّتهوكان باللّيل ولأجا إلى الجنن

وقال صاحب الكلب: قال أعرابيّ وأكل ذيب شاة له تسمّى وردة، وكنيتها أم الورد:

أودى بوردة أمّ الورد ذو عسلمن الذئاب إذا ما راح أو بكرا
لولا ابنها وسليلات لها غررما انفكّت العين تذري دمعها دررا
كأنّما الذّئب إذ يعدو على غنميفي الصّبح طالب وتر كان فاتّأرا
اعتامها اعتامه شثن براثنهمن الضّواري اللّواتي تقصم القصرا

قال: في هذا الشعر دليل أنّ الذّئب إنّما يعدو عليها مع الصبح، عند فتور الكلب عن النّباح؛ لأنّه بات ليلته كلّها دائبا يقظان يحرس، فلمّا جاء الصّبح جاء وقت نوم الكلاب، وما يعتريها من النّعاس. ثم لم يدع الله على الذّئب بأن يأكله الأسد حتّى يختاره ويعتامه، إلّا والأسد يأكل الذئاب، ويختار ذلك. وإنما استطاب لحم الذّئب بفضل شهوته للحم الكلب.

وقال صاحب الدّيك: لم نر شريفا قطّ أجاز شاعرا بكلب، ولا حبا به زائرا، وقد رأيتهم يجيزون الشّعراء بالدّجاج. وأعظم من ذلك أن لقيم الدّجاج، لما قال في افتتاح خيبر، وهو يعني النبي ﷺ:

رميت نطاة من النبيّ بفيلقشهباء ذات مناكب وفقار

وهب له دجاج خيبر عن آخرها. رواه أبو عمرو، والمدائني عن صالح بن كيسان، ولتلك الدّجاج قيل: لقيم الدّجاج.

وقال صاحب الكلب: قال أبو الحسن: كان إياس بن معاوية وهو صغير، ضعيفا دقيقا دميما، وكان له أخ أشدّ حركة منه وأقوى، فكان معاوية أبوه يقدّمه على إياس، فقال له إياس يوما يا أبت! إنّك تقدّم أخي عليّ، وسأضرب لك مثلي ومثله: هو مثل الفرّوج حين تنفلق عنه البيضة، يخرج كاسيا كافيا نفسه، يلتقط، ويستخفّه الناس، وكلّما كبر انتقص، حتى إذا تمّ فصار دجاجة، لم يصلح إلّا للذبح. وأنا مثل فرخ الحمام حين تنفلق عنه البيضة عن ساقط لا يقدر على حركة، فأبواه يغذوانه حتّى يقوى ويثبت ريشه، ثمّ يحسن بعد ذلك ويطير، فيجد به الناس ويكرمونه،

ويرسل من المواضع البعيدة فيجيء، فيصان لذلك ويكرم، ويشترى بالأثمان الغالية. فقال أبوه: لقد أحسنت المثل!! فقدّمه على أخيه، فوجد عنده أكثر مما كان يظنّ فيه، [وخرج إياس باقعة منقطع النظير].

قال صاحب الكلب: وقد أغفل إياس في هذا القول بعض مصالح الدّجاج، وذلك أنّ الدّجاج من لدن يخرج من حدّ الصّغر والكيس إلى أن يدخل في حدّ الكبر واحتمال اللّحم والشّحم، يكون أخبث حالا لأنّه لا يصلح فيه للذّبح، وقد خرج من حدّ الكيس والاستملاح.

وإياس هو الذي يقول: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني، و [قال:

الخب] لا يخدع ابن سيرين؛ وهو يخدع أبي ويخدع الحسن.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.